هيئة علماء المسلمين في العراق

التوافق الأمريكي - الإيراني والانتخابات العراقية ...محمد السعيد ادريس
التوافق الأمريكي - الإيراني والانتخابات العراقية ...محمد السعيد ادريس التوافق الأمريكي - الإيراني والانتخابات العراقية  ...محمد السعيد ادريس

التوافق الأمريكي - الإيراني والانتخابات العراقية ...محمد السعيد ادريس

التأكيد الذي ورد على لسان الرئيس العراقي جلال طالباني في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك نهاية الشهر الماضي بخصوص العلاقات الأمريكية- الإيرانية في العراق كان لافتاً لدرجة كبيرة وله دلالاته المهمة بالنسبة للصراعات السياسية الراهنة التي تدور في العراق بين الأحزاب والقوى والقوائم والتحالفات السياسية والانتخابية حول قانون الانتخابات وغيرها من القضايا الداخلية الخلافية، وله أيضاً دلالته بخصوص حدود المواجهة وحدود التوافق بين أمريكا وإيران حول الملف النووي والقضايا الإقليمية الأخرى العالقة. فقد أكد الطالباني أنه لا يرى مواجهة سياسية بين واشنطن وطهران في العراق بل “توافقاً غير معلن على ضرورة تثبيت الوضع العراقي القائم وتطويره وليس تغييره”، ولمزيد من التوضيح أضاف الطالباني أن الولايات المتحدة لا تتدخل بشكل مباشر في الانتخابات العراقية المقبلة، وأن الإيرانيين يريدون أن يتبلور الوضع في العراق الحالي من خلال الانتخابات “كي تكون هناك أكثرية صديقة لهم تحكم في العراق”، وحرص الطالباني على أن يؤكد أيضاً أن إيران لا تدرب ولا تسلح الآن في العراق “منذ سنة أو أكثر قليلاً أي منذ تحرير البصرة ومدينة الصدر من الميليشيات”.

تأكيدات وتوضيحات الطالباني، وبالذات ما يتعلق بالتوافق الأمريكي- الإيراني في العراق، والرضا عن الوضع القائم والسعي إلى تطويره وليس تغييره، والحرص على تثبيته من خلال الانتخابات القادمة كقناة يمكن من خلالها تأكيد شرعيته تكشف عن مجموعة من الحقائق السياسية المهمة.

أولى هذه الحقائق أن الولايات المتحدة وإيران قد تمكنتا من تحقيق حالة توازن مصالح في العراق يرضى عنها الطرفان، وثانية هذه الحقائق أن هناك حرصاً إيرانياً وأمريكياً على تثبيت الوضع الراهن الذي يعتبر وفق معادلة توازن القوى الداخلية في العراق بين أمريكا وإيران من ناحية، وبين القوى العراقية المتنافسة والمشاركة في العملية السياسية من ناحية أخرى، مصلحة أمريكية بقدر ما هو مصلحة إيرانية.

أما ثالثة هذه الحقائق أن هناك ثقة أمريكية وإيرانية بأن التنافس بين القوى الداخلية العراقية والنتائج التي سوف تفرزها الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في يناير/كانون الثاني المقبل، أياً كانت لصالح هذه القائمة أو تلك، أو لصالح هذا التجمع أو ذاك، سوف تصب في نهاية الأمر لصالح الطرفين الأمريكي والإيراني نظراً لأن كل هذه القوى تتوزع ولاءاتها بدرجة أو بأخرى بين واشنطن وطهران، وأن هذه النتائج أياً كانت لن تخل بتوازن المصالح بين الولايات المتحدة وإيران في العراق.

هذه الحقائق أو الاستخلاصات تقودنا إلى حقيقة أخرى مهمة، وهي أن الانتخابات الإيرانية المقبلة بقدر ما هي محكومة جيداً بتوازن المصالح الأمريكية- الإيرانية، لكنها وفي ظل هذا التوازن، ستكون محكومة بالمصالح المباشرة للأطراف المتنافسة، وأن هذه الأطراف بات في مقدورها أن تتحرر أو أن تتخفف من القيود والالتزامات التي فرضت عليها من واشنطن وطهران في السنوات الماضية لدعم العملية السياسية وتثبيتها والصمود أمام هجمات المقاومة أو من يسمونهم ب”الإرهابيين”.

لكن هذا التحرر أو التخفف من تلك القيود يبقى نسبياً فقط وليس مطلقاً بدليل حدوث أمرين، أولهما: انكشاف الخلافات حول قانون الانتخابات وبالذات حول معضلة كركوك، والتعبير عن هذا الخلاف بوضوح وصراحة غير مسبوقة وثانيهما انضباط الخلاف في الحدود التي تحول دون تفجر العملية السياسية كلها وانقلابها رأساً على عقب.

الخلافات المثارة حول قانون الانتخابات تتركز حول خمس قضايا أولها حول الأخذ بالقائمة المغلقة على نحو ما حدث في الانتخابات السابقة عام 2005 أم على أساس القائمة المفتوحة، وثانيها حول انتخابات كركوك، وثالثها حول عدد مقاعد البرلمان المقبل، ورابعها حول الأخذ بنظام الدائرة الواحدة أم الدوائر المتعددة، وآخرها الخلاف حول تمكين العراقيين المقيمين في الخارج من التصويت.

جوهر هذه الخلافات، باستثناء مسألة تصويت العراقيين المقيمين في الخارج تتركز حول الحفاظ على نظام الديمقراطية التوافقية وقاعدة المحاصصة التي جرى تثبيتها في السنوات الماضية أم تجاوزها والأخذ بقاعدة الديمقراطية المباشرة والتصويت بالأغلبية، فالأكراد هم المستفيد الأول بعد الاحتلال الأمريكي من الديمقراطية التوافقية لأنها ثبتت مكاسبهم وفرضتهم طرفاً قادراً على امتلاك حق الاعتراض “الفيتو” من أجل إبقاء الأوضاع على ما هي عليه وبالذات الإبقاء على العراق موحداً، وهم الآن يريدون حل قضية كركوك من خلال الديمقراطية التوافقية لفرض تكرير هذه المحافظة وضمها مستقبلاً إلى الإقليم الكردستاني.

أما العرب والتركمان فيطالبون أولاً بمراجعة السجلات الانتخابية ويؤكدون أن حكومة كردستان قد أشرفت على تهجير أعداد كبيرة من أكراد السليمانية واربيل إلى محافظة كركوك بدليل أن عدد سكان محافظة كركوك ارتفع خلال السنوات الأخيرة بنسبة 10% في حين لم تتجاوز هذه النسبة في المحافظات الأخرى بنسبة 3%، أما محافظة السليمانية فقد انخفض نمو سكانها بنسبة 1% ما يعني حدوث نزوح مكثف منها إلى كركوك لجعل الأكراد أغلبية، لذلك يطالب العرب والتركمان بإجراء تحديث لسجل الناخبين في كركوك قبل تنظيم الانتخابات فيها، ويرفض الأكراد ذلك ويصرون على عدم إجراء أي تحديث لسجل الناخبين وإذا تمت فإنهم يطالبون بتطبيق ذلك في محافظات أخرى خاصة الموصل. كما يرفضون مطلب العرب والتركمان بتأجيل الانتخابات في كركوك، أو صياغة قانون انتخابي خاص يعتمد على توزيع المدينة إلى أربع مناطق انتخابية: عربية وكردية وتركمانية ومسيحية، وفق تقسيم عرقي- ديني يتلاءم مع تركيبتها السكانية.

خلافات حقيقية ومهمة تكشف عن وجود تناقض حقيقي في المصالح لكن، وبسبب الضغوط الأمريكية والإيرانية لم يستطع أحد أن يخرج على السياق ويرفض الابتزاز الكردي طالما أن الحفاظ على استمرار العملية السياسية والاستقرار مصلحة أمريكية- إيرانية، وعنوان للتوافق الأمريكي- الإيراني.

أضف تعليق