لعلك لو طفت شوارع العراق وأزقته وبيوتاته وسألت أهله عن أعظم أمنية يتمنونها اليوم لأجابوك بلسان فصيح وصريح، دون تلكؤ أو تباطؤ، إنهم يتمنون ((الأمن)) الذي فقدوه منذ أن وطأت أقدام الغزاة ثرى بلاد الرافدين الطاهر، وهم يحلمون بعودته ويهبون الغالي والنفيس من أجل استعادته.
هذا الأمن الذي يعد منظومة متكاملة مترابطة لمجموعة من المكونات والأساسيات لا ينبغي لبعضها الإنفكاك عن البعض الآخر إذا ما أريد العيش باستقرار وطمأنينة وسلام وأمان، فلا يمكن تصور الأمن المطلق دون تحقق الأمن الاقتصادي والإجتماعي والعلمي والفكري والسياسي، فضلاً عن التآلف والتكاتف والتآزر والتعاون في سبيل بناء الوطن الواحد الموحد، الذي يعمل كثيرون على تفتيته وتمزيقه، وبالتالي إضعافه وجعله مشلولاً لا يعمل ولا ينتج ولا يتقدم ولا يزدهر.
فهل تحقق هذا الأمن في ظل السلطات المتعاقبة في زمن الاحتلال الجائر؟ وهل سعت الحكومات المختلفة التي بلغ عددها (الأربع) على تحقيق هذه المنظومة الأمنية المترابطة والمتراكمة؟ وهل وضعت الخطط وأعدّت العُدد من أجل هذه الأمنية الغالية التي يحلم بها العراقيون، مما ينبغي توفيره لهم كأدنى خدمة يمكن تقديمها بسبب ما تحملوه من نصب وألم ومرارة في العيش في هذه السنيات النحسات العجاف؟!
إنَّ الواقع يشير إلى أنّ هناك نوعاً من عدم الجدية في تحقيق ذلك، والمؤكد أنه لو سعى بعضهم نحو ذلك لم ولن يتحقق له ما يسعى إليه؛ لأنَّ هناك أساسا خاطئا بني عليه كل ما فوقه من أوهام يظنها الجهال حقائق على الأرض، ولكنها سرعان ما تتهاوى وتتلاشى ويعود الأمر كما كان.
لعلَّ أصدق مثال على هذا التوصيف هو (التراجع الأمني الكبير) الذي تشهده محافظات ومدن العراق، لا سيما العاصمة الحبيبة (بغداد) التي لا تكاد تفيق من صدمة مرعبة حتى تدخل في صدمة أكثر رعباً مما سبقها. فيوم الأربعاء الدامي قطف من أرواح العراقيين المئات، وبالكاد أفاق العراقيون من هذه الهجمة الوحشية الظالمة، حتى دخلت العاصمة المنكوبة، بل والمنطقة المنكوبة نفسها في صدمة أكثر إيلاماً ورعباً فجاء الأحد الأسود بكل ما في كلمة السواد من معانٍ ودلائل، تزامن معها أنفجارات عديدة في محافظات العراق المختلفة؛ ليتحقق بذلك (التراجع الأمني الحقيقي) بعد الهدوء النسبي الذي ربما تحقق بسبب متغيرات يعرفها المهتمون بالشأن العراقي أكثر من غيرهم.
ويدرك المهتمون بهذا الشأن أيضاً أنَّ ثمة أسباباً حقيقية تقف وراء مثل هذا التراجع، تتمثل بالصراع السياسي القائم الآن على أشده في العراق بسبب التنافس المحموم غير الشريف على كراسي المجلس التشريعي الذي صار السعي إليه والركض وراءه من الغنائم المطلوبة والمكتسبات المحبوبة، بعد أن غاب مبدأ المخلصين الذين غالباً ما كانوا يرددون بأنَّ المنصب والمسؤولية (تكليف وليس تشريف).
إن المتابع للصورة العراقية بتفحص يدرك أنَّ هناك ثمة تغييرات، وإذا شئت فسمّه تهاوياً لرؤوس أعضاء مؤسسة الأمن الحالية بشكل غير مسبوق، ولا يمكن تصوره أو تصديقه أو إدراك تبعاته أو معرفة أسبابه ودوافعه بسهولة ابداً؛ لأنَّ المفاجئات تحدث الصدمات، وإتخاذ القرار بصورة مستعجلة ينبؤك عن أنَّ شيئاً يمكن أن يكون مخبئاً خلفه بلا ريب؛ فقبل أقل من شهرين من الآن قرر المالكي إقالة اللواء عبد الكريم خلف، الذي يعد رأساً من رؤوس الداخلية الحالية، وهو المتحدث الرسمي باسمها، دون إعطاء مزيدٍ من التفاصيل عن إقالته أو الشخصية التي ستحل محله، مع أنَّ التكهنات اشارت في وقتها إلى أن أسباب تلك الإقالة تعود لخلافات سياسية محتدمة بين المالكي الذي يسمى بـ(القائد العام للقوات المسلحة) وبين وزير داخليته جواد البولاني، وهي تأتي في إطار التصفيات السياسية التي يقوم بها المالكي مع من يعتقدهم ضده أو غير مؤيدين له، أو أنهم قد يقفون عقبة في طريقه الانتخابي.
ثم بعد أقل من اثنين وسبعين ساعة قرر المالكي عزل مدير المخابرات الحالية (محمد الشهواني) بحجة بلوغه السن القانوني بعد أن أمضى في هذا الجهاز ست سنوات، مع أنَّ المراقبين يؤكدون أنَّ وراء هذه الإقالة ما وراءها من أبعاد لا تخلو من الطائفية، مع الإتهام الدائم للشهواني بأنَّ جهازه يضم بعثيين سابقين.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلى ما تسرب من أنباء تؤكد مطالبة المالكي للبرلمان الحالي برفع الثقة عن وزير داخليته (جواد البولاني) قبيل إعلان قائمته الانتخابية التي يقودها بالتعاون مع قائد الصحوة (أحمد أبو ريشة) ورئيس ديوان الوقف (أحمد عبد الغفور) تحت مسمى (ائتلاف وحدة العراق) الذي يعد تكوينه إشارة واضحة وضربة للمالكي، في ظل نقد البولاني للتكتلات الأخرى ووصفها بالطائفية، وعدم دخوله تحت مظلة ما يسمى (ائتلاف دولة القانون) الذي يقوده نوري المالكي.
ثم تكللت كل تلك المغامرات، بل والمهاترات بما كشف عنه مصدر مقرب من المالكي أنه ربما اتخذ قراراً يقضي بإبعاد (32) ضابطاً من قيادات عمليات بغداد ومكتب القائد العام للقوات المسلحة ووزارة الداخلية. مشيراً إلى أنَّ غالبية هؤلاء الضباط من المشمولين بإجراءات ما يسمى (اجتثاث البعث). ولم يستبعد المصدر -حسبما نقلته وكالة الملف برس- أن يكون قائد عمليات بغداد الفريق عبود كنبر ورئيس أركانه اللواء الركن حسن البيضاني بين المقالين. وتوقع المصدر شمول قائد عمليات الرصافة العميد الركن عبدالكريم العزاوي وقائد عمليات الكرخ ضمن قائمة الإبعاد الجديدة. ولفت إلى أنَّ إعلان القرار وتنفيذه رهن بمداولات جارية بين مكتب القائد العام للقوات المسلحة وقادة القوات الأميركية للتنسيق في إدارة الملف الأمني في العاصمة بعد الاستغناء عن هؤلاء القادة. هذا في الوقت الذي صوت فيه مجلس المحافظة يوم الثلاثاء الماضي على إقالة وزير الداخلية جواد البولاني وقائد عمليات بغداد عبود كنبر على اثر تفجيرات بغداد الدامية التي وقعت يوم الأحد الماضي. وتتزامن تلك التطورات مع اعتقال أكثر من ستين عنصراً أمنياً بينهم أحد عشر ضابطاً من ضباط الأمن للتحقيق معهم على خلفية التقصير الأمني والإهمال الذي ادى إلى وقوع تلك التفجيرات الدامية.
وبعد هذه الرؤوس التي تهاوت وتتهاوى كل يوم، فهل يتهاوى المالكي باعتباره قائدا عاماً للقوات المسلحة، في ظل المطالبات المتكررة من قبل لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الحالي لا سيما ما طالب به عبد الكريم السامرائي نائب رئيس تلك اللجنة والذي طالب من خلال مؤتمر صحفي عقده مؤخراً في بغداد باستدعاء المالكي مع وزرائه الأمنيين لمناقشتهم عن التدهور الأمني الحاصل في جلسة علنية.
هذا ما يمكن انتظاره، ومراقبة الوضع الأمني الذي يؤكد المعنيون بأنه ربما يزداد سوءاً وتدهوراً وتراجعاً كلما اقترب موعد الانتخابات، وكلما أعلن عن مزيد من التكتلات التي تقود إلى الصراعات. غير أنَّ المؤكد هنا أنَّ الهجمات الاخيرة مثلت ضربة قوية للحكومة الحالية، بما يمكن أن تؤثر على مسيرة الانتخابات التشريعية المقبلة فضلاً عن تأثيرها على الخطط الأميركية لسحب قواتها من العراق.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
حينما يتراجع الأمن ويتهاوى الواقفون عليه!!..عبد الله المؤمن
