هيئة علماء المسلمين في العراق

العراق: تصعيد خط العداء للعرب!....طلعت رميح
العراق: تصعيد خط العداء للعرب!....طلعت رميح العراق: تصعيد خط العداء للعرب!....طلعت رميح

العراق: تصعيد خط العداء للعرب!....طلعت رميح

منذ بداية احتلال العراق ،والكل يتابع مجريات هذا الحدث الجلل لحظة بلحظة ،من زوايا احتلال الأرض وتفكيك جهاز الدولة الوطني وتقطيع أوصال المجتمع وتحويله إلى مجموعات منفصلة تقيم الحواجز بينها وبعضها البعض مع سعي حثيث لإشعال حرب أهلية تعيد تدمير ما دمره الاحتلال ،ومن زوايا طبيعة الصراع الأمريكي-الإيراني على العراق كليا وفي داخل أجهزة السلطة التي جرى تشكيلها عقب الاحتلال ،من المجموعات العراقية الموالية لإيران من جهة وللولايات المتحدة من جهة أخرى .وكل ذلك جاء مرتبطا ومتواكبا مع متابعات لأعمال المقاومة العراقية وتطورها ولتطور العلاقات بين السلطة والاحتلال التي شكلها والاتفاقيات التي وقعت بينهما –إذا جاز الفصل-ولتطورات أوضاع إقليم كردستان العراق وطبيعة توجهات المجموعات الحاكمة له أو المتحكمة فيه وما يجري بشأن احتمالات أن تكون الأوضاع الجارية فيه ،تسير باتجاه الانطلاق منه -وفق عملية متصاعدة -لتشكيل دولة كردية مستقلة ،كنواة لعملية تشكيل دولة كردية كبرى تضم الأكراد في كل من سوريا والعراق وإيران وتركيا ..الخ .

لكن الأيام الأخيرة أوضحت مؤشرات أخرى لإحداث كانت تجرى من قبل في العراق دون وضوح لأهدافها واتجاهاتها،تتعلق بتشكيل وهوية العراق المقبل ،إذ صدرت تصريحات وتصاعدت إاجراءات وطرحت أفكار ضمنية ،تشير إلى استهداف تقطيع أوصال وصلات العراق مع عالمه العربي ،ضمن محاولة لإعادة تعريف العراق لنفسه وفق هوية أخرى .

كانت بداية تلك القصة عادية ،إذ كان قد وصل إلى العراق مواطنون عرب قبل حدوث الغزو -كان مسماهم في ذاك الوقت المجاهدون العرب - لنيل شرف الجهاد عن أرض عربية إسلامية كانت معرضة للغزو.لم يأت هؤلاء الرجال للعراق للعمل بل للجهاد .وحتى دخول القوات الأمريكية للعاصمة العراقية بغداد واحتلالها ،رويت قصص بطولة لهؤلاء الأفراد الذين قاتلوا حتى نيل الشهادة لبعضهم ،وفي ذلك كانت سمعة هؤلاء تسبق الكل في الزود عن العراق أرضا وشعبا .لكن الأمور تغيرت ،عقب الاحتلال مباشرة لاحظ المتابعون،أن قوات الاحتلال ومن جاء معها على ظهور الدبابات ،صاروا يطلقون حملة شائعات قوية للنيل من هؤلاء أو لإجبارهم على المغادرة ولإصابتهم بالياس من جهة أخرى ،فقيل الكثير عن تخلي الجيش العراقي عن مواقعه وترك هؤلاء يقاتلون وحدهم ،ومن بعد صارت تنسج القصص عن هؤلاء لتصويرهم بالمرتزقة الذين صاروا ينهبون ويسلبون –ليعيشوا !-بعد أن انهار الجيش والنظام ،وهو ما تطور من بعد بمطاردتهم –سمعة ومسمى-بوصفهم بالإرهابيين والتكفيريين ..الخ .

منذ هذا الوقت والاتهامات تطارد هؤلاء .لكن الوضع الراهن حمل قفزة جديدة ،إذ صارت السلطة العراقية الحالية-تحت الاحتلال-تتهم دول الجوار بتبني تلك الجماعات فكريا ودعمها ماليا ولوجيستيا وإدخالها إلى العراق عبر حدودها،بما ينقل ذلك من الجزء إلى الكل.

