المشكلة العراقية بدأت مع دخول قوات الاحتلال الأمريكية، وفي اختلاف زوايا النظر لهذه المشكلة تختلف الحلول، وفي الجزء الثاني من استبيان الهيئة نت في عمان للمشكلة العراقية بعد ست سنوات من الاحتلال كانت المحصلة، هي الآراء الآتية:ـ
الأستاذ مهند مبيضين الإعلامي والكاتب في صحيفة الغد الأردنية:ـ
//المشكلة الأساسية في الشرعية، شرعية الاحتلال شرعية الديمقراطية، شرعية الدولة التي فككت، وأضحت أقاليم، وشرعية الدستور، وشرعية كل شيء.
السيدة إيمان محمود الجبوري موظفة عراقية مستقيلة مقيمة في الاردن:ـ
المشكلة تكمن في الحكومة التي نصبها المحتل، هي حكومة طائفية، وأنا اقصد حكومة المالكي والحكومات الثلاث السابقة، هي لا تريد حل المشاكل؛ لأنها تعرف أن حل المشاكل يعني ضعفها في الواقع العراقي، وهنا نريد أن نذكر بمأساة اللاجئين، أو المغتربين، فالاجىء له حقوق، ونحن بلا حقوق، الحكومة تحاربنا في الداخل والخارج، هي حكومة طائفية لاتريد الخير للعراقيين.
الأستاذ أثير الشمري أستاذ في جامعة عجمان/ الإمارات العربية المتحدة:ـ
العراقيون يحتاجون إلى ثقافة دينية، وحملة توعية كبيرة.
إن القوة كلها لله، والعزة كلها بيد الله، ومن يعين ويعزل هو الله، وليس لأميركا دخل بمقدرات الله سبحانه وتعالى ، وهذا الكلام يقوله العراقيون جميعا، ولكن اللسان يقول شيء، والقلب يصدق شيء آخر، لهذا قلت لك أن المشكلة في القناعة القلبية للدين، اعتقد إننا نعاني من ضعف الدين في القلب بشكل عام.
والحل بتقديري هو إما، حل سريع وهو:-
القناعة في أن المقاومة هي المنقذ الشرعي والوحيد، وهذا يقع في دعم المقاومة، وتوفير الوعي الكامل لدى أبناء الشعب، في أن ما حصلوا عليه من امتيازات معينة من زيادة الرواتب وغيرها سوف تبقى ـ إن لم تزيد ـ بعد زوال الاحتلال، إذا أعانوا المقاومة معنويا وماديا.
توفير القناعة الكاملة لدى الناس أن المقاومة هي مقاومة المحتل فقط، وأي مقاومة تقصد العراقيين حتى العملاء منهم يشكك بها ولا يتم دعمها، لأن العميل المشكوك به يحاسب بمحكمة بعد زوال الاحتلال، إلا من ثبت واشتهر عنه معاونة المحتل على أبناء بلده، وكان اشد على أبناء بلده من المحتل، فحكمه حكم المحتل.
الرواتب العالية سوف لن تستمر إلى الأبد : يجب على الناس أن يفهموا أن ما يقدمه المحتل وأعوانه من رواتب عالية تفوق حتى ميزانية العراق النفطية، هو مجرد تخدير لهم، وإبعادهم عن واجب الدين والوطن في مقاومة المحتل وما يأتي به، ويجب على الناس أن يفهموا أنهم في حالة لجوء في العراق، الرواتب عالية وكثيرة لمن هم بالأحزاب التابعة للعملية السياسية ومعاونيهم ومناصريهم والساكتين عنهم، هذه الرواتب تقدم على لا شيء في معظمها، وكأن العراقيون لاجئون في بلادهم لمن حصل منهم على عمل داخل العراق، وهذه الرواتب سوف لن تستمر إلى النهاية لأن الكذب حبله قصير، والله اعلم من أين يأتون بهذه الرواتب العالية مع السرقات الفلكية للأموال العراقية من قبل أعضاء الحكومة العميلة.
ومن يتق الله يجعل له مخرجا (البطالة الكبيرة مقصودة)، لإلهاء الناس عن الجهاد، وإقناعهم أن الحلول كلها بيد المحتل وحكومته العميلة في المنطقة الخضراء؛ لذلك عليهم تقديم فروض الطاعة والولاء للحكومة العميلة؛ عسى أن يحصلوا على عمل يسد رمق العيش، وتناسوا في معظمهم الآية الكريمة "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب".
علينا نشر الوعي أن الحلول بيد الخالق كلها والرزق كله محتوم ومقرر من الله، سواء تعاون الناس مع المحتل، أم كانوا ضده .
الدعاية الطيبة لقوة المقاومة : مثلما تقوم المقاومة بمحاربة المحتل عسكريا، لا تستطيع أن تقوم بما هي مكلفة به بشكل أمثل، إلا إذا توفرت القاعدة الشعبية لذلك، وهذه القاعدة الشعبية تحتاج إلى توعية كاملة، وهذا التوعية الكاملة تكون من قبل رؤوس العوائل والشيوخ الذين يتم الاتصال بهم من قبل أعضاء ارتباط من كل فصيل من فصائل المقاومة بدون الإعلان على أنه تابع لفصيل معين، القصد من وظيفته هو الجلوس في هذه المجالس الشعبية، وتوضيح صورة المقاومة بشكل كبير، وإقناع الناس بالعمليات وقوة المقاومة، وأن المقاومة سوف تدعم كل من وقف بجانبها، وسوف تحاسب كل من وقف ضدها؛ لأنها هي المنتصرة في النهاية، والناس تبع القوي، وعلى الناس الفهم أن القوي هو المقاومة المسلحة.
تخويف الناس من الجرح بالرموز الوطنية، وأنه جرح بالدين والعرض والشرف يؤثمون عليه، بعض الناس يستهلون الاستهزاء والاستهانة بالرموز الوطنية واقل ما يقوله هؤلاء، ماذا فعل فلان للبلد؟
وهنا علينا نشر الوعي الكامل في عدم جرح هذه الرموز الوطنية، وثانيا إفهام الناس أنهم لا يتوقعون الكثير من التغير، وهم ينتظرون التغيير من غيرهم فقط بدون أن يدعمون هذا التغيير ويناصروه ويتحملون أعباءه ويصبرون على بلاءه. (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
نشر الطمأنينة بين العراقيين العملاء: وهذه نقطة مهمة جدا على المقاومة، ومن يشجعها أن ينشر الوعي لدى كل من تعاون مع المحتل، أنه ليس عليه شئ إذا تاب وساهم في دعم المقاومة وإسنادها، عند ذاك نقول لهم عفا الله عما سلف، ونحن أبناء اليوم، هذه الثقافة يجب نشرها بقوة شديدة بين أبناء الشعب، لأن اكبر معوق للمقاومة حاليا هو قناعة كثير ممن تعاونوا مع المحتل أن المقاومة ستأتي لتصفيتهم وقتلهم بعد زوال المحتل؛ مما يساهم في الوقوف ضد المقاومة وإسناد المحتل.
أو حل طويل الأمد وهو:ـ
تنشيط وتدريب فرق من الدعاة والمخلصين للدين والوطن للانتشار في أرجاء العراق، وفي مساجدهم والمدارس وغيرها، وتحويل مجالس النميمة والغيبة وخيبة الأمل إلى مجالس ذكر وتذكير وافتخار بكل ما هو عراقي ووطني؛ لرفع الثقة داخل أنفسهم والإحساس بالمسؤولية.
إن التغيير يأتي منهم وليس من الخارج أو الاعتماد على الخارج.
