هيئة علماء المسلمين في العراق

انتفاضة البؤس في فرنسا...عبد الباري عطوان
انتفاضة البؤس في فرنسا...عبد الباري عطوان انتفاضة البؤس في فرنسا...عبد الباري عطوان

انتفاضة البؤس في فرنسا...عبد الباري عطوان

أحداث العنف التي يتسع نطاقها في فرنسا يجب ان تكون جرس انذار لجميع الحكومات الاوروبية دون اي استثناء، لانها نتيجة متوقعة لتصاعد توجهات وسياسات، منظورة ومستترة، تحتقر الاجنبي، وتتعامل معه كقنبلة ارهابية موقوتة. نصف المشاركين في هذه الاحداث المؤسفة هم من المسلمين، لان عمليات التحريض المستمرة ضد الاجانب لم تفرق بين الاجناس والاعراق، والاديان، واستهدفت الجميع دون اي استثناء.
اوروبا تشهد، ومنذ احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، هجمة شرسة ضد الدين الاسلامي ومعتنقيه، وبات المسلمون هدفا للكثير من الحملات العنصرية، سواء من خلال بعض وسائل الاعلام المغرضة، او من قبل تشريعات تصدرها الحكومات لتضييق الخناق عليهم، وتحميلهم مسؤولية كل ما يحدث في العالم من ارهاب.
المسلمون في اوروبا باتوا يشعرون بانهم مهمشون محتقرون، غير مرغوب بوجودهم، ويشكلون خطرا على الحضارة الاوروبية، يجب التصدي له بقسوة، ويواجهون منظمات يمينية عنصرية تزداد قوة ونفوذا يوما بعد يوم.
الحكومة العمالية البريطانية التي من المفترض انها يسارية واكثر تفهما للمهاجرين وسيكولوجيتهم تمارس اشد انواع الارهاب ضد المسلمين باصدارها تشريعات جديدة على خلفية احداث السابع من تموز (يوليو) الارهابية تقيد الحريات المدنية والتعبيرية. وبات الانسان المسلم معرضا للتوقيف والمطاردة من الشرطة اكثر من اي مواطن او لاجيء آخر، لانه مسلم فقط، وعليه ومنظماته وجمعياته ان يطلبوا الغفران، وان يعتذروا عن كل عمل ارهابي في العالم.
من يحرض على مقاومة الامريكيين والاسرائيليين هو الارهابي، ومن يصفق لدباباتهم وطائراتهم ويطالب بالمزيد من القتلي بصواريخهم وقذائفهم من الابرياء العرب، فهذا ليس ارهابيا، وانما ديمقراطي متحضر تفرش له السجاجيد الحمراء في المطارات ويستقبل بالاحضان في لندن وواشنطن وباريس.
انها انتفاضة المهمشين المجوعين المهانين المحتقرين في فرنسا، وهي انتفاضة قد تمتد الى برلين وفرانكفورت وامستردام ولندن وحتى استوكهولم حيث شوه اليمين العنصري المتطرف وجه هذا البلد المتسامح.
فرنسا تحترق لان السياسيين فيها تجاهلوا مشاكل المهاجرين، وانحازوا اكثر للطروحات اليمينية المتطرفة كسبا للاصوات وللوصول الى سدة الحكم.
وكان من المؤسف ان هؤلاء حاولوا توظيف هذه الاحداث البشعة للنيل من بعضهم البعض، وكأن حملات انتخابات الرئاسة بدأت مبكراً بين ساركوزي وزير الداخلية ورئيسه دوفيلبان.
ندرك جيدا ان نسبة كبيرة ممن يقومون باعمال الشغب هذه هم من الخارجين على القانون، مثلما ندرك جيدا ان من حق الحكومة الفرنسية التصدي لكل المتورطين فيها، فلا يجب ان تكون هناك مناطق فوق او خارج القانون، ولكن لماذا سكتت الحكومة الفرنسية وسياسيوها على حزام الفقر هذا الذي يلف عاصمتها، والمدن الاخرى طوال هذه السنين، ونعترف بان اساليب العنف والتخريب ليست هي الاسلوب الامثل في بلاد يحكمها صندوق الاقتراع والقانون المستقل.
