لا احد في العراق يعرف تحديدا من المسؤول عن الأمن ؛ الشرطة أم الجيش أم الاسايش ام البيشمركة ام الميليشيات ام الشركات الخاصة.. أم.. أم.. الاشباح!
عاش العراق ما بعد التاسع من نيسان عام 2003 بظل انعدام أي قانون ، إلا تلك القيود والأوامر والنواهي التي يشرعها البعض ، ويفرضها على الخلق بالقوّة والإكراه . لقد عايش المواطن العراقي خلال سنوات الاحتلال الثقيلة صنوف وألوان التعسف المفروضة من قبل الأحزاب والقوى التي تشكلت بعد الإحتلال ، ومن أصحاب النفوذ المخلوق على عجل . كان لكل جماعة قوانينها ، ولكل مدينة شرعتها ، ثم اصبح لكل محلة ولكل شارع أعرافه التي اضحت قوانين مُلزمة ، وعندما أقدمت قوات الإحتلال على تشويه وجه بغداد الجميلة بمئات الكيلومترات من الجدران الكونكريتية العازلة ، فإنها تكون قد فرضت بفعلتها القبيحة هذه واقعاً أرادت منه ان يثمر عزلة ، تكون المعول لتهديم قتل الوطنية العراقية.
جدران العزلة التي فُرضت على بغداد لم يعرفها القرن المنصرم إلا في حالات نادرة قد تكون شديدة الخصوصية ، مثل جدار برلين الفاصل بين برلين الغربية والشرقية ، وجدار العزل الصهيوني في فلسطين المحتلة ، وحتى في بيروت أثناء الحرب الأهلية الطائفية المقيتة ، فإن الحدود الفاصلة بين الأحياء المتصارعة كانت عبارة عن خطوط وهمية متحركة .
يمكن القول أن ما حدث في بغداد لم يحدث مثله في أي مدينة في العالم ، يبدو أن تكريس الهويات الأثنية والطائفية لم يكن أمراً كافياً بالنسبة للمحتل ، فأراد تكريس هويات المناطق والأحياء ، وربما الأزقة.
كانت الناس معذورة وهي تبحث عن قوانين تلوذ بها ، إذ لا يمكن ضمان أمن الإنسان في عصرنا إلا عبر القوانين المُلزمة للجميع ، ولم يكن بمقدور السلطة إصدار مثل هذه القوانين التي إذا لم تُرفض في حالة صدورها من قبل الكيانات العنصرية والطائفية ، فإنها ستصبح حبراً على ورق في أحسن الأحوال ، وليس مُستغرباً أن السلطة التشريعية عُطلت وحيل بينها وبين إصدار مثل هذه القوانين والمراسيم ، المُلزمة والمُوّحدة . لذا لجأت السلطة إلى تشجيع الناس على أن تلوذ بالقوانين العشائرية ، وفي سعيها هذا أضفت عامدة متعمدة ، نعوتاً وصفاتاً على العشائرية وقوانينها لا يقرها الواقع ، ولا تنسجم مع طبيعة النظام العشائري ، إذ بقدرة قادر أصبحت العشائرية موحدة ، ومُثبتة للهوية ، وبديلا عن الولاء الوطني ، الذي هو الولاء الحقيقي والوحيد الضامن للوحدة والمساواة ، لأنه يرفع الهوية الوطنية فوق أية هوية أخرى.
لقد صوّرت العشيرة والعشائرية على نحو افتراضي مختلف تماماً عما نعرف ، لقد حاول البعض تسويق العشائرية من خلال الضخ الإعلامي ، وأحياناً لموقف نفعي ينشد كسب الأصوات في حُمى الصراع لتثبيت الكراسي ، أو لحيازتها . تمحورت هذه المغالطات حول تحويل العشيرة من نسب يُعتز به ، لأنه يؤصل الانتماء إلى هذا الوطن ، إلى جعل هذه العشيرة بديلاً أو رديفاً للتنظيمات السياسية.
على الساسة الذين يدعون أنهم يطبقون أفضل " ديمقراطية ! " في المنطقة معرفة حقيقة بسيطة جداً ، هذه الحقيقة البسيطة تقول أن قانون دعاوي العشائر ألغي بموقف تجاوزي تقدمي منذ أكثر من نصف قرن ، وإثر ثورة الشعب التحررية في الرابع عشر من تموز عام 1958 .