التكافل الاجتماعي : التهيئة لفكرة أن من يعمل ويأخذ راتبا، يؤخذ من راتبه نسبة معينة توضع في صندوق مالي تشرف عليه هيئة لها الثقة، تقوم بإعطاء الرواتب لمن ليس لديهم عمل، وبذلك يكون هناك راتب يسد رمق عيش أي شخص لا يجد عملا، وهذا يساهم في استقرار الوطن والمواطنين.
الحث على العلم، وتقدير العلماء، وتوفير البيئة المناسبة لهم، وحمايتم، واجب على كل مواطن، داخل، وخارج الوطن.
علماء العراق في الخارج: كثير من العراقيين سافروا للخارج ورأوا تجارب الدول الأخرى، هؤلاء العراقيون خامة راقية جدا لما بعد الاحتلال في بناء العراق، ولكنهم يحتاجون إلى تهيئة الأجواء من قبل عراقيي الداخل في حماية عراقيي الخارج، واحترامهم وتقديم كل العون والمساعدة لهم للاستقرار داخل العراق، ومساهمتهم في بناء عراق جديد راقي بكل النواحي.
العراق يمتلك كل شيء: إقناع الناس، ونشر الوعي في أن العراق يمتلك كل المميزات التي تجعل كل أمم الأرض تنظر إليه بنظرة راقية، وتتمنى أن تتجنس بجنسية العراق للحصول على امتيازات مواطنيه، إذا أحسنا أدارة العراق مواطنين وقادة بعد زوال المحتل.
نشر الوعي الكامل لدى الشباب الأعزب والمتزوجين، إن عليهم تشجيع زواج الأرامل داخل العراق، وتصبح ثقافة عامة في أن الزواج من أرملة فرض بحالة العراق وليس خيار، فعلى كل عراقي قادر على فتح بيت ثاني أن يبادر إلى الزواج من أرامل شهداء المقاومة والشهداء المعتقلين، وكذلك حتى تشجيع زواج العازبات اللاتي لم يتزوجن، فهذا كله يصب في استقرار الأخلاق وبناء الوطن بشكله الصحيح.
الدكتور عبد الكريم الجبوري، أستاذ عراقي في الإمارات:ـ
المشكلة في العراق، وباختصار شديد : ــ
ــ إن عمر عملاء الاحتلال من عمر الاحتلال وعمر الاحتلال قصير دائما ..
ــ المقاومة باقية منتصرة ..والاحتلال زائل ..
ــ المحافظة على النسيج الاجتماع العراقي الأصيل احد أهداف المقاومة، وهدف لكل شريف وطني مؤمن بربه ..
ــ الشعب العراقي الكريم بكل أطيافه وتاريخه العريق، هو الحاضنة الكبيرة العميقة الداعمة للمقاومة الحقيقية المنتصرة بإذن الله " وكان حق علينا نصر المؤمنين "
ــ أمريكا الظالمة الباطلة الفاجرة السارقة منهزمة مندحرة، وفي العد التنازلي اليومي المستمر بإذن القهار الجبار
" والأرض يرثها عبادي الصالحون"، وهي ليست أقوى واشد من إمبراطوريات الرومان والفرس، والتتار، والصليبيين ...( آنذاك والذين اجتاحوا العالم في ثلاث قارات وهو كل العالم المكتشف في ذلك الزمان !!!).
الأستاذ وليد الزبيدي/ كاتب وإعلامي عراقي:-
المشكلة بدأت قبل الغزو عندما وضعوا مخطط سياسي للعراق يعتمد الطائفية والعرقية، وهم يدركون أن الوصول إلى الأهداف المتوخاة من الاحتلال لا يمكن تحقيقها إلا باعتماد هذه السياسة، التي تمزق البلد، وتفتت قوته المجتمعية، وتجعل أصحاب الشهادات المزورة يتسلمون المفاصل المهمة في الدولة بدلا من أصحاب الكفاءات، ويسيطر اللصوص، وهذا ما وصل إليه حال العراق الآن، وطالما بقيت هذه الآليات فان المشكلة تتعقد، والبلد يسير في دروب الهاوية.