لقد لاحظ المتابعون حدوث قفزة كبيرة في عملية الاتهام لدول الجوار بالمسؤولية عن ما يجرى في العراق من تفجيرات تستهدف المدنيين،إلى درجة تدفع إلى القول إن ما وراءها صار يتخطى الأهداف السابقة ،إذ تحول الأمر إلى استهداف أحداث قطيعة بين العراق "الجديد" وعالمه العربي تحديدا ،بل حتى يمكن القول معها ،أن هناك محاولة ،لتشكيل وطنية عراقية جديدة –فكريا وسياسيا-أو لإعادة تعريف الهوية الوطنية العراقية ،لتكون مختلفة عن تلك التي عاش بها العراق ضمن جسد أمته طوال الزمن والتاريخ والحاضر (الذي كان قبل حدث الاحتلال البغيض ).هذه المحاولة سبق أن نطقت بها لغة الكتب الدراسية في مراحل التعليم بطريقة أو بأخرى منذ الاحتلال ،والآن تتحول لتصبح حالة فكرية وسياسية معلنة تنطق بها الألسن التي جاءت مع الاحتلال أو لنقل الاحتلالين .

كانت البداية لهذا التغير -الذي أصبح صراعا -هو ما سمعناه من تصريحات خلال الشهور الأخيرة حول تحيزات العراق وارتباطاته العربية والإقليمية –وفي المضمون هويته –لعل أهمها تصريحان ،أحدهما لوزير الدفاع الأمريكى وثانيهما لعلي الدباغ المتحدث باسم الحكومة العراقية أو باسم المالكي وقتها بمعنى أدق .الدباغ أدلى بتصريح خلال وجوده في واشنطن في أثناء مناقشة الترتيبات النهائية لملامح تطبيق الاتفاق الاستراتيجى بين حكومة المالكي والولايات المتحدة ،تحدث فيه عن أن العراق القادم هو "عراق شرق أوسطي " ،وهو ما فهم منه – ومن تفاصيله التي أدلى بها في ذات التصريح-بأن الحكم الراهن في العراق ،بدا يعيد النظر في الهوية والعلاقات العراقية العربية وفق ملامح أوضاع الإقليم الذي يعيش فيه .وقتها كنا أمام حديث في القسم الأول منه يخرج العراق عن الثابت في هويته الوطنية والحضارية ،وفي القسم الثاني يتحدث لإرضاء أمريكا وإسرائيل وإن كانت النوايا لماهية العراق الجديد لم يصرح بها .كان المعنى المباشر للتصريح هو أن هوية وتحيزات العراق ترتبط بأوضاعه في الإقليم كبلد يتوسط بين العرب وغير العرب (إيران وتركيا) كما هي تحمل إشارة إلى عدم العداء مع إسرائيل ،وإن هوية العراق تتحدد من جديد وفق تلك العوامل –التي طرحت كعوامل أخرى مختلفة عن العوامل التي حكمت توجهات العراق في زمن صدام حسين-لا وفقا للأوضاع التي فرضتها الجغرافيا والتاريخ والحضارة والزمن عبر آلاف السنين .أما التصريح الذي أدلى به وزير الدفاع الأمريكي فكان الأشد غرابة لا في مضمون منطوق التصريح لكن في صدوره عن مسؤول أمريكي وعن وزير الدفاع خاصة .روبرت جيتس تحدث في ذاك الوقت مطالبا بضم العراق إلى مجلس التعاون الخليجى !.وقد فهم هذا التصريح في وقتها على أنه مجرد بحث عن غطاء عربي "مؤسسي" ومنظومة إقليمية تحتضن العراق لمواجهة النفوذ الإيراني المتصاعد في داخله ،كما فهم على أنه يبحث عن مشروعية عربية لتحقيق الهدف الامريكي الذى جرى السعي إليه منذ بدء الاحتلال،وهو تحقيق مشروعية لحكومة الاحتلال من خلال الارتباط الرسمي لها مع منظومة محددة لها تقدير واسع في الوطن أو العالم العربي والعالم.

