هيئة علماء المسلمين في العراق

تفجيرات أوراقها مكشوفة / جهاد بشير
تفجيرات أوراقها مكشوفة / جهاد بشير تفجيرات أوراقها مكشوفة / جهاد بشير

تفجيرات أوراقها مكشوفة / جهاد بشير

بعد إعلانه عن (ائتلاف وحدة العراق) وهي قائمته التي سيخوض بها الانتخابات جاءه رد المنافسين سريعاً ..! جواد البولاني وزير الداخلية الحالي في حكومة المالكي يمثل عقبة كبرى أمام مشروع المالكي من جهة ومشروع الائتلاف بقيادة المجلس الأعلى من جهة أخرى .. وبالتالي فإنه ـ أي البولاني ـ أصبح هدفاً مشتركاً لخصمين يمكنهما الاجتماع عند نقطة ما إذا اقتضت الضرورة ، إذ تناغمت التصريحات التي أطلقها المالكي مع تلك التي تحدث بها قياديون في المجلس الأعلى وعلى وجه التحديد هادي العامري الذي يشغل منصب رئيس لجنة الأمن في مجلس النواب الحالي وهو رئيس منظمة بدر الإرهابية سيئة الصيت .!

ولقد جرت العادة في العراق أن تكون الساحة الجماهيرية هي محطة الصراع السياسي بين الخصوم الذين يمسكون مقاليد السلطة وهم ينحرون الأضاحي تقرباً إلى أسيادهم وخدمة لمن أوصلهم إلى ما هم عليه .. ودائماً فإن الشعب العراقي هو من يدفع الثمن من دماء أبنائه وأرواحهم .! وما حصل يوم الأحد 25/10/2009م في بغداد من تفجيرات راح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح جزء من ذلك ، بل هي باب من أبواب التنافس على إرضاء الاحتلال والتفاني في تحقيق غاياته وأهدافه .

لقد أمسى المالكي والبولاني كفَرَسَيّ رِهان ، يحاول أحدهما إقصاء الآخر والاستئثار بالمغنم القادم ، أما ائتلاف المجلس الأعلى فهو بمثابة الثعلب الذي ينتظر حسم الصراع بين وحشين كاسرين يتصارعان على فريسة ..! المالكي يسعى جاهداً لإرضاء الأمريكان من أجل بقاءه في منصبه دورة أخرى محاولاً في الوقت ذاته صرف الأنظار عن فشل حكومته وسياسته طيلة السنوات الأربعة الماضية وتغطية التخبطات التي مارسها والسلوك الطائفي الذي طغى على تصرفاته وأفعاله ، أما البولاني فهو الآخر يمضي قدماً في هذا الاتجاه طمعاً في الحصول على منصب رئيس الوزراء الذي سوف لن يُمنح إلا لمن هو أكثر ولاءً لأميركا ، ولذلك ضم إلى ائتلافه أكثر الشخصيات عمالة للاحتلال : أبو ريشة ، وعبد الغفور السامرائي ..! وهو يتحين الفرص للإيقاع بالمالكي من خلال إطلاق التصريحات التي توحي إلى كشف نقاط ضعف الحكومة وبيان عوراتها وإظهار حجم الخلل الذي نجم عن سلوكياتها ، ومن ذلك ما نشرته صحيفة الخليج الإماراتية يوم 14/10/2009م عن لقاء جمع الطالباني بالبولاني وتحدث الأخير فيه عن مبررات تشكيله ( ائتلاف وحدة العراق ) مشيراً إلى أن هذا الائتلاف ( يناضل ) من أجل المشروع العراقي الواسع والخروج من ( التخندقات الضيقة ) ..!
وحين يصرح العامري بلهجة يشوبها التهديد من على صحيفة الشرق الأوسط يوم 25/10/2009م : " على البولاني أن يختار بين أن يكون وزيراً أو يكون قائداً سياسياً "، وحين يطالب المالكي مجلس النواب بالموافقة على سحب الثقة عن وزير الداخلية ؛ حسبما جاء في تقارير وتصريحات إعلامية مؤخراً فإن المسألة تتجاوز الخلافات السياسية المجردة وتتعدى إلى صراع من أجل البقاء ..! ويزيد ذلك أن ما يسمى بقيادة عمليات بغداد ألقت باللائمة على القوات الحكومية وحملتها مسؤولية هذه الخروقات ، وبطبيعة الحال فإن هذه القوات تعمل تحت إمرة وزير الداخلية .!