الدكتور عبد الحميد العاني:ـ
المشكلة الأساسية هي الاحتلال، والانسياق مع مشاريعه، وعدم الالتفاف حول المقاومة والقوى المناهضة للاحتلال.
الدكتور محمد زكي أستاذ عراقي في الجامعة الأردنية:ـ
مشكلة العراق العميقة
إن الكثير من الناس حينما يعالج مشاكل العراق لا يلتفت إلى خلفيات الوضع الحالي.
في الوقت الذي كان تخلف المسلمين في مختلف أقطارهم عاماً، إلا أن للعراق خصوصياته ومن هذه الخصوصيات ما يأتي:
1- الفساد العام من ظلم واعتداء وأنانية وهذا قد استفحل نتيجة تعاقب الأحداث، فحينما حدثت ثورة 58 أعتدي على كل أفراد العائلة المالكة مع أن المعروف أن الوصي عبد الإله كان هو الوحيد الذي كان يجب أن يعاقب. ولم يستنكر ذلك إلا القلائل ( مثلاً فإن الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله كان هو الوحيد فيما سمعنا الذي صلى صلاة الغائب على الملك فيصل الثاني) أي أن عامة الناس لم يستنكروا ذلك ولذلك ابتلاهم الله بالشيوعيين الذين سحلوا الأبرياء في الموصل وكركوك في حين كانت الغوغاء تنادي بشعارات تحث على المزيد من العنف. ولذلك ابتلاهم الله بحكم البعث. فانقلبوا يصفقون مثل تصفيقهم للشيوعيين فابتلاهم الله بالحرب مع إيران. وما حدث في تلك الحرب من انتهاك للأعراض ونهب للممتلكات في المحمرة وقصر شيرين وسربيل زهاب وغيرها، كان ذلك يحدث وعامة الناس غير مبالين وفي الوقت نفسه كان كثير من الناس فرحين بالرشاوي التي كانت تقدم لهم من سيارات وأموال، ووصل فساد الذمم إلى أن يسلّم الوالد ولده لكي يعدم لفراره من الجيش. وبعد انتهاء الحرب واستمراء كثير من الناس المال الحرام وحين دخل العراق الكويت وجلبت الأموال المنهوبة إلى العراق أكل أغلب الناس المال الحرام دون رادع من دين أو مروءة. وهكذا كلما ارتكب عامة الناس المعاصي ابتلاهم الله بابتلاء بعده فكانت حرب الكويت. وفي أثناء الحصار كان هناك الاحتكار والغلاء الفاحش والظلم على الفقراء. وكانت عاقبة ذلك أن سلط الله على البلاد العدو بالاحتلال.
2- إن فساد عامة الناس لم يكن هو الوحيد ، فقد كان كثير من العلماء يزينون للحكام ما يريدون أن يسمعوه ودخل كثير من المثقفين حزب البعث أحيانًا بالضغط وأحيانًا ابتغاء المغانم. وقد تبين مما تكشف بعد الاحتلال أن المحيطين بصدام كانوا أسوأ منه . إن هذا الفساد العام والخاص لا بد له من عقوبة من الله وهكذا كانت العقوبات تأتي تباعًا دون أن تصلح النفوس. لا شك أن هناك البعض ممن أدرك الهاوية التي يتردى لها العراق وكانوا يحاولون ما يستطيعون لكن عددهم قليل وظروفهم صعبة ولم يلاقوا من الناس ما يحتاجون من دعم وتأييد.
3- إن الشعور الطائفي من قبل شيعة العراق والشعور القومي من الأكراد قد تنامى خلال فترة ما بعد ثورة 58 بشكل متزايد. لا شك بأن ظلمًا قد حدث للشيعة وللأكراد ومع أن الظلم كان عامًا للجميع لكن من طبيعة الأشياء أن بعض الشعارات أو التصرفات من السلطات كانت تزيد من الشعور بالظلم من قبل الشيعة والأكراد. كل ذلك كان يحدث ويكبت وهناك من ينمي الحقد والكراهية ضد الحكام الذين كانوا يوصفون بأنهم من العرب السنة. وهذا لم يكن في زمن البعث فقط بل وحتى في أثناء الحكم الملكي والعارفي. لكنه زاد بشكل كبير أثناء فترة حكم البعث.
4- إن العراق كان ساحة للصراع بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية لقرون. وإن وجود المراقد المقدسة في العراق جعل الروابط مع إيران بديهيًا وجعل التدخل يزداد كلما قويت شوكة الدولة في إيران وضعفت السلطة في العراق. وهذا الوضع لا يتغير في العادة بسرعة بل يحتاج وقت طويل لأنه مرتبط بتغير الوضع في كلا البلدين إضافة إلى المتغيرات الإقليمية والدولية.
5- لقد كان للشعور الوطني في العراق تجاه قضية فلسطين والبعد التاريخي منذ السبي البابلي تأثير كبير فقد وضعا العراق في بؤرة الصراع مع العدو الصهيوني وحُسبت للعراق حسابات كثيرة. فقد ورد مؤخرًا عن أحد الصهاينة قوله لقد كانت غلطة كبيرة أن قسمت سايكس بيكو بلاد الشام إلى أربع دول بينما أبقت العراق موحدًا وهذا الخطأ يجب أن يصحح. وعلى ذلك فإن ما يجري في العراق ليس بعيدًا عن بؤرة الصراع مع الصهاينة. وما تغلغل الموساد في العراق اليوم سوى نتيجة لذلك.
6- يمتاز العراقيون بشكل عام بصعوبة الانقياد. ورغم أن هذه الصفة متفاوتة بين فترة وأخرى، إلا أن حكم العراق على مر القرون لم يكن سهلاً. لذلك فإنه في ضوء كل هذه المعطيات سوف لن يكون المخرج من الوضع الحالي سهلاً. فليست المشكلة هي فقط الاحتلال الأمريكي ولا التدخل الإيراني بل فساد النفوس القديم وما تلاه من جروح جديدة بعد الاحتلال. وقد يسأل البعض لماذا هذا الابتلاء للعراق ؟ هل العراق وحده الذي فيه هذا الظلم ؟ لقد شاء الله أن يجعل العراق عبرة لغيره فهل اتعظ الآخرون؟ وهل تاب العراقيون لكي يرفع الله عنهم هذا الكرب؟ ولعل العاقبة خير بأن يبعث الله للأمة من يجدد لها دينها من أرض العراق بعد كل هذه الصعوبات.
7- إن ما حدث ويحدث في العراق جزء من مخاض الأمة الإسلامية نحو اليقظة والصحوة والنهضة. وهذا لن يتم بليلة وضحاها نظرًا لطول فترة السبات الذي ساد الأمة طيلة قرون طويلة. وهو يحتاج إلى قرون أخرى قبل أن تستعيد مكانتها على وجه الأرض وهذه آتية لا محالة بإذن الله تعالى. فليس على وجه الأرض أمة تستطيع أن تحل محل المدنية الغربية التي هي في طريق الضمور والانحلال غير الأمة الإسلامية. والغربيون يدركون ذلك وهم يحاولون عرقلة هذه المسيرة. وقد كان احتلال العراق حلقة في هذا الصدد، لكن عواقب ذلك ستعود عليهم بعكس ما خططوا إن شاء الله. لذلك فإن جهود تحرير العراق وإعادة بنائه يجب أن تكون جزءًا من تحرك الأمة كلها نحو إعادة مكانتها على وجه الأرض ولذلك يجب الاستمرار بجعل الأنظار تتجه نحو العراق على أنها قضية من قضايا الأمة الإسلامية الكبيرة.