لكن الأمور شهدت طفرة جديدة،إذ بدات السلطة القائمة في بغداد سعيا متسرعا وحثيثا لتعميق حالة العداء بين العراق وجسده العربي ،وهو ما تجسد في أحداث وتصريحات وحملات إعلامية وديبلوماسية ،لا يجمعها إلا تغيير فكرة المجتمع العراقي عن نفسه ،ودفعه لإعادة التفكير في هويته وانتمائه من خلال تغيير اتجاهات علاقات العراق بالمحيط العربى تحديدا .

الخلاف مع الكويت

لقد لاحظ المتابعون للسلوك السياسي للحكومة القائمة في العراق ،أنها قد صعدت مواقف العراق فجاة ضد الكويت –منذ بضعة أشهر- في عدة اتجاهات أو بإثارة عدة قضايا ،ليس من بينها بطبيعة الحال أن الكويت كان نقطة انطلاق قوات الاحتلال الأمريكية في بداية غزو العراق ،على اعتبار ان الحكم الراهن إذ فعل ذلك ،إنما هو يدين نفسه ،إذ الكويت في هذا الصدد هي صاحبة فضل وصول هؤلاء الحكام إلى السلطة .على نحو مفاجىء لاحظ المتابعون للشان العراقي صدور اتهامات باستخراج بترول أو إبرام تعاقدات بشأن آبار البترولية على الحدود بين البلدين ،هي ذات الآبار التي كانت نقطة البداية في الخلاف بين العراق والكويت في زمن الرئيس العراقي السابق صدام حسين والتي تطورت أحداثها من بعد لاحتلال الكويت ثم احتلال العراق .وفي هذا الاتهام بدا الحكم الراهن في العراق يعيد ذات السيناريو في الخلاف بين العراق والكويت رغم كل ما حدث من تغييرات في الحكم في العراق .ومن بعد وحين جرت محاولات العراق للخروج من تحت الفصل السابع – وفق الاتفاقية الموقعة بين حكومة المالكي والولايات المتحدة- فوجئ الجميع أيضا بفتح بعض العناصر الحكومية النار على الكويت واتهامها بأنها حجر عثرة في طريق خروج الكويت من تحت الفصل السابع الذي يتيح استخدام القوة "دوليا" ضد العراق ،ويبقيه تحت الحصار.

الأمر هنا لايتعلق بمواقف الكويت ولا حتى بمواقف الحكومة الحالية في العراق ،بل هو يتعلق بأسباب إثارة تلك الملفات "فجاة" والقيام بشن حملة دعائية ضد الكويت والعرب –خاصة مشاركتها العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية-خلال مرحلة اشتعال الأزمة ،والتوقف فجاة عن متابعة الأزمة وكاننا كنا أمام فاصل من الاتهامات المقصودة جرى التوقف عن متابعته اكتفاء بما تحقق من تلويث العلاقات الكويتية والخليجية عموما مع العراق !

وقت إثارة الأزمة خرجت أصوات لها اتجاهات مرتبطة بإيران أكثر من ارتباطها بالولايات المتحدة ،لتشدد على ما فعله ويفعله الكويت بالثروة البترولية العراقية (دون إثارة نهب الولايات المتحدة لتلك الثروة بالطبع) وعلى أن العراق لم يلق من الكويت إلا استنزافا لثرواته المالية عن طريق التعويضات .وكان اللافت أن تلك الأصوات بدات في ترديد ما كان يقال خلال الحكم السابق ،من أن ديون العراق للكويت كانت إجراء مرتبطا بالحرب العراقية –الإيرانية ،وإن أعادت صياغة الأمر متهمة الكويت بتمويل العراق لشن حرب عدوانية ضد إيران (تحميل الكويت مسؤولية الحرب ) بما يسقط عن العراق تلك الديون .وهنا لم يبق من كل تلك الأزمات التي توقفت فجاة إلا الكراهية للكويت ودول الخليج خاصة والعرب عامة .