وقد تتوسع الدائرة أكثر لتتعدى البولاني باعتباره خصماً للمالكي ومنازعاً له لتشمل الأكراد أيضاً الذين يهددون بتأخير الانتخابات بسبب عدم حسم قضية كركوك التي يتوقف عليها إقرار قانون الانتخابات .. وبالتالي فإن مصالح كبرى لهؤلاء في أن تتصاعد العمليات لينال كل منهم من الآخر ، فيتسابق الجميع لصناعة ضغط شعبي وتأجيج غضب جماهيري تجاه خصمه ، وهذا الضغط والغضب لا يتأتي إلا من خلال المجازر والمذابح التي تجعل من نجا منها اليوم في قلق وخوف أن تناله غيرها غداً .

وعلى ضوء المعطيات هذه وغيرها فإن أصابع الاتهام تتجه بطبيعة الحال إلى المالكي نفسه أو إلى المجلس الأعلى في التورط بتفجير بغداد المزدوج ، والراجح أن الأمر تم بالاتفاق بين الاثنين ، بمعنى أن المجلس الأعلى مسؤول عن التنفيذ من خلال منظمة بدر ، والمالكي مسؤول عن التخطيط وإنجاز وعود لاحقة يقدمها للمجلس بعد الانتهاء من البولاني باعتباره خصماً طارئاً أمامهما .!
أما اختيار مكان التفجير " وزارة العدل ومجلس محافظة بغداد " فهو ذكاء من قبل المجلس ، إذ أنه ضرب عصفورين بحجر ، وصنع ورقة جديدة يضغط بها على المالكي ويلزمه بما يريده المجلس في حال تمت إزاحة البولاني وتفلت المالكي من تنفيذ وعوده .

ومن وجهة نظر المالكي فإنه حين تتوالى الخروقات الأمنية وتُثبْتُ القوات الحكومية عجزها عن القيام بمهامها الموكلة إليها فإن إزاحة البولاني وتجريحه سوف يتعدى كونه مطلباً سياسياً ليصبح مطلباً شعبياً ما يجعله غير مؤهل للفوز بالانتخابات القادمة..! وقد يتسائل البعض : ما جدوى العمل بتجريح البولاني إذا كان تجريحه يتسبب بتجريح المالكي نفسه باعتبار الأول وزيراً ضمن حكومة الثاني ؟ والجواب أن المالكي مُؤمّل بوعود أمريكية بالدعم والوقوف إلى جانبه وقد جاء ذلك سريعاً من خلال ما نقلته وكالات أنباء عديدة عن قيام الرئيس الأمريكي بإجراء اتصال بالمالكي بعد ساعات قليلة من حصول التفجير .. معرباً عن وقوف الإدارة الأمريكية إلى جانب الحكومة الحالية ، والمالكي في حقيقته لا يعي أن إدارة الاحتلال تمنيه بما لا تعطيه ، وهو لشدة ما به من ضيق وأزمة يصدق بهوس بما يعده الاحتلال ويتخذه من ثوابت سياسته وتصرفاته ، وإلا فماذا نسمي حملة الاعتقالات الفظيعة التي تنفذها حكومة تتبجح بالمصالحة ووحدة الصف الوطني وهي على أعتاب مرحلة انتخابات ؟ أليس الأولى بمن يرغب بالفوز أن يقدم إلى أبناء شعبه ما يرضيهم على الأقل في تغيير رؤيتهم تجاهه ؟ ما هو السر إذن ؟!

الجواب وببساطة إنها سذاجة المالكي وتعلقه بوعود الإدارة الأمريكية وتعويله عليها، وهو لا يمتلك إلا أن يعوّل عليها بعد أن فقد ما بيده من وسائل تعينه وتسنده ، فتراه في هوس وتناقض وهذا ما جُبلت عليه حكومته .! أما الإحتلال فإنه في هذه المرحلة يغذي كل الأطراف المتنافسة داخل العملية السياسية إلهاءً لهم ليفاجئ الجميع لاحقاً بنتاج ما يصنعه خلف الكواليس .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق