قرأت كثيراً عن انتهاكات يشيب لها الرأس، واستمعت لقصص أكثر، أبطالها قتلة ومجرمون، تكفهر لها الخطوب، بعضها يصل إلى مستوى لا شبيه له في عالم الجرم والقتل، لكني لم أسمع أو أرَ شبيهاً لما فعله مجرمو العراق اليوم، من الخاضعين والمؤتمرين بإمرة حكومة الاحتلال،
ومن يواليها والتي تقتل الناس بشكل وحشي، لا يكاد يصدقه عقل بشري، ولا حتى عقل حيواني، فما يظهر كل يوم في وسائل الإعلام هو البشاعة بعينها، والحقد الدفين من مرتكبيه بحق أبناء العراق، الذين يتعرضون إلى عملية إبادة جماعية على يد تلك الأجهزة المتوحشة، التي تقتل أبناء الرافدين بغير وجه حق، وتمارس ضدهم سياسة التمييز العنصري، والطائفي، والعرقي، والإثني، وكل التوصيفات الموجودة في قواميس التفرقة، والوضاعة، والدناءة في عالم اليوم، فيما راح المسؤولون الحكوميون يتهمون الفصائل التي ترفع راية الجهاد والمقاومة بالوقوف وراء الجرائم التي يتعرض لها العراقيون.
قصص القتل التي صارت من أبجديات حياة العراقيين والتي يرتكبها السياسيون كثيرة، واحدة منها قصة ذلك الرجل، الذي هو أحد أبناء مدينة تلعفر، والذي سار في طريقه الى داره، التي ينتظره فيها أطفاله الصغار، عائداً من محل عمله اليومي، حيث يحاول جمع قوت عياله بطرق شريفة، قبل ان تستوقفه نقطة تفتيش حكومية، فسألوه عن طائفته ومذهبه، ثم طلبوا أسمه، وأسم أبيه، وأسم جده، فكان انتماؤه الى طائفة غير طائفة عناصر نقطة التفتيش، ووجود أسم أحد الخلفاء الراشدين في أسمه، كفيلاً ليصبح ضحية لهم، ومجرماً في عرف قانونهم الضال، ومستحقاً للموت في شرع ظلمهم المضل الذي ينتهجونه!
كبلوه بالأغلال، ووضعوه في سيارة، وساروا به الى حيث دار مدير شرطة المنطقة، تلك الدار الذي حولها مدير الشرطة الى معتقل كبير، قبل ان يلقوا بـ(أسيرهم) في أتون زنزانة لا قعر لها!
استجوبوه مستحقرين، ثم انهالوا عليه ضاربين، كون أسم جده لا يروق لهم، طالبين منه الإدلاء باعترافات وجرائم، هو بريء منها، براءة الذئب من دم يوسف، جرائم من تلك التي هم أبطالها ومرتكبيها، فكان إصراره على رفض التهم، مدعاة لتلك الوحوش الكاسرة، الجائعة كي تجتمع عليه، فراح القتلة يسكبون عليه (ماء النار) لينهش ويأكل جسده، كما تأكل النار الحطب، غير عابئين بصرخاته واستغاثاته التي ذابت لها جدران زنزانته، رأفة ورحمة وشفقة عليه، قبل ان تذيب لحمه!
وحينما أطلقوا سراحه خافه أفراد عائلته قبل غيرهم، فصورة جسده البشعة ترهب وترعب الكبار قبل الصغار، وتلك كانت رسالة الأجهزة الأمنية الى أبناء تلعفر والى عموم العراقيين فطرق التعذيب الوحشية التي أتبعوها معه شوهت جسده، حتى أضطر الأطباء بعد ان تم نقله الى الخارج لبتر أطرافه، بعدما أصبح الكي آخر علاجاته،!
وتبقى تلعفر في دائرة الضوء، فهذا أحد أبنائها هو الآخر لم يمتلك غير أسمه، الذي يشكل له جريمة كبرى في أعراف حكومة اليوم، دخل المعتقل وهو البريء، واُدخل الى أماكن لم يدخلها احد من قبله وعاد حياً، فزنزانات الموت تلك، كالمقبرة، لا ترد أحداً، وزبائنها كالعادة، من ضحايا القوات الحكومية، ومن قبلهم القوات المحتلة، لكن هذا الشخص، وعلى غير عادة من سبقه، تمكن من العودة من تلك الزنزانة التي ذهب إليها، ولكن عودته كانت جسداً بلا روح، فالروح فاضت الى بارئها تنشد الجنان، بعد ان قتل صاحبها بطريقة بشعة على يد جلاديه، والوسيلة كانت كالعادة ماء النار (التيزاب).. أما الجسد، أو ما تبقى من الجسد المذاب، فقد تمكنت عائلته من الحصول على بعض منه ليتم دفنه وسط آلام أمه المكلومة وصرخاتها، ولوعاتها، كيف لا، وهو فلذة كبدها الوحيد!
(وردك) قرية تتبع لمدينة النمرود الموصلية تخضع لسيطرة حزب الإتحاد الكردستاني الذي يرأسه ضخامة رئيس الجمهورية المحتلة وقد تعرضت الى تفجير، قتل فيه أطفال صغار، ونساء، وكهول، وهي القرية التي لا يستطيع طير المرور من فوقها، من شدة التحصينات الأمنية التي تقيمها مليشيا البيشمركة العرقية عند طرقات القرية، فحتى المناطق الزراعية لا يمكن اختراقها، فيما لو حاول أحدهم الدخول إليها، فكيف دخلت تلك الشاحنة المفخخة التي ركنت في القرية، لتحصد أرواح الآمنين، الذين أصبحت بيوتاتهم هي قبورهم، بعد ان أطبقت سقوف تلك الدور على أرضها، والهدف واضح كما هو الجاني، دفع أبناء تلك المناطق للاصطفاف حول الحكام الكرد، على اعتبار ان المهاجم سيكون بكل الأحوال عربياً، بحسب التوجيهات الصادرة للناطقين باسم حكومة الاحتلال، ومنهم الى وسائل الإعلام، التي باتت اليوم كالببغاء، تردد ما تأتمر ببثه ونشره لا غير، دون أن يكون للحقيقة في قاموسها وجود.
(خزنة) هي الأخرى نموذج لما يجري من استهداف حكام وأحزاب الطائفة الواحدة لأبناء طائفتهم، فقد ركنت فيها شاحنات مفخخة، تم تفجيرها بذات الكيفية التي حدثت في النمرود، وهي المحصنة أيضاً والخاضعة بالكامل لسيطرة الكرد، ولا يشذ عن هذه القاعدة ما حدث في مدينة سنجار التي هي عبارة عن وكر لعصابات البيشمركة وقاعدة لقوات الاحتلال الأميركي، فكيف دخل الغرباء، كما يصفونهم، إليها، وزرعوا العبوات الناسفة التي حولوها على الورق، وفي قنواتهم المشبوهة الى أشخاص فجروا أنفسهم لمنح العملية صفة طائفية، أو مذهبية أو وصمها بأية تسميات أخرى، والحال نفسه ينطبق على (تازة) الكركولية التي لا تزال جثث الكثير من المدنيين في عداد المفقودين من بشاعة وهول ما جرى لأهلها.
تفجيرات الكاظمية والشعلة والثورة وبغداد الجديدة، والتي دائماً ما تتكرر، ضحاياها على الأغلب من طائفة واحدة، بعدما تم تهجير كل من يقطن هذه المناطق من بقية الطوائف، لتأتي التفجيرات المدروسة أماكنها بعناية، لتمنح دفعاً للسياسيين المعولين على الصراع الطائفي والمذهبي في انتخاباتهم القادمة، تماماً كما حصل مع تفجيرات مراقد سامراء، التي نفذت بأيادٍ حكومية، وبالتعاون مع فيلق القدس الإيراني، ليتم إعلان الحرب رسمياً على ثلاثة أرباع سكان العراق، وهو ما حصل، ليتم ارتكاب أبشع الجرائم في التاريخ على يد أشخاص، شحنوا ليصبحوا قتلة ومجرمين محترفين، لتزيد الجريمة من بارومتر القتلة والمجرمين من أرباب عملية الكذب والخداع والخيانة المسماة بالسياسية، بعدم انطلت الحيلة على الكثير ممن يركضون خلفهم بلا رأي أو بصيرة، وعلى غير هدىً.
الطرف الثالث في المعادلة الطائفية انتهج هو الآخر هذا النفس المقيت، والمتمثل في استهداف المواطنين الآمنين، من أجل الحصول على مكاسب آنية، ملطخة بدم الأبرياء، فجريمة حديثة البشعة التي قتل وجرح فيها العشرات من أبناء المدينة بسيارات مفخخة، تبين ان منفذيها أفراد الصحوات والشرطة الحكومية، وهو ما حدث كذلك في الرمادي التي كثرت فيها عمليات استهداف المدنيين على يد مجهولين تبين بعد حين أنهم قتلة ومجرمو الصحوات والأحزاب، التي تسمي نفسها بالإسلامية، وعناصر الأجهزة الحكومية، والذين تم اعتقال بعضهم، بعد افتضاح أمرهم، فتم اعتقال الصغار، فيما ترك كبار الجرم يعيثون فساداً بين الناس.
أن هوية الجهة التي قامت بتعذيب المعتقلين في الديوانية والموصل، وفجرت المفخخات في وسط سوق حديثة والتي اغتصبت كذلك نساء تلعفر، وانتهكت الحرمات، هي نفسها التي مارست عمليات التطهير المذهبي والطائفي والعرقي في عموم العراق، من عناصر الأجهزة الحكومية التي تجعل القاتل (علياً) والمقتول (عمراً)، وتارة أخرى تجعل الجلاد (آزاداً) والضحية (زيداً)، بناءً على توجيهات من رأس الهرم الحكومي لإثارة النعرة الطائفية، في محاولة من هذه الحكومة، القبيحة الوجه والمظهر، لأحداث فتنة طائفية، بهدف الحصول على مكاسب انتخابية، من خلال دفع الناس الى الإحاطة بشلل الكلاب المسعورة، التي يمثلها من يعيث في أرض الرافدين الفساد والخراب!
أنهم مفسدو الأمس، وهم أنفسهم مفسدو اليوم، الذين يقفون خلف كل ما يجري في ارض الفراتين، فكل هؤلاء هم أبطال عملية الشد والجذب الطائفي تلك، بل كل من جلس على قصعة (النتانة) ومائدة (الجيفة) تلك، والمسماة بالعملية السياسية، من شيعة، الى سنة، الى عرب، الى كرد، وتركمان، هم مشتركون في هذه الجرائم البشعة، التي يحاولون إلصاقها بالمقاومة الباسلة، وهدفهم تخويف الشعب من بعضه البعض، فهم يريدون للشعب أن يعبد الشيطان اتقاءً لشره، وسبيل القتلة والمجرمين الى ذلك ترويع الناس وتعذيبهم، في الوقت الذي يأخذ البعض، ودفاعاً عن القتلة، الى توجيه التهم الى الفصائل المجاهدة في محاولة للبحث عن بضاعة مزجاة في سوق العهر، تزكم رائحتها الأنوف!
أن ما يقوم به زعماء الأحزاب المحسوبة على الشيعة ضد أبناء طائفتهم، هو جريمة بكل المقاييس، وما يقوم به زعماء الأحزاب السنية، الذين يدعون انتسابهم الى أهل السنة والجماعة، من جرائم بحق ذويهم، هو أكبر من أن يتم السكوت عليه، ومما لا يلبس عليه عقال كما يقال، أما ما يقوم به المنتسبين الى الكرد ضد أبناء قوميتهم، فلا يعلمه إلا الله، ولا يرضى عنه سوى اليهود والصليبيون الذين تكتظ بهم تل أبيب الشمال العراقي، فهؤلاء جميعهم، وبلا استثناء، يتاجرون بدماء أبناء الشعب المساكين، الذين يدفعون كل يوم ثمن خيانة هؤلاء، ودونيّتهم، ووقاحتهم، فهم لا يسرقون قوت الشعب وحسب، وإنما يسرقون منه الحياة، من أجل الحصول على أصواتهم الانتخابية، في ظل ديمقراطية أميركية زائفة عرجاء، لا تسمن ولا تغني من جوع، في بلد بات فيه التعذيب، وانتهاك الحرمات والمقدسات، وسرقة المصارف، وتفجير المفخخات في الأسواق والمناطق السكنية الآمنة العلامة الفارقة لسياسييه، الذين هم على استعداد لبيع حتى أجسادهم المتعرية، كعقولهم، من أجل الحصول كرسي يