ليست النوايا الأمريكية تجاه العالم ومنطقة الشرق الأوسط علي وجه الخصوص، نوايا طارئة أنبتتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ذلك أن جذور المخططات الأمريكية لإعادة تخريب الجغرافيا السياسية فوق الكوكب تعود إلي بدايات ظهور فكر اليمين المتطرف الجديد كتيار فاعل ومؤثر في صناعة القرار السياسي وبلورة الاتجاهات الاستراتيجية.
منذ ولاية ريتشارد ينكسون بداية السبعينات من القرن الماضي كانت موجة (الردة) عن مبدأ مونرو الذي وأدته مشاركة جنود الولايات المتحدة في الحربين العالميتين.. تتصاعد في وتائر عالية حتي وصلت قمتها في عهد الرئيس رونالد ريغان، الذي يعتبره قادة اليمين الجديد رمزاً ملهماً لكل القيم والمبادئ المكونة لفكرهم وعقيدتهم.
ولكن العالم لم يصبح مهيئا لاستيعاب المشروع الأمريكي الانقلابي الا بعد أن تهاوت آخر قلاع الحلم الشيوعي في أوروبا الشرقية.. عندها فقط انطلقت الماكنة السياسية الأمريكية المنتجة للأفكار والاستراتيجيات تعمل بكل طاقتها لنسج الأرضية النظرية للطموحات والغايات المضمرة في سياق العقيدة الجديدة، ففي منتصف العقد الأخير من القرن المنصرم أصدرت لجنة خاصة تابعة للكونغرس الأمريكي بعضوية كل من دوغلاس فيث وريتشارد بيرل رئيس اللجنة العسكرية في مجلس الشيوخ ابان بداية الحرب الأخيرة علي العراق وثيقة شاملة تضمنت وضع تصور افتراضي لما يمكن أن تنجزه السياسة الأمريكية لاعادة ترتيب الأوضاع في المناطق الحيوية بالنسبة للمصالح الخاصة بواشنطن علي ضوء المعطيات البازغة في سماء العالم بعد انهيار النظام العالمي القديم.
وتناولت الوثيقة التي سرّبت وسائل الأعلام بعض تفاصليها خطة واضحة المعالم لترسيم منطقة الشرق الأوسط وفق العناصر التي توفرها الرؤية الأمريكية الجديدة لمصالح واشنطن العليا وبما يتناغم مع محفزات وعناصر التغيير والتفكيك علي ارض الواقع.
وقد ركزت الوثيقة في اطروحاتها الانقلابية علي منطقة الجزيرة العربية بوجه خاص وأشارت بوضوح إلي ضرورة تفتيت وتقسيم خزان الزيت الأسود الأكبر في العالم ـ أي المملكة العربية السعودية ـ بعد أن يتم إزالة الخطر الذي كان ماثلاً في بغداد وزعزعة النظام القوي في القاهرة.. وعزل النظام في سورية.
هذه الوثيقة علي خطورة وأهمية ما جاء فيها تم تجاهلها تماماً من قبل الجميع في مؤسسات القرار الأمريكي خصوصاً من جهة تناولها إعلامياً رغم أن الإلتزام بمضمونها كان واضحاً في كل التحركات المفصلية التي قامت بها الإدارات المتعاقبة خلال العقد بين الماضيين.
القدس العربي
10/11/2005
اليمين الامريكي المتطرف واعادة صناعة الجغرافيا العربية... د. جمال جمعة