ساركوزي وزير الداخلية يريد تطهير الضواحي من العصابات وهذا امر مشروع، ولكن لماذا استخدام لغة عنصرية متعجرفة تعكس نظرة احتقارية فوقية تلجأ الى التعميم، مثل وصف هؤلاء بـ الحثالة؟
الرئيس الفرنسي جاك شيراك فاز بالرئاسة على اساس شعار براق يقول بان فرنسا امة واحدة ولا نعرف ما اذا كان هذا الشعار بات ينطوي على اي معنى بعد انتفاضة الفقر والجوع هذه.
اوروبا فشلت في اقامة مجتمعات متآلفة تقوم على التعددية الثقافية والعرقية والدينية وتسهل عملية الاندماج والتعايش، على غرار ما حدث ويحدث في دول مثل كندا وامريكا بشقيها الشمالي والجنوبي، واستراليا ونيوزيلندا. فشلت لانها لم تتعامل مع هذه المسألة عمليا وجديا، واكتفى المسؤولون فيها بالكلمات فقط، ولم يعرف السياسيون ان هناك جالية اجنبية مهمشة الا اثناء الحملات الانتخابية فقط، وبعدها تتبخر كل الوعود، ويستمر البؤس على حاله.
الاندماج يحتاج الى استراتيجية وميزانيات ضخمة، لخلق وظائف للعاملين من ابناء المهاجرين، وترتيب دورات تدريبية، ومنح دراسية في المعاهد والجامعات، ومساواة في الوظائف. استراتيجية تقوم على سياسة النفس الطويل، والصبر وسعة الصدر. ومن المؤسف ان هذه الاستراتيجيات الضرورية والملحة غير موجودة وبات كل هم نواب البرلمان الاوروبي هو كيفية الحصول على امتيازات اكبر، وحضور اكبر عدد من المآدب والاحتفالات.
وزير فرنسي من اصل جزائري يتعرض للاهانة في مطارات الولايات المتحدة لانه من اصل جزائري عربي، ولم نسمع ان فرنسا سحبت سفيرها من واشنطن احتجاجا. وربما لو كان هذا الوزير هو ساركوزي لقامت الدنيا ولم تقعد، فطالما انه من اصل جزائري وبشرته ليست بيضاء ناصعة البياض فلا يهم الامر.
اوروبا اصبحت تعيش حالة مرضية اسمها عمي الالوان، فاللون المفضل لمعظم سياسييها هو اللون الابيض، اما البني او الاسود او الاخضر او الاصفر فهي الوان مزعجة منفرة.
جئنا الى اوروبا هربا من انظمة ديكتاتورية قمعية، وسعيا للمساواة والديمقراطية والعيش الكريم، فاصبحنا نواجه اوروبا مختلفة، تنحرف بسرعة نحو هاوية القمع والتمييز.
معظم الحكومات الاوروبية باتت تكافح التطرف الاسلامي بسياسات تشجع هذا التطرف وتنميه، وتصب في مصلحة منظماته، باعتمادها الحلول الامنية فقط، والسقوط في مصيدة التحريض العنصري والديني ضد المسلمين، بالاضافة الى تورطها في حروب العراق وافغانستان، ومساندة النازية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين.
أحداث الشغب المدانة مسبقا ستتوقف في فرنسا حتما، ولكن الانقسامات الاجتماعية والنفسية التي خلفتها ستبقى لفترة طويلة، وحتى تدرك الحكومة الفرنسية، وبشكل جدي، ماذا يجب فعله لإيجاد الحلول الجذرية لمنع تكرارها.
التجديد العربي
9/11/2005

أضف تعليق