سوريا ..فك الارتباط

في العلاقة مع سوريا أو في ممارسة نفس اللعبة ضدها ،يبدو الأمر معقدا ،إذا قورن بالحالة الكويتية .فمن ناحية ،لا يستطيع الحكم الراهن المزايدة على سوريا فيما يتعلق بطبيعة العلاقة مع الحكم العراقي الوطني الذي كان قائما قبل الاحتلال ،إذ كانت الخلافات معروفة ومتكاثرة إلى درجة أتاحت للمالكى نفسه – وغيره مما سمى بالمعارضة العراقية وقتها-أن يعيش في سوريا وهو معارض يقاتل ضد النظام السابق في العراق .ومن ناحية ثانية ،تبدو علاقات التحالف بين سوريا وإيران هي علاقات حاكمة ومانعة لتغول الحكم الراهن في حالة العداء مع سوريا ،والانطلاق منها كمنصة للهجوم على العرب والتحريض على كراهيتهم ،إذ سوريا هي سند لإيران –في مواجهة رفض عربي- ولأنها البلد العربي الوحيد المتحالف مع حزب الله في لبنان .لكن سوريا من جانب ثالث ، قد رفضت الاحتلال الأمريكي للعراق وأعلنت عن مساندتها لحق الشعب العراقى في مقاومة الاحتلال استنادا إلى المواثيق الدولية .كما هي من جانب رابع ،هي من احتضن الأغلب من العراقيين اللاجئين للدول العربية تحت ضغط الاحتلال والميليشيات الطائفية التي ارتبطت بالحكم الراهن في العراق ،فصار على أرضها من يتبنى المقاومة ضد الاحتلال ومن يحاول العودة إلى وطنه عبر إنهاء الحكم الطائفي ،فضلا عن من هجر على خلفية هو ذاته قد لا يعرف إبعادها .

هنا يبدو التصعيد الأخير ضد سوريا من قبل الحكومة العراقية مفاجئا ومفهوما في الآن ذاته .في مفاجأة ما يجري ،يبدو ترديد ذات الاتهامات التي دابت على ترديدها قوات الاحتلال لذات البلد الذي سبق وأن احتضن هؤلاء الحكام وحماهم ،ولذات البلد المتحالف مع حزب الله وإيران هو أمر غير مفهوم ،خاصة وأن المالكى كان قبل توجيه تلك الاتهامات بأيام مستقبلا في سوريا على أعلى مستوى للتوقيع على اتفاقية شراكة استراتيجية ،وهو ما دفع الرئيس الإيراني في تفسير ما يجري إلى حد اعتباره ما يجري مؤامرة تستهدف منع إقامة تحالف بين إيران وسوريا والعراق ولبنان !.

وفي اعتبار هذا التصعيد مفهوما ،فيمكن القول بأن الحكم في العراق في نهاية المطاف لا يمكن له الخروج عن إملاءات الاحتلال الذي يستهدف تطويع إرادة سوريا قبل الرحيل من العراق ،كما وأن الحكم في العراق يخشى من تكرار الدور الوظيفي لسوريا الذي استفاد منه هو خلال حكم صدام حسين،أو هو يخشى من استمرار وجود المعارضة والمقاومة العراقية على أرض سوريا إلى حين تأتي فرصة لتغيير الحكم القائم في العراق ،وأنه وبحكم مصالحه وبعيدا عن الروابط السابقة وبحكم مصالحه فضل تفجير تلك الأزمة وتصعيدها إلى الحد الذي بلغته ،قبل الانسحاب الأمريكي لضمان بقائه هو في السلطة ،وهو ما يفسر وقوع أحداث جسام في العراق – أخطر من ذاك الحدث الذي أثار المالكي كل هذه الضجة ضد سوريا بسببه –دون أن ينطق المالكي مكتفيا بما تردده الولايات المتحدة وقوات احتلالها .

القصة

والقصة باختصار ليست هذا الشكل المبسط الذي يظهر من أن الحكم في العراق يدافع عن وجوده ،كما ليس الأمر مقتصرا على إنفاذ أهداف أمريكية ،بل الأصل والهدف الأبعد هو أن العراق يراد له وجهة أخرى وهوية أخرى تقوم على الانسلاخ من الجسد والهوية العربية .وكل ما يجري هو تأسيس لتغيير الاتجاه .

أضف تعليق