..عبد الله المؤمن
لم يعد التخمين -بل والتعليق- على التفجيرات الدامية التي وقعت يوم الأحد الماضي، واستهدفت وزارة عدل الحكومة الحالية ومجلس محافظة بغداد بمنطقة الصالحية المنكوبة وسط العاصمة العراقية (بغداد) ذو أهمية كبيرة؛
لأنَّ أوراق تلك التفجيرات صارت مفضوحة ومكشوفة للجميع، وصار معرفة من يقف وراءها من أبجديات تفاصيل من يقف وراء التدهور الأمني الذي يحصل في العراق كل يوم؛ خاصة وإنها تأتي بعد ما يقرب من شهرين على تفجيرات يوم الأربعاء الأسود الذي أوقع مئات القتلى والجرحى من الأبرياء العراقيين، في وقت يعرف فيه الجميع تلك الحملة المحمومة الشرسة بين السياسيين الحاليين للتنافس غير الشريف في الحصول على كرسي المجلس التشريعي، والتي وصلت إلى حد المطالبة برفع الحصانة عن وزير الداخلية (جواد البولاني) الذي كان يعدُّ ركناً من أركان حكومة المالكي؛ بسبب قيادته حزباً سياسياً، ودخوله ضمن تكتل (ائتلاف وحدة العراق).
وكنت ألحظ وأقرأ ما يكتبه الإعلاميون العراقيون والعرب على حد سواء في وصف بشاعة تلك التفجيرات، وغاياتها، وتحميل المسؤولية للجهات التي تقف وراءها. غير أن ما لفت انتباهي أنَّ بعض مشاهير كتاب الغرب قد عالجوا هذه القضية بصورة أقرب ما تكون إلى الواقعية التي يعيشها العراقيون في ظل الاحتلال منذ عام 2003م ولحد هذه اللحظة، من خلال أوصاف ومسميات تقترب إلى حد كبير من تلك الأوصاف التي يعرفها المدركون لخطورة الاحتلال وتداعيات مشاريعه المشبوهة.
وهنا يمكن لي أن آخذ مثالاً واحداً لكاتب شاركت بلاده في احتلال العراق، وتسببت حكومته في التدهور الأمني الذي حصل في هذا البلد؛ بسبب مشاركتها القوية في غزو بلد آمن، دون مبرر شرعي، أو سند قانوني، وطبعاً تلك هي (بريطانيا).
الكاتب والإعلامي البريطاني الشهير (باتريك كوكبيرن) والذي يعتبر من الناشطين في تناول القضية العراقية في فترة ما بعد الاحتلال، وصاحب الكتاب الشهير (مقتدى الصدر وسقوط العراق) كتب مقالاً في صحيفة الإندبندنت البريطانية يعنوان ((نهاية العنف بعيدة المنال في العراق))، أشار فيه إلى جزئيات كثيرة، تدل بمجملها على أن التحسن الأمني أُمنية غالية تطلبها حكومة المالكي غير أنها بعيدة المنال، وذلك تعليقاً على الأوضاع الامنية في العراق على خلفية التفجيرين اللذين شهدتهما بغداد الجريحة يوم الأحد وأوقعا أكثر من 160 قتيلاً، فضلاً عن مئات الجرحى والمفقودين.
يقول الكاتب البريطاني: إن الانفجارات التي شهدتها بغداد تظهر إلى أيّ مدى تظل نهاية العنف في العراق بعيدة المنال، معرباً عن اعتقاده بأنَّ الحكومة الحالية بقيادة نوري المالكي جعلت نفسها أكثر عرضة للهجمات "بمفاخرتها بتحسن الوضع الأمني". ويقول الكاتب: إنَّ العراق اليوم أكثر أمناً مما كان عليه قبل ثلاث سنوات "لكنه لا يزال واحداً من أكثر الأماكن خطورة في العالم".
وهو يرى أيضاً: أنَّ التفجيرات التي يشهدها العراق ليست هي الدليل الوحيد الذي يثبت أن البلاد لا تزال غير آمنة، مضيفاًَ، "للأسف هناك مؤشرات أخرى، مثل الفشل في إعادة مليون وستمئة ألف نازح من دياره داخل البلاد إلى مناطقهم"، مشيراً في هذا الصدد إلى دراسة اعدتها المنظمة الدولية للهجرة وعزت فيها عدم رغبة النازحين في العودة إلى ديارهم إلى عدم توافر الخدمات الأساسية في مناطقهم من تعليم وكهرباء ومياه ورعاية صحية.
ويؤكد (كوبكيرن) أنَّ هناك بعض الأخبار الجيدة مثل ارتفاع سعر النفط إلى 80 دولاراً للبرميل، لكنه يستدرك قائلاً إنه حتى في المدن الآمنة نسبياً هناك أناس لا يتلقون أجوراً -في إشارة إلى البطالة المستشرية في العراق-، ويختم مقاله بالقول: إن الحكومة العراقية "فشلت في مداواة جروح الماضي العميقة" وأن "تفجيرات الأحد دليل على ذلك".
* * *
ولعلَّ أهمية تلك النصوص من المقالة تتضح من خلال معرفة بعض النقاط التي لا يمكن بحال من الأحوال تجاهلها، أهمها:
(1) إنَّ المقالة منشورة في صحيفة تعدُّ من أهم وأعرق صحف العالم على الإطلاق، ويتابعها المزيد من القراء والباحثين والمهتمين وأصحاب القرار والمسؤولين.
(2) فضلاً عن أنَّ كاتب تلك المقالة كان ولا يزال يشاهد الحالة العراقية عن قرب، وقد عمل مراسلاً ميدانياً لتلك الصحيفة في العراق بعد احتلاله، وبالتالي فهو هنا -على الأقل- لا يتقوّل أشياء أو يبتدعها، بل يصف الحالة كما هي عليه.
(3) ومع أنَّ الكاتب من إعلاميي دولة شاركت بكل عدّتها وعديد جنودها في غزو العراق واحتلاله، بعد أن كانت الحليف الأقوى للولايات المتحدة الأمريكية فإننا نجد مصداقية كبيرة في صحة الأوصاف التي أطلقها، كوصف الوضع الأمني بـ(الهش) وأنه أمنية بعيدة المنال في ظل ما تشهده الساحة العراقية من اختراقات حزبية وطائفية، فضلاً عن فشل الحكومة الحالية بضبط الامن وتحقيق الاستقرار في العراق.
المقالة تعبر عن راي كاتبها
تفجيرات الأحد الدامي في عيون الإعلام الغربي