أما عن مشكلة العراق الآنية
1- إن عامة المشاركين في الحكم الآن أو العاملين في دوائر الدولة كانوا من الشباب في أثناء فترة حكم البعث في العراق. وقد تربوا على عادات وأخلاق وتصرفات فيها من الظلم وانعدام المثل والقيم الكثير. فالجندي الذي كان يقاتل في أثناء الحرب مع إيران دون إيمان بجدوى تلك الحرب دخل في نفسه الاستهانة بأرواح البشر والوضع المخابراتي الذي كان واقعًا قد ربّى نفوسًا لا تحسب حسابًا للآخرة . هؤلاء لا يمكن أن يحكموا بالعدل بمجرد أن انتموا إلى أحزاب ترفع شعار الدين. فالجيل الذي تربى في تلك الظروف هو الذي يحكم العراق اليوم.
2- إن الفوضى التي عمت العراق بعد الاحتلال مكنّت لأراذل الناس أن يتسلقوا ويمسكوا ببعض حلقات السلطة سواء كان ذلك بتخطيط مسبق من الخارج أو نتيجة استغلال التفلت الذي حدث. لذلك برز أمر جديد طارئ على العراق من جريمة منظمة وعصابات رشوة وعملاء وتجار مخدرات وغير ذلك من أنواع الفساد.
3- لقد كان لفترة حكم البعث تأثير كبير على قلة الحكماء وأعيان المجتمع ممن يلجأ إليهم الناس وقت الأزمات حيث لم يكن هؤلاء قد سُمح لهم ليعبّروا عن آراءهم ولا أن يُعرفوا من قبل عامة الناس. وهذا وضع مثل هؤلاء العقلاء بين كثير من الجهلة والمنافقين والسفهاء الذين علت أصواتهم بعد الاحتلال. فلم يستطع عامة الناس حتى من المخلصين من التمييز بين المفسدين والمصلحين. كما أن الدعم الخارجي المنظم وغير المنظم جعل كثير من المفسدين يتقدمون الصفوف ويقودون الرعاع في الوقت الذي لم يلاقي المخلصون دعمًا يذكر من أية جهة.
4- إن ما حدث بعد الاحتلال من دستور وتشكيل حكومات وجيش وشرطة أدى إلى حصول الشيعة والأكراد على امتيازات كثيرة هم غير مستعدين للتخلي عنها بسهولة. لذلك فإن هذا الخلل جعل العرب السنة في وضع تتزايد عليهم أشكال الظلم والتمييز والإقصاء. ولكن المشكلة هي أنه على الرغم من كل هذا الظلم الذي حل بالعرب السنة والإقصاء فإن تحديد الخطوات الواجب إتباعها هم مختلفون عليها اختلافًا شديدًا فيما بينهم وهو ما يزيد من حجم المشاكل التي يعانون منها.
5- إن الاحتلال لم يكتفي بدخول جيوشه العراق بل قام بتفكيك الدولة العراقية. وهذا أدّى إلى ضنك شديد وعنت على العراقيين كافة كما أن علاج ذلك تشتت الآراء حوله. ووجدت أوضاع بحيث لم يبدو بالأفق أي إمكانية واضحة للتخفيف عن العبء على المواطن دون تدخل من المحتل بشكل أو بآخر. وهنا برزت مشكلة التمايز بين من يرى الحل فقط في المقاومة وإخراج المحتل وبين من يرى أن الواقع يفرض تصرفًا مختلفًا رغم عدم الاتفاق على طبيعة تلك التصرفات.
