من المستغرب ان تشير الولايات المتحدة بين وقت وآخر، الى بعض الدول الاقليمية المجاورة للعراق، مستنكرة عليها أي تدخل في شؤون العراق. ان الولايات المتحدة متدخلة بقضها وقضيضها على الساحة العراقية التي غدت مستباحة لها،
وهي تتدخل في كل كبيرة وصغيرة على الساحة العراقية وفق ما تعتبره تحقيقاً لمصالحها ومآربها. فهل اعتبرت نفسها كقوة محتلة، صاحبة القول الفصل والحاكم الفعلي للعراق بحيث يكون من حقها التنديد بأي تدخل من أي دولة اقليمية أو غير اقليمية في شؤون العراق لأنها هي وحدها المتصرفة في هذه الشؤون. فكيف يحق للولايات المتحدة ان تعيث كما شاءت على الساحة العراقية، وتستنكر أي تدخل من أي دولة أخرى؟ ومن أعطاها هذا الحق.. ومن خولها ان تتحكم في العراق.. وان تتكلم باسمه، وان تستنكر أي تدخل للآخرين، ولا تستنكر تدخلها غير الشرعي في العراق؟
ليس معنى ذلك ان الآخرين من حقهم ان يتدخلوا في شؤون العراق، وليس العراق ساحة مستباحة لتحقيق المصالح التي تجد أي دولة انها تنسجم مع أهدافها، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية ليس من حقها ان تستبيح الساحة العراقية، وان تعيث فيها كما شاءت، وتنكر على الآخرين ان يتدخلوا وتعتبر ذلك منافياً للقيم والمبادئ والقوانين والأعراف. فأي قيم ومبادئ وأعراف ترتكز عليها الولايات المتحدة في عبثها على الساحة العراقية، واستباحة العراق. ومعروف انه مهما كان هناك تدخل من دولة اقليمية، فإن الولايات المتحدة لن تترك لأي دولة اقليمية، موطئ قدم على ساحة العراق.
ان العراق منذ ان أعطت الولايات المتحدة لنفسها الحق في احتلاله والتدخل في كل تفاصيل قضاياه، ومحاولة ترتيب الوضع في العراق ليكون منصة لتحقيق أهدافها ومآربها في إطار واسع، تحول الى ساحة مستباحة للولايات المتحدة كقوة محتلة ولأي جهة ترغب في ان يكون لها نفوذ في العراق، أو تعتبر ان لها مصالح مرتبطة بالعراق، جغرافياً أو تاريخياً أو مذهبياً أو طائفياً.. وتهتم ان يكون لها دور في حسابات القوى في الساحة العراقية، وفي التأثير الى حد ما في حاضر العراق، وربما في تشكيل مستقبله.
ان المسؤول الأول عن جعل العراق ساحة قد تلعب فيها بعض الدول الاقليمية بنسب متفاوتة ولأهداف قد تكون متباينة، ولغايات قد لا تتفق مع غايات الولايات المتحدة، هو الولايات المتحدة نفسها منذ ان شرعنت لنفسها وبنفسها حق احتلال العراق واستباحته والعبث بمقدراته.. ومحاولة تكييف حاضره ومستقبله ليخدم أهدافها ومصالحها الاستراتيجية.. وليس لخدمة حاضر العراق ومستقبله الحقيقي. وإذا كانت الولايات المتحدة تود ان تكون الساحة خالية لها تماماً لفعل ما تشاء من دون ان يعكر مزاجها أي تدخل مهما كان محدوداً من أي دولة اقليمية، فإنها يجب ألا تتوقع ان الساحة خالية لها، والساحة تعصف بها رياح العنف والانفلات الأمني.. وتضارب المصالح العرقية والطائفية والمذهبية والذي ربما اذا استمر في تصاعده فقد يقود الى حرب مذهبية أو طائفية أو عرقية وهذا ما يؤدي الى تقسيم العراق وضياع كيانه وربما ضياع هويته.
فأين الأنظمة العربية من كل ما يحدث في العراق مع ان بعضها قد يستنكر تدخل دولة اقليمية في العراق من منطلق الحرص على عدم استئثار دولة اقليمية على حساب دولة اقليمية أخرى بنفوذ أقوى في العراق! ولكن ليس هناك أي استنكار لاحتلال الولايات المتحدة للعراق واستباحة ساحته والعبث بها، ومحاولة تشكيل حاضر العراق ومستقبله وفق أهوائها وسياساتها واستراتيجياتها. وذلك أمر ليس بمستغرب. فالأنظمة العربية إجمالاً كانت مساهمة بصورة من الصور مع الولايات المتحدة في حملتها على العراق.. ولم يستنكر احتلال العراق إلا ما ندر وتجرأ على استحياء في نقد احتلال العراق وربما تحمل وزر ذلك.
ولذلك فإن الولايات المتحدة تمارس ما تشاء ممارسته على الساحة العراقية من دون ان تحسب حساباً لأي ردة فعل من الأنظمة العربية. فردود أفعالها في الغالب تصب في خانة الولايات المتحدة إلا من التزم الصمت وآثر السكوت نأيا عن إغضاب واشنطن أو استثارتها، أو رغبة في التقرب منها وكسب رضاها. فهي قائدة العولمة والعالم، وهي التي بيدها ان تعز من تشاء، وتذل من تشاء، وترفع من تشاء، وتخفض من تشاء، وكأن الآخرين يقبلون بهذا الوضع.. أو يعترفون به، أو يستسلمون له. ولولا رحى العنف التي تعصف بالساحة العراقية وبالحضور الأمريكي على الساحة العراقية.. ولانزعاج إدارة بوش من رحى العنف ومحاولتها تبرير عجزها عن تحقيق الأمن قبل تحقيق الديمقراطية الأمريكية التفصيل والهوى فإنها تحاول إلقاء اللوم على أكثر من دولة اقليمية بالتدخل في شؤون العراق، وفي تصعيد رحى العنف، مع انه ليس من حق أي دولة التدخل في شؤون العراق.
وقبل ذلك وبعده، ليس من حق الولايات المتحدة التدخل في شؤون العراق، وتشكيل حاضره ومستقبله، وفق هواها واستراتيجياتها.
التجديد العربي
4/11/2005
التدخل الأمريكي في العراق وتدخل الآخرين... د. أسامة عبد الرحمن