لكي يكون القانون مٌستحقاً للفرض ، فإنه يجب أن يكون شاملاً للجميع ، مساويا للجميع ، يسري على سكان الجبل والسهل ، المدينة والريف ، من ينتمي لعشيرة كبيرة ومن لا عشيرة له . القانون الجدير بالاحترام هو القانون الذي لا يعترف بالتراتبية ، عشائرية كانت أم وظيفية ، بالنسبة للقانون لا سيد ولا مسود ، لا تابع ولا متبوع.
والقانون الشامل المُطاع يحتاج إلى قوى لتطبيقه وتنفيذه، فمن هي هذه القوى في العراق الجديد؟
هل هي الأسايش ، أم الشرطة ؟ الجيش أم البيشمركة ؟ المليشيات أم مسلحو الأحزاب ؟ وزارة الأمن الوطني أم الأمن العامة ؟ هل هي الأجهزة الشبحية ، أم شركات الحماية الخاصة؟
كيف يتم احترام القانون الموّحد وهناك مئات الآلاف من أفراد شركات الأمن الخاصة ، المكلفين بحماية المسؤولين ، والمتنفذين ، وحواسم آخر زمن ، ومن نط فجأة من القاع إلى القمم؟
من يحمي أبناء الشعب الذين اضحوا هدفاً لكل مخبول ومتعصب؟:
من يريد إحراج هذا الطرف او ذاك، ومن يريد تسجيل نقطة على هذا الطرف أو ذاك، ومن يريد تصفية حساباته مع خصومه السياسيين، يستهدف هؤلاء العزل المسحوقين والمهمشين الذين لا حامي لهم ولا مدافع عنهم، في حين يحتمي الساسة والمسؤولون والمتنفذون بجيوش المرتزقة من أصحاب السوابق الذين ينفق البلد عليهم مليارات الدولارات سنوياً.
لقد نقل المحتل إلى ربوع بلاد الرافدين بدعة شركات الأمن الخاصة التي لا يعرفها الواقع العراقي. في أمريكا أراد دهاقنة رأس المال تخصيص القوات المسلحة فابتدعوا قضية إيكال مهمات ما يُعرف بالذيل العسكري إلى شركات خاصة ، بحيث أصبحت الإعاشة والمواصلات وحماية المقرات ومهمات أخرى عديدة منوطة بشركات تستـأجر لتنفيذ هذه المهام . كانوا يدعون إلى سياسة الترشيق ، سياسة (عدد أقل ، فاعلية أكبر) ، لكن الأمر في حقيقته لا يعدو أن يكون إشراك الشركات الاحتكارية المرتبطة ببعض المسؤولين بالتخصيصات العسكرية الباذخة.
الحمايات الخاصة مدججة بأحدث الأسلحة والمعدات المتطورة ، وليس من مهامها حفظ الأمن وفرض القانون ، وإنما جوهر مهامها هو حماية هذا الشخص أو ذاك ، وسلاح هذه الأجهزة لا يوضع في المشاجب في غير وقت العمل ، وإنما يبقى بمعية حامله أينما حلّ وأرتحل ، وبذا يشكل هذا الظهور السافر المُستفز إرهاباً حقيقياً لعامة الناس ، أستعمل هذا السلاح أم لم يُستعمل ، وهو يستعمل غالباً لأبسط سبب ، إضافة إلى أنه يهين ويقزم قوات الأمن والشرطة المكلفة بحماية أمن الناس ، ويجعلها في بعض الأحيان مثاراً للتندر.
فرض القانون يا رئيس دولة القانون يستلزم إيجاد قانون موّحد وشامل ، وإيجاد أجهزة محددة في خدمة هذا القانون لا فوقه ، وعلى طريق تحقيق هذا الذي يبدو حلماً بعيد المنال في دولة الاحتلال ، ينبغي حل جميع شركات الأمن الخاصة ، أجنبية كانت أم وطنية ، وتشكيل جهاز شرطة يرتبط بوزارة الداخلية تكون مهمته حماية الأشخاص ، من أعلى مسؤول إلى أبسطه.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
فرض القانون أم اغتياله ؟ / بقلم : صباح علي الشاهر
