لا يمكن الكلام عن الفلسفة والأخلاق وفق مجالها النظري والمثالية الفكرية التي ترتع فيها، إن لم تكن لها معياراً يخص الواقع الإنساني حياتياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً وغيرها من المقومات الحضارية. وإذا قرأنا الواقع العراقي منذ دخول قوات الاحتلال الأمريكي إلى بغداد في 9 نيسان/أبريل 2003 حتى يومنا هذا. فإن المعيار الفلسفي والأخلاقي بين المقاومة والاحتلال تعكس واقعية النهج والسلوك فكراً وعملاً بين هذين الضدين المتقابلين لست سنوات خلت. وبما أن حتمية المجابهة توجب تغلب طرف على أخر واقعياً، إذاً فإن النتيجة يجب أن تحتسب عقلياً أيضاً.
أن فلسفة المقاومة العراقية تكتنز بالإيمان واليقين بالجهاد في سبيل الله والدين والوطن. ورغم أن هذه الماورائية تتصل أكثر بالجانب الديني، إلا أن العامل الروحي له صلة بالجوانب الفكرية للفرد المقاوم، كونها دليل وعي وإدراك وفهم للواقع من جهة، وما يتعلق بالماوراء من جهة أخرى. ولذلك تجد المقاوم يسترخص روحه ويقدمها فداءً لِما يؤمن به دون الخوف من المجهول دنيوياً وأخروياً. وهذه الفلسفة الجهادية هي فلسفة المقاوم الذي تهمه النتيجة التي يستنبطها روحياً من الدين، وعقلياً من الواقع الرازح تحت نير الاحتلال. فالإسلام يجمع بين الدين والحياة، والمقاومة العراقية تستمد قوتها الروحية والعقلية من هذه العقيدة الإسلامية.
وبالمقابل نرى أن الأخلاق عند المحتل الأمريكي تعكس أزمة حقيقية يعانيها أصلاً في مجتمعه. ولقد تجلت هذه الأزمة الأخلاقية في سجون ومعتقلات الاحتلال داخل العراق، لاسيما في سجن أبو غريب. حيث الممارسات الوحشية البشعة والتصرفات السلوكية المخزية التي يندى لها جبين الإنسانية. وكذلك ما يفعله الجندي الأمريكي من استهتار بالقيم والأعراف وارتكابه لجرائم القتل والاغتصاب. ويكفي أن نورد هنا ما فعله الجندي ستيفن غرين المتهم بقيادة مجموعة من الجنود في عملية اغتصاب جماعي للفتاة عبير الجنابي وقتلها هي وعائلتها ثم إشعال النيران فيهم تمويهاً للجريمة عام 2006، إنه يتفاخر بجريمته الشنعاء وإن ما فعله كان "رائعاً" حسب قوله. وبعد ثلاث سنوات من هذه الجريمة النكراء حكمت علية محكمة أمريكية في ولاية كنتاكي بالسجن المؤبد!! أليس هذا النوع من الحكم يُعَبر عن أزمة أخلاقية حقيقية داخل المجتمع الأمريكي. ومع ذلك ورغم كل هذه الفظائع والقضايا والأمور اللاأخلاقية فإن الموقف السياسي الرسمي في العالم الغربي مازال يؤيد قوات الاحتلال الأمريكي في العراق.
إذن فأن الفرق بين فلسفة المقاومة العراقية وأزمة الأخلاق الأمريكية، تنبع من روافدها الفكرية. فالأولى متصلة بعوامل روحية ترتبط بالواقع الحياتي وكذلك تتعلق بالوجود الماورائي. بينما الثانية تعكس النتيجة العملية التي وصلت إليها عبر فلسفتها الذرائعية.
إذ أن أحد أهم مؤسسيها الثلاث وهو وليم جيمس (1842- 1910) يرى أن الإنسان يتخذ من أفكاره وآرائه ذرائع يوظفها نحو استمرار وجوده الحياتي من ناحية، ويستعين بها في عملية التطور صوب الكمال في هذه الحياة من ناحية أخرى. وحسب تصوره أن القوة العقلية يجب أن لا نشتتها في البحث والتفكير والتأمل الماورائي. لأن الماورائيات: الله، الملائكة، الروح،الجنة، النار الخ. لا طائل منها إن اعتمد العقل عليها بغية الوصول إلى نتيجة واقعية ملموسة عملياً. فالعقل إنما خُلق ليكون أداة للحياة البشرية ووسيلة لحفظها الوجودي أولاً، والاتجاه بالحياة نحو كمالها ثانياً. وعليه يتوجب على القوة العقلية أن تتعمق وتتشعب أكثر فأكثر في متطلبات وحاجات وضرورات الحياة العملية الواقعية؛ وتترك النظر في عالم الغيب المجهول الذي لا يكاد يربطه بحياة الإنسان سبب من الأسباب.
وإذا طرحنا السؤال: كيف السبيل لمعرفة القياس بين الحق والباطل؟ فإن جواب وليم جيمس: إن كل شيء يكمن في الفكرة نفسها. حيث أن تعين وتحديد الفكرة التي نروم إلى تحقيقها في حياتنا العملية، هي المقياس الواجب أتباعه. وإذا كانت هناك عدة أفكار وآراء تتضارب في أقيستها، فإن أصدقها تطبيقاً هو أنفعها عملياً وأجداها في خدمة ونهضة التجربة العملية.
صفوة القول عند وليم جيمس حول هذا الخصوص، أن الإقرار بكل ما يؤثر في الحياة العملية تأثيراً منتجاً يجب أن يكون في اعتبارنا هو الحقيقة بغض النظر عن مدى مطابقته أو حتى عدم مطابقته لِما يخلقه الفكر المجرد من أقيسة. فالنتائج النافعة المثمرة يتوجب تقبلها كونها حقيقة، وغير ذلك يعتبر ضرباً من الوهم، علينا إسقاطه من حسابنا العملي.
أن هذه القاعدة الفكرية في الفلسفة الأمريكية مهدت بصورة أو أخرى إلى انحراف الأخلاق التي ترتبط بعوامل روحية وإلهية ودينية ومعتقدات غيبية لا قياس لها في المنافع المادية. بل وأثرت أيضاً بشكل سلبي في الابتعاد عن المفهوم الصحيح إلى حقيقة الإيمان. فعلى سبيل المثال، قد اعتبرت أن العقيدة في وجود الله مقبولة، طالما كان الأكثرية يشعرون من خلالها بالأمل الحياتي والتفاؤل الروحي والقوة بالعمل في ازدهار الحياة. رغم أن هذه الفكرة أبعد من متناول الناس. وهذا يعني عند وليم جيمس أن السلوك العقلي في الواقع هو الذي يوجه الأفكار والآراء وليس العكس، فالفكر لا يوجه العمل بسبب الفرق بين التجريدي والمادي. وهذه الرؤية بحق هي تشخيص مضطرب إلى حقيقة الإيمان وصلته الواجبة بالعالمين الطبيعي والماورائي. كما وان هذا التكريس المجحف للفكر المجرد وتضيق المجال تجاه القوة العقلية بجعل مقياسها مرتبطاً بمدى فائدتها في الواقع الحياتي العملي لا أكثر. فإن من بين نتائجها السلبية ظهرت مسألة التسلط الأمريكي على الكثير من الأنظمة السياسية والشعوب الفقيرة بدعوى تبادل المنفعة والمصالح وتحسين الأوضاع، ولكن وفق المفهوم الذرائعي الأمريكي!
كما وإن هذه الفلسفة الذرائعية هي مَن سمحت وأباحت للسياسة الخارجية الأمريكية أن تستخدم قنابلها الذرية في ضرب اليابان بجزيرتي هيروشيما ونكازاكي عام 1945 لتنهي بها الحرب العالمية الثانية. وكان انتصاراً بلا أخلاق ليس فقط من حيث الدمار الهائل وآثاره المفجعة التي استمرت لعقود من الزمن، بل لأن حقيقة الإيمان في المجتمع الأمريكي قد أنطمر تحت مادية الحياة الخاوية من القيم الروحية الحقيقية.
أما فلسفة المقاومة العراقية فهي فلسفة إيمانية ثورية تحررية، تقوم على مبادئ جهادية وأفكار تدور حول خلاص البلاد والعباد من ربقة الاحتلال وتطهير الأرض من دنسه ودمنة حكومته وبقية الإمعات من أعوانه. علاوة على أن هذه الفلسفة ليست نظرية وضعها فرد أو مجموعة وفق قالب فكري سِمته عقلية أو حسّية أو وضعية الخ. وإنما هي عقيدة دفاعية لرد الصائل من جهة، وسلوك عملي صاغه وما يزال يصوغه الأبطال من فصائل المقاومة الباسلة وقواها المناهضة للاحتلال. فالتماسك النظري هنا يكمن في وحدة الهدف التحرري، فضلاً عن ترابط المقاومين بروحية العقيدة الجهادية والفكر التحرري بشكل عام.
ومن هنا نجد أن جميع قادة الجبهات الجهادية وفصائل المقاومة الأخرى مهما اختلفت مرجعيتهم الفكرية، وتنظيرهم الخاص لهذه المسألة أو تلك، فإن فلسفة المقاومة عموماً تبقى متجلية من حيث مبادئها في الإيمان والجهاد والتحرر.
أن البون الشاسع بين مبادئ فلسفة المقاومة العراقية وأزمة الأخلاق الأمريكية كشفت عن نفسها من خلال وقائع وأحداث السنوات الست الماضية. وبذا يمكننا أن نتناول هنا نظرية أبن خلدون (1332-1406) التي أيدها العلم الحديث، وذلك في تنبؤ المستقبل علمياً، عبر معطيات وأحداث الواقع الحياتي وربط صلتها بأحداث ووقائع الماضي. فإذا استخدمنا المبدأ المقارن بين ما قدمته وما زالت تقدمه المقاومة العراقية على الساحة الميدانية من إنجازات مذهلة في التخطيط والتنفيذ والتصنيع المحلي والحفاظ على زمام المبادرات الهجومية وغيرها، وكذلك مواكبتها في التواجد والحضور الإعلامي اليومي. وبالمقابل نجد أن اضطراب القيادة الأمريكية سياسياً وعسكرياً جراء حربها في العراق وما تكبدته من خسائر بشرية ومادية واقتصادية باهظة دفعت إدارة الرئيس باراك أوباما بوضع جدول زمني رسمي للانسحاب من العراق، فضلاً عن ازدياد معدلات الانتحار بين جنود الجيش الأمريكي، وتفشي الأمراض النفسية والعصبية وغيرها من الدلائل على انكسار عزيمة الجندي الأمريكي الذي أدرك إن حربه في العراق ليست خاسرة فقط، بل أنها مفتعلة أصلاً عبر أكاذيب وزيف صنعتها إدارة الرئيس الأخرق جورج بوش لأهداف وغايات غير ما أعلنت عنه. إذن فأن النتيجة المستقبلية لهذا الوضع يمكننا أن نتنبأ فيه ونقول على تقدم المقاومة العراقية وتقهقر الاحتلال الأمريكي. وكما واجه العراقيون قوات الاحتلال البريطاني في ثورة 1920 وما تبعتها من انتفاضات شعبية حتى طردوا الاحتلال البريطاني ونالوا حريتهم بسواعدهم، فهم الآن يسيرون على نفس المنوال تجاه الاحتلال الأمريكي.
عندما يرصد الإعلام الأمريكي أكاذيب جورج بوش التي تجاوزت الألف كذبة خلال مدة رئاسته، وأقل منه بقية أركان إدارته من وزير الدفاع رونالد رامسفيلد إلى وزيرة الخارجية كونداليزا رايس. فهناك حقاً أزمة أخلاقية تتعلق بالمنهج الفكري الذي يتبعه هؤلاء القادة الكذابون. فهم من زمرة تيار المحافظين الجدد، وأن ملهم هذا التيار هو الفيلسوف الألماني كلود ليفي شتراوس (1908-) الذي حذر العالم الغربي من قلة الحيلة في مواجهة العقائد المتشددة. ومن أجل مواجهة هذا الخطر فهو يرى أن "الحقيقة" التي تثير مخاوف الناس يجب أن تنحصر ضمن فئة محدودة من الحكماء الساسة. فإذا تطلب الأمر منهم أن يكذبوا، فلا ضير في ذلك طالما كان الهدف هو الحفاظ على استقرار المجتمع. والمعروف أن شتراوس هرب من ألمانيا إلى أمريكا خوفاً من النازية كونه يهودي، وهو من مؤيدي الحركة الصهيونية. فلا غرو إذاً إن كان أقطاب المحافظون الجدد هم يهود صهاينة يمقتون العرب والإسلام على حد سواء. وكذلك لا عجب أن تميز بوش بالكذب على العامة كونه يقود الصفوة الخاصة من هذا التيار الذي جلب لأمريكا الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وجلب للمسلمين في أفغانستان والعراق الخراب والدمار، وجلب للعالم المزيد من الأخطار الأمنية والأزمات السياسية والاقتصادية، وعلى رأسها الأزمة المالية العالمية. أنه جزء من أجزاء الأزمة الأخلاقية التي يعانيها القادة الأمريكان خصوصاً وقادة العالم الغربي عموماً. بل أن هذه الأزمة الأخلاقية قد طالت حتى أوباما الذي خفف بعضاً مما وعد به شعبه وناخبيه في الكشف عن الجرائم ومحاسبة مرتكبيها في إدارة سلفه بوش، سواء في معسكر غوانتيمالا أو في سجن أبو غريب أو غيره من السجون والمعتقلات.
أن المقارنة بين المقاومة والاحتلال وما توجبه المعادلة من إزاحة طرف معين من الساحة، فإن حقائق التاريخ تثبت وتشير دوماً إلى زوال المحتل وانتصار المقاومة. ومثلما قلنا في بداية المقال أن حتمية نهاية المجابهة بالقدر الذي تترتب عليه نتائج واقعية، فأن له نتائج عقلية أيضاً. وما بين مبادئ فلسفة المقاومة العراقية، وما تناولناه في نظرية أبن خلدون من جهة، والفلسفة الذرائعية وفكر المحافظون الجدد من جهة أخرى؛ فأن الأمر برمته يجري لصالح المقاومة العراقية فكراً وعملاً.
فلسفة المقاومة العراقية وأزمة الأخلاق الأمريكية ....د. عماد الدين الجبوري