6- لا شك بأن المحتل قد تغيرت أهدافه ووسائله وتصرفاته تجاه العراق نتيجة المقاومة. كما أن المقاومة نفسها قد تغيرت نتيجة الخبرة والواقع الميداني والإقليمي. إن الواقع المعقد يفرض الآن أمورًا عديدة لم تكن واضحة المعالم في ما سبق. كما أن تغير موقع قوات الاحتلال والأزمة الاقتصادية العالمية والوضع الداخلي الأمريكي يدخل في الحساب أمورًا جديدة تؤثر على واقع العراق.
الحلول القريبة
قد يبدو الوضع قاتمًا والحل غير ممكن ولكن الإمام الشافعي يقول
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لن تفرج
وهذه حقيقة كنا نلمسها حينما طالت الحرب مع إيران فضاقت الأمور وظن الناس أن لا حل ، ولكنها توقفت فجأة وتغير كل شيء. ولكن مع هذا يجب أن ندرك بعض الحقائق المساعدة للحل:
1- لن يعود العراق كما كان قبل الاحتلال فقد تغيرت أمور كثيرة. وحتى وحدة العراق بالشكل الذي كان عليه ليست منظورة الآن. ولذلك فعلى المخلصين أن يختاروا بين كثير من البدائل السيئة والأسوأ.
2- ليس هناك حل قريب ، بل إن عدم الاستقرار قد يطول حتى تتغير بعض الظروف المحيطة. فإن وضع العراق لا يعتمد على القوى داخل العراق فحسب بل يعتمد على الوضع الإقليمي والدولي إضافة إلى الوضع الداخلي وعلى المخلصين مراقبة الأوضاع واغتنام الفرص.
3- ما هو الوضع المثالي للعراق لو كان هناك رؤية واضحة ساعة الاحتلال ووحدة كلمة وقيادة قوية وتقدير دقيق لنقاط ضعف العدو. لا شك أن إدارة الصراع في مثل تلك الحالة كانت ستكون أسهل بكثير مما حدث فعلاً، لأنه في تلك الحالة كانت ستستثمر كل الجهود بشكل منظم لإخراج المحتل وفي الوقت نفسه إعادة بناء الدولة ومنع أية تدخلات خارجية. لكن طالما ذلك لم يحدث فإن مزيجًا مصغرًا من هذه الأهداف هو ما تجري محاولة تحقيقه. أي أن المحتل لم يخرج بالكامل والدولة لم تبنى بالكامل على أسس صحيحة والتدخلات الأجنبية لم تمنع. لذلك فإن الهدف الواضح الذي يتراءى لو كانت القوى الوطنية موحدة يجب أن يجزأ إلى أهداف صغيرة كل واحدة منها تعتبر هدفًا لوحدها. وهذه على الأقل تتكون من بضعة أهداف يمكن تلخيصها في وحدة العراق وإخراج المحتل وإعادة بناء الدولة ومنع التدخل الإيراني وإصلاح النفوس. إن كل هدف من هذه الأهداف الصغيرة يحتاج إلى جماعات وتحالفات وخطوات يمكن أن تكون مستقلة بعض الشيء عن بعضها البعض (أو متخصصة) ولكن يجب على الأقل أن لا تتناقض أو تتضارب مع بعضها قدر الإمكان.
4- إن هناك احتمالين على الأقل لما يمكن أن يحدث في الأمد القريب. الأول هو أن يدرك شيعة وأكراد العراق أن المكاسب التي حصلوا عليها لا يمكن أن تستمر وعليهم أن يبدوا مرونة للمصالحة الوطنية الفعلية. فإن حدث ذلك ووصل إلى سدة الحكم فريق يعمل لمصلحة العراق ووحدته فإن ذلك سيكون هو أفضل الخيارين. أما إذا لم يحدث ذلك واستمرت السلطة بشكل غير متوازن فإن أهل السنة العرب سيجدون أنفسهم في وضع الأقلية الضعيفة المهمشة ، ولمثل تلك الظروف يجب إعادة النظر في أوضاعهم وتبدو أهمية وحدة صفوفهم أكثر ضرورة. وعليهم حينئذ بناء مؤسساتهم السياسية والاقتصادية والخيرية والاجتماعية والدينية بأنفسهم بمعزل عن الدولة لأنهم بدون ذلك سيتلاشى دورهم تدريجيًا ويصبحوا ألعوبة بيد الحكام الجدد حتى ولو تغيرت الوجوه والمسميات. وهذا يحتاج على رؤية ثاقبة وشخصيات قيادية متفانية وفهم عميق لواقعهم.
وفي الوقت نفسه التمسك بالمقاومة فهي أول الحصون التي إذا كسرت كان ما بعدها أكثر انهيارًا.
5- إذا لم يتم العمل على إصلاح النفوس فإن أي جهود لتغيير الواقع ستكون فاشلة. وهذه مهمة طويلة ومستمرة ولن تنتهي بتحقيق هذا الهدف القريب أو ذاك. لذلك فإن جهود المصلحين ليس لها بديل. إن أفضل مصلح هو المجاهد الذي يتخلق بأخلاق المسلم الحق ويفدي نفسه في سبيل الله. إن المستقبل سيفرض مهمات جديدة على عاتقهم. ففي زمن الاحتلال الظاهر تكون مهمة المجاهد العمل على إخراج المحتل أو تكبيده أكبر ما يمكن من خسائر ، بينما في وطن ممزق تكون مهام المجاهد عديدة تتلخص في إخلاص العمل في سبيل الله أين ما كان وهو في هذه الحال قد يخسر حياته أو ماله في سبيل إغاثة ملهوف أو إعانة ضعيف أو مقارعة ظالم أو فرض أسلوب صحيح في العمل ...
6- إن القوى المتصارعة في العراق اليوم هي المحتل وإسرائيل وإيران والقوى الوطنية التي تمثلها المقاومة. ولن يحدث استقرار إلا بانتصار واحدة من هذه القوى أو تحالف بعضها. إن القوة الأولى وهي المحتل لا شك قد خسرت وهي تريد الخروج بأقل ما يمكن من خسائر وتريد التحالف مع إيران ومع بعض القوى الوطنية بشروط . أما إيران فتريد الكعكة لها وحدها. أما إسرائيل فهي موجودة بشكل غير منظور من خلال مخابراتها وعملائها الذين يعملون على تمزيق العراق وعدم استقراره وستبقى تتحرك في الخفاء لفترة غير قصيرة. لذلك فإن المراهنة القادمة من قبل المحتل على ما يبدو هي على تجزئة القوى الوطنية والتحالف مع بعضهم لكي يكون بالإمكان إضفاء بعض الشرعية على الحكم وفي الوقت نفسه الاتفاق مع إيران. وما يتوقع أن يبرز بعد الانتخابات القادمة هو سلطة تمثل أوجهًا تضم بعضًا ممن يشارك اليوم في الحكم مع دخول بعض المخلصين إلى الساحة بغية الإصلاح دون أن يكون لهم قوة كافية لتغيير الواقع جذريًا، هذا ما يبدو الوضع في العراق، والله أعلم.
هذه الحصيلة من الحلول والنظرة للمشكلة العراقية، كما يعتقدها نخبة من الأساتذة والعلماء والمفكرين والإعلاميين العراقيين والعرب، إلا أن الحقيقة المهمة، والمحصلة المثمرة لكل ما قيل ـ ويقال ـ هي أن الاحتلال هو أس المشكلة في العراق، فقبله لم تكن لدينا عُشر هذه المشاكل، وبرحيله سترحل معه الكثير من المشاكل والصعوبات والتحديات، ونعمل معا ـ حينها ـ على بناء بلادنا، ونسير بالعراق ثانية إلى بر الأمان والرفعة بين البلدان.
أين تكمن المشكلة في العراق بعد ست سنوات من الاحتلال... جاسم الشمري ـ عمان ج2
