الهيئة نت - خاص
على الرغم من أن القيمة المالية لجائزة نوبل ليست بشيء ـ من حيث المنظار المادي ـ قياساً لحجم رئيس مثل باراك أوباما الذي أُعلن مؤخراً عن أنه المستحق لجائزة نوبل للسلام بلا مشاركة،
فهي بقيمة عشرة ملايين كرونة سويدية أي ما يُعادل تقريباً 1,4 مليون دولار فقط؛ إلا أن القيمة الاعتبارية لهذه الجائزة تعد ذات مغزى واضح وله دلالات ولعل من أبرزها الاستخفاف الصريح بالشعوب الإسلامية التي ترزح تحت نير الاحتلال الأميركي ومن يشاركه .
حقيقة.. لكنها سيئة
يطيب للبعض أن يطلق مصطلح ( الأب الروحي) لجائزة نوبل على السويدي ألفريد نوبل الذي اخترع مادة الديناميت عام 1867م أي قبل وفاته بنحو ثلاثين عاماً، وحصل على براءة اختراع له، فجنى ـ ولا زال يجني ـ من استخدامه أموالاً طائلة ..، ولهذا فإن البعض الآخر يُطلق عليه لقب ( صانع الموت) ..!
كانت حجة نوبل في اختراعه للديناميت في ذلك الوقت أنه سوف يُستخدم في حفر المناجم، لكن الاختراع سار في طريق آخر لم يكن نوبل ليعترض عليه، ولم يسجل التاريخ له موقفاً حقيقياً يبدي فيه أسفاً لما آل إليه اختراعه إذ أصبح أداة إرهابية تستخدمها الدول (العظمى) في الحروب فقتلت الملايين من البشر ودمرت الملايين من الأراضي، وصار الديناميت نقطة انطلاق لصناعة المواد المتفجرة الأخرى التي تستخدم للغرض ذاته.. لم يعترض نوبل، فالأموال التي كان يجنيها لا حدّ لها ولا جفاف لمنبعها، فبدءً من استخدام الديناميت كآداة حرب ومروراً بالعالميتين وفيتنام، وجرائم كوسوفو وسراييفو وكشمير وانتهاءً باحتلال العراق وأفغانستان ومن غير نسيان لما يجري بفلسطين منذ ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن، والكثير مما شهده العالم من حروب ومجازر، جميع ذلك يدين له صاحب الجائزة الأشهر عالمياً ..!
ولعل بعضاً ممن يغالطون أنفسهم يحاولون أن يجدوا لنوبل خلاصاً لتاريخه من أجل تلميع صورته فيتحججون بأن له موقف حاول من خلاله إصلاح ما أفسده اختراعه ..!
أوصى نوبل عام 1895م بثروته التي اكتسبها من اختراعه هذا أن تصاغ على شكل جوائز تقدم سنوياً لمن يحققون إنجازاً في مجالات علمية مثل الطب والفيزياء والكيمياء.. وغيرها، وجوانب أخرى مثل الآداب والاقتصاد، ثم .. وزيادة في إخفاء الجرائم الناتجة عن الاختراع : في مجال السلام ..!
سلام .. واهم
وبعيداً عن الجوانب العلمية والأدبية التي يكون لها حظ من الجائزة ينبغي التركيز على جانب السلام الذي أصبح مصطلحاً شبه عائم تطلقه كبار الدول وهي تقصد شيئاً مغايراً تماماً، فأميركا ومن يقف في صفها صدّعت رؤوس العالم بهذا المصطلح وأشغلت الدنيا ووسائل الإعلام بوسائل تحقيقه، وهي ترفع شعارات، وتعد مشاريع، وترسم خرائط طرق، جميعها مؤطرة بعبارات السلام ومشتاقته، لكن الحقيقة التي أثبتها الواقع والتي تؤمن بها كل قوى الممانعة في العالم أن السلام الذي تبغيه أميركا والدول الكبرى ما هو إلا استخذاء وخنوع وانبطاح يلزم على شعوب العام ممارسته حتى يتحقق السلام المنشود الذي تريده أميركا منسجماً مع قوانينها ومتكاملاً مع تطلعاتها، ولهذا فإن الدمى التي وظفتها لتسيير مشاريعها في دول العالمين الإسلامي والعربي ما انفكت تركض لاهثة وراء تحصيل (سلام) أميركا حتى لو اقتضى الحال أن تداس الكرامة وأن تنتهك الحرمات وأن تستباح البلاد وتذل الشعوب..!
على ضوء هذه الصورة تُصرف جائزة نوبل للسلام لكن بمزيج من سياسة امتصاص الغضب وترويض النفوس و مبدأ "بطيء لكنه أكيد المفعول"، وهذه السياسات هي التي منعت إعطاء جورج بوش جائزة نوبل وإلا فهو يستحقها بجدارة وفق مبدأ (السلام) العالمي الذي تصيغه الدول (الكبرى) ..!
