هيئة علماء المسلمين في العراق

أمام أوباما ، مشهد سوداوي قاتم / أ.د. محمد الدعمي .. كاتب وباحث أكاديمي عراقي
أمام أوباما ، مشهد سوداوي قاتم / أ.د. محمد الدعمي .. كاتب وباحث أكاديمي عراقي أمام أوباما ، مشهد سوداوي قاتم / أ.د. محمد الدعمي .. كاتب وباحث أكاديمي عراقي

أمام أوباما ، مشهد سوداوي قاتم / أ.د. محمد الدعمي .. كاتب وباحث أكاديمي عراقي

عندما أطلق الرئيس الأميركي السابق ، جورج بوش ، الحرب أو الحملة العالمية على ( الإرهاب ) ، إثر هجمات 11 سبتمبر عام 2001 على واشنطن ونيويورك ، تتالت \"الإنتصارات\" تترى على نحو سريع ومفاجئ فعلاً ، إذ تم إسقاط نظام طالبان في أفغانستان بسرعة مذهلة وبارسال عدد صغير ( قد لا يتجاوز الـ300 عسكري )، الأمر الذي شجع إدارة بوش على المضي قدماً باتجاه المزيد من " الإنجازات " أوالإنتصارات التي بدأت في كابول ولم تنته في بغداد ، حيث تجاوزت الحملة حدود الإرهاب كي تطول حدود الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية " الخارجة عن الطاعة "، كما يقال.
هذه الصورة الملونة من "الإنتصارات" الفورية لم تبق متواصلة لمدة طويلة ، إذ لم تنته ولاية الرئيس بوش الثانية حتى راحت "علامات" الخطر تطفو على بشرة الحياة الإقتصادية الأميركية ، بثوراً مرئية ومخيفة لأنها كانت تنبئ " قرّاء الحاضر والمستقبل " الأذكياء بأنواع المعضلات والمشاكل التي لا يمكن أن تحصر في حدود معينة ، خاصة بعد أن كشفت ميزانية الحرب الأعباء الثقيلة الواقعة على كاهل دافع الضريبة الأميركي ، خاصة بعد أن تبين أن البحث عن أسامة بن لادن ورؤساء القاعدة الآخرين إنما هي مهمة أشبه ما تكون بمهمة "في إنتظار غودو" الذي لا يأتي قط : فقد أخذت عمليات البحث وتفجيرات الكهوف والوديان العمياء مداها دون أن يموت بن لادن أو أي من قادة القاعدة الزئبقيين ، بينما برهنت تجربة أميركا في العراق أن الأمر لا يمكن أن يقلب العراق إلى " يوتوبيا ديمقراطية " بين ليلة وضحاها ( كي يشع الأنموذج الديمقراطي العراقي على بقية دول المنطقة ليأتي على الأنظمة والكيانات الديكتاتورية الواحد تلو الآخر على نحو سريع ومتوالِ ).
هذا لم يحدث حتى جاءت ساعة الإنهيارات الإقتصادية قبل سنة ، ابتداءً من انهيار الأخوة ليمان ( Lehman Brothers ) التي قدمت لإدارة بوش " صدمة وعي " (shock of  recognition ) وكأنه كان يحيا حلماً جميلاً ثم جاءت نهايته على حين غرة . لقد كان إفلاس هذه الشركة واقتراب أهم البنوك الأميركية العملاقة من الإفلاس بمثابة النهاية المأساوية لذلك الحلم.
اليوم لا أحد ، من أعمدة الإدارة الأميركية (على الرغم من تواصل وبقاء العمود العسكري ، ممثلاً بوزير الدفاع ، روبرت غيتس) ، لا أحد من هؤلاء يتكلم عن النصر المؤزر أو الحاسم في الحرب على الإرهاب ، إذ أن وزير الدفاع يعلن بصراحة انه لا يتوسل من أنشطة الولايات المتحدة العسكرية عبر البحار سوى تحقيق " الأهداف " المرسومة ، وبكلمات أخرى ، على الأميركان أن ينسوا فكرة النصر الحاسم كي يكتفوا بإبعاد الخطر أو النأي بأنفسهم عنه عن طريق تحقيق الأهداف المرجوة فقط ، ليس إلا.
لقد إرتقى الرئيس الجديد أوباما سدة الحكم في البيت الأبيض كي يفتح عيونه على صورة إقتصاد مأساوية مليئة بالسوداوية المخيفة ، حيث جاء لمواجهة اقتصاد ضعيف مرفق بنقص مخيف للطاقة ، ناهيك عن معضلات البطالة المتفاقمة ومشكلات التضخم التي تنبئ بأيام كالحة.
الرئيس أوباما يعمل ليل نهار الآن مع عين مثبتة على الولاية الثانية ، ذلك أنه يرنو إلى تحقيق منجزات سريعة تبرهن للشعب الأميركي أنه رئيس تاريخي يمكن أن يوضع إلى جانب ريغان أو كيندي . هو يحاول جهده تقديم منجزات تاريخية تبقى مسجلة باسمه عبر تاريخ مؤسسة الرئاسة ، منجزات من عيار الضمان الصحي للجميع ، زيادة على تحقيق إعتماد ذاتي أو إكتفاء ذاتي في حقل الطاقة والطاقة المتجددة.
هذه الخطط المنتشية في عقل أوباما وإدارته ترتطم بموضوع تنفيذها وإنجازها بإرث الرئيس السابق ، جورج بوش ، الذي إعتمد جله على الإلتزامات أو التورطات الأميركية في الخارج ، خاصة في العراق وأفغانستان.
لذا كانت خطة الثنائي أوباما وبايدن تتمحور حول مشروع تحرير أميركا وإقتصادها من هذه الإلتزامات أو الأعباء عبر البحار كي يصار إلى توجيه فائض المال والثروات للإصلاحات الداخلية ، الأمر الذي يفسر مسارعة أوباما إلى إنهاء الإلتزام العسكري في العراق مع نهاية عام 2011 وإعتماد قوة عسكرية محدودة على سبيل التوجيه وتدريب القوات العراقية الناشئة.
بيد أن الريح غالباً تأتي ليس على ما تشتهي السفن إذ أخذ الوضع العسكري في إفغانستان بالتدهور السريع : فلم يكتفِ الفضاء الأفغاني ببضعة مئات من الجنود المسحوبين من العراق إلى أفغانستان ، بينما إتسع فضاء الصراع العسكري ليلتهم نصف باكستان المجاورة من خلال ضم وادي سوات ذي الأذرع الطويلة الممتدة ذات الشمال وذات الجنوب ، والشرق والغرب.
لذا عرف بن لادن " من اين تؤكل الكتف " حيث أنه لاحظ إستعجال الرئيس الأميركي تحقيق انجازات من العيار التاريخي على الجبهة الداخلية في الولايات المتحدة ، الأمر الذي برر توعده الإدارة الأميركية الجديدة بحرب إستنزاف ، حرب تأكل الأخضر واليابس عن طريق الإستطالة والتواصل من أجل إعاقة وتعويق خطط أوباما في الجبهة الداخلية من خلال إستنزاف موارده ومعنوياته في الجبهة الخارجية : أسامة بن لادن بقي بعيداً عن آمال الإمساك به والقضاء على حركته من خلال القضاء على رأسها.
الوضع في كل من أفغانستان وباكستان ، من الناحية العسكرية ، هو وضع مخيف وينذر بالمزيد من الإحباطات وربما الهزائم والخسائر ، وهو ما يفسر إعلان الجنرال مولن ، رئيس أركان حرب الجيش الأميركي ، الحاجة إلى المزيد من الجنود في أفغانستان ، وهو أمر مخيف بالنسبة لأعضاء الكونغرس الذين كانوا يستمعون إليه في شهادة رسمية لا ترسم صورة مشرقة لحال أميركا في تلك البقاع النائية ، حيث يكون الوجود هناك بحد ذاته معاناة مرعبة بالنسبة لأي جندي أميركي.
إنه صراع بين إرادتين : الإرادة الأولى لم تزل متمسكة برؤيا نصر سريع يقضي على القاعدة والإرهاب عامة باسرع ما يمكن على سبيل التوجه نحو الإصلاحات الداخلية ؛ أما الإرادة الثانية ، فهي لا تريد أن ترمي السلاح متوعدة بحرب إستنزاف لابد وأن تقضي على أمل أوباما وفريقه بولاية ثانية في البيت الأبيض ، إذا لم يستجب لمطالبها بوقف دعم (إسرائيل) وبالإنحياز إليها على حساب الشعب الفلسطيني.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق