أطلت علينا مسودة الدستور العراقي الجديد التي علي ما يبدو انها مسودة وثيقة تقاسم وتحاصص علي كل شيء، وابرز عناوين هــــذه المسودة يكمن في اتفاق جميع الاطراف التي شاركت في صياغة هذا الدستور علي تثـــــبيت الفدرالية وجعل العراق بلدا يتكون من اقاليم عدة، وهذا طـــــرح كان ولا يزال طلباً امريكياً واضحاً يجب تنفيذه وتعميمه علي كافة دول منطقة الشرق الاوسط.
البند المتعلق بالاقاليم الوارد في الدستور، جاء واضحاً وتم التطرق اليه بشكل مفصل، وابرز نقاط هذا البند، هو ان النظام الاتحادي في العراق يتكون من عاصمة واقاليم ومحافظات لامركزية وادارات محلية، اما سلطة هذه الاقاليم فقد جاءت علي الشكل التالي : السلطة التشريعية تتكون من مجلس واحد يسمي المجلس الوطني للاقليم وينتخب اعضاؤه من سكان الاقليم، ولحكومات الاقاليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتخصص لها حصة عادلة من الايرادات المحصلة اتحاديا للاقاليم تكفي للقيام باعبائها وواجباتها مع اخذ مواردها وحاجتها بعين الاعتبار.
ما يعني ان هذا الدستور سيحقق للادارة الامريكية ما عجزت عن تحقيقه بالقوة العسكرية، والتي سعت دائما لتقسيم العراق الي دويلات، بهدف جعل العراق بلدا ضعيف البنية ومجرداً من اي قوة، وهذه السياسة ليست جديدة، بل تعود الي ايام سايكس بيكو الذي قسم المنطقة العربية وفقاً للمصالح الغربية، واليوم نجد ان هذه السياسة مازلت حية لكن بطرق وأوجه مختلفة، تحت ذريعة مكافحة الارهاب والحد من انتشار اسلحة الدمار الشامل.
تقسيم العراق اليوم حسب ما ورد في مسودة الدستور يتطابق بشكل كبير مع ما جاء في وثيقة مشتركة بين الادارة الامريكية واسرائيل عام 1996 والتي كانت تحت اشراف، رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق بنيامين نتنياهـــــو وابرز مهندسي الحرب علي العـــــراق ريتشــــارد بيرل ومن ضمن ما ورد في هذه الوثيقة احتلال العراق واقامة اربع قواعد عسكــــــرية امريكية كـــــبري، تمكن امريكا من السيطرة العسكرية التامة علي النظام العراقي، بالوقت نفسه تشكل هذه القواعـــد تهديداً دائماً لسورية وإيران.
الشق الاخر في هذه الوثيقة يتحدث عن ضرروة تقسيم العراق الي فدراليات متعددة، بالاضافة الي العمل علي تعميم هذه الفدرالية علي عدد من الدول الاخري، ابرزها لبنان وسورية والسودان، وربطت نجاح هذه الفدرالية بمدي فاعلية اشتعال الفتن الطائفية في هذه الدول خصوصا لبنان والعراق، ويعتبر صانعو هذه الوثيقة ان من اهم فوائد الفدرالية، اولا ضمانة لامن اسرائيل من دول كبري كالعراق وسورية، ثانياً تفتيت ثروة العراق النفطية لمنعه من ان يكون قوة اقتصادية وعسكرية في المنطقة منافسة لاسرائيل، كما كان حاله اواخر الثمانينات حيث شكل العراق رابع قوة عسكرية في العالم فــــي ذلك الحين، لذلك فان وجود بلد موحد كالعراق سيشكل تهديدا حقيقيا للمصالح الامريكية وامن اسرائيل، اما اذا جري تقسيمه الي فدراليات ستكون إسرائيل القوي الأبرز بدون أي منافس لها في المنطقة.
من هنا نجد ان الحديث عن فدرالية واقاليم كما ورد في مسودة الدستور العــــراقي، انما هو خضوع كامل للاملاءات الامريكية والاسرائيلية ولا يخدم بشكل او باخر الا هــــاتين الدولتين، وستكون له مضاعفاته وتداعياته علي الامة العربية بأسرها، لانه سيشكل مشروع سايكس بيـــكو جديدا لكن بصناعة محلية اي مشروع تقســــيم عربي خــــدمة لمصالح أمريكية وإسرائيلية.
القدس العربي
6/11/2005
الدستور العراقي سايكس بيكو جديد صناعة عراقية... عباس المعلم