ولقد اعتادت شعوبنا وللأسف الشديد على ابتلاع الطعم ولم تعد قوى الغرب تفكر كثيراً في صياغة طرق جديدة لتمرير المشاريع دون أن تشعل غضب الجماهير، بل صارت تكرر الطرق نفسها والوسائل ذاتها، فتحقق ما تريد وتنجز ما تبتغي على مرأى ومسمع ومن دون أن تنتظر رداً أو ممانعة، وقومنا ينظرون كمن يُحاول تكذيب عينيه .!
العرب .. و(سلام) نوبل
وللتاريخ فإن العرب حصدوا جائزة نوبل للسلام ثلاث مرات .. لكن ليس السلام الذي تربى عليه العرب أو السلام الذي يريده العرب، بل (السلام العالمي) صنيعة الغرب ..
ففي عام 1978م حصل أنور السادات على الجائزة، لكنها لم تكن له وحده إذ اقتسمها مناصفة مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك مناحيم بيجين، وقد كانت هذه الجائزة بمثابة مكافئة لهما بعد أن وقعا على اتفاقية كامب ديفيد في العام ذاته بإشراف الرئيس الأميركي جيمي كارتر وكانت بمثابة استسلام صريح، وتم من خلالها تقديم تنازلات كبيرة على حساب مصالح الشعب الفلسطيني والمنطقة برمتها، فقد وقع السادات معاهدة سلام مع الكيان الصهيوني دون المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني، وسمح من خلالها للسفن الحربية الصهيونية بعبور قناة السويس، ووضع الصهاينة شروطاً قاسية على تحرك الجيش المصري في منطقة سيناء، ولعل الطامة الكبرى في هذه الاتفاقية هو أن السادات أقرّ بما جاء في قرار مجلس الأمن ذي الرقم 242 الصادر في عام 1967م والذي جاء عقب انتهاء الحرب (حرب67) ليشدد على إنهاء حالة الحرب والاعتراف ضمناً بـ (إسرائيل) دون ربط ذلك بحل قضية فلسطين التي اعتبرها القرار مشكلة لاجئين، والغريب في الموضوع أن القرار بنسخته الإنجليزية حُذفت منه (ال) التعريف من كلمة الأراضي أثناء ورود عبارة "الأراضي التي احتُلت" أي من قبل الكيان الصهيوني وذلك من أجل أن يُزاد الغموض والتعقيد في تفسير القرار وتبيان أغراضه ...!
وفي عام 1994م حصل ياسر عرفات على جائزة نوبل للسلام، لكنها لم تكن له وحده، ولا حتى مناصفة فلم يُعط له سوى ثُلُثها حيث شاركه فيها كل من رئيس وزراء الكيان الصهيوني حينها إسحاق رابين، ووزير الخارجية شمعون بيرز، ولم تكن الجائزة إلا بسبب توقيع اتفاقية أوسلو في الربع الأخير من عام 1993م بإشراف الرئيس الأميركي بل كلينتون..!
وكان من نتائج هذه الاتفاقية إنشاء سلطة فلسطينية للحكم الذاتي وقيام مجلس تشريعي، ويسمح الكيان الصهيوني بتشكيل ما أسماها شرطة وطنية مع الحفاظ على الحق الكامل ( لإسرائيل) في الدفاع عن نفسها ضد أي (تهديد خارجي) ..! وتعد هذه السلطة بؤرة المشاكل التي طرأت بين القوى الفلسطينية، وهي السبب الرئيس في حصول الانقسامات بين الفصائل، وكانت ولازالت لها أدوار كبرى في استحصال أطواق النجاة للكيان الصهيوني والتغاضي عن سياساته القمعية وجرائمه العسكرية ..! والجدير بالذكر أن مجزرة قانا في جنوب لبنان والتي وقعت إثر عملية أطلق عليها (عناقيد الغضب) عام 1996م وراح ضحيتها مئات المدنين من الشعب اللبناني؛ كان سفّاحها شمعون بيرز وهو الحائز على جائزة نوبل للسلام..!
وكذلك حصل محمد البرادعي الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية على جائزة نوبل للسلام عام 2005م، و يكفي القول أن وكالته هذه كانت سبباً في احتلال العراق تحت ذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وعلى الرغم من أن البرادعي نفسه لم يجزم بوجود أنشطة نووية في العراق حينها إلا أن ذلك لم يكن حائلاً أمام احتلال العراق الذي جنت أميركا بسببه من المنطقة ما تعجز عن جنيه لعقود، بل وربما كان قول البرادعي ذلك ضرباً من إيهام للمجتمع الدولي وتحقيقاً لمبدأ الديمقراطية الأميركية، تماماً مثلما اعترضت فرنسا ـ ظاهرياً ـ على غزو العراق في حين أنها لا تتنازل عن حصتها في الكعكة من وراء الكواليس، فالموضوع ليس إلا صفقة وإلا فماذا نسمي تحالف فرنسا مع أميركا في أفغانستان ؟!! ومن ثم فما قيمة اعتراض البرادعي على غزو العراق إذا كان يوافق هو ووكالته على غزو أفغانستان ؟!! بل وصل الحال أن أصبح البرادعي ووكالته مصدر شؤم لدى الشعوب والدول إذ حيثما حلّ نشبت الحرب!.
إنها جائزة نوبل للسلام .. لكنها جائزة بخسة لا اعتبار لها ولا قيمة إزاء ما قدمّه هؤلاء من مواقف وما بذلوه من أثمان باهضة، استحقوا من خلالها توبيخ الشعوب والتاريخ .
أوباما .. وجائزة نوبل !!
تحرك الكثيرون معلقين حول أحقية حصول الرئيس الأميركي الحالي على جائزة نوبل للسلام، بين مؤيد ومعارض، والمؤيدون يُعولون على وعود قطعها أوباما يزعم من خلالها أنه ماضٍ في تحقيق السلام في العالم، وعلى ضوء هذه الوعود مُنح الجائزة، فهو لم يقدم شيئاً ملموساً على أرض ولم يطبق عُشر ما وعد به ..! فأوباما ليس إلا نموذجاً لأكذوبة أطلِقت من أجل تمرير إستراتيجية تراها أميركا ضرورة في هذه المرحلة، وممارسة سياسة تقتضيها الظروف المحيطة بالولايات المتحدة في المرحلة ذاتها، أمّا جائزة نوبل فشيء خارج نطاق العمل الجاد لدى أميركا وإلا لماذا يعرب أوباما عن دهشته حينما سمع نبأ فوزه بالجائزة ؟؟!
أمّا المُعارضون فلديهم الوقائع والأحداث الواضحة والتي تقضي أن أوباما أبعد ما يكون عن مرتبة السلام بمعناه الحقيقي، أما إذا كان المغزى والمقصد منه هو السلام صنيعة الغرب فهو كذلك لا يستحقها لأنه لم يعمل بعد سوى في استكمال سياسات سلفه وخاصة في أفغانستان والعراق، وزادت الأوضاع في فلسطين سوءً، ولم يأتِ بعدُ بإبداع جديد يصب في مصلحة (السلام) الغربي مثلما فعل بوش حين قدّم أغلى هدية للغرب في فترة ولايته إذ دمّر بلدين مسلمين في ظرف ولاية واحدة، فضلاً عن الشعوب المسلمة الأخرى التي زادت معاناتها وأخذت تتصاعد..!
أوباما فاز بجائزة نوبل عام 2009 م بسبب إنجازات غير موجودة وليست متحققة، إذ أن المعطيات المتوفرة تقول إن الجائزة منحت له لأنه أطلق ما سُميّت بمشاريع لتعزيز الدبلوماسية ودعا إلى عالمٍ خالٍ من الأسلحة النووية !! في حين أن جيوشه لا زالت تعيث بالعراق وأفغانستان فساداً وآلته العسكرية تحرق الأخضر واليابس هناك، وترتكب بحق الشعوب المسلمة أفضع الجرائم، وتنتهك حقوق الإنسان، وتغتال كل معاني الحرية والكرامة، بل ويزيد ذلك تناقضاً مع دعواته أن الولايات المتحدة قررت مؤخراً انتشار 15 ألف جندي أميركي في العراق الصيف المقبل ..!
فعن أي سلام يتحدث وعن أي دبلوماسية يتكلم وهو لم يقضِ عاماً على تسلمه زمام الإدارة الأميركية ؟؟! وعن أي سلام يُمنح أوباما جائزة نوبل والشعب الفلسطيني يعاني الأمرين بين حصار غزة وحصار المسجد الأقصى وبناء المستوطنات ولم يحرك ساكناً سوى تصريحات إعلامية هلامية سرعان ما رفض الكيان الصهيوني الاستماع إليها فلزم الصمت وكأنه أسر الندامة ؟؟ بل عن أي سلام يُمنح أوباما جائزة ؟؟ عن الصومال .. أم السودان .. أم الشيشان .. أم الإيغور المسلمين ..؟؟
جهاد بشير
كاتب عراقي
من نوبل إلى أوباما .. أدعياء سلام..ورّاث الديناميت ....جهاد بشير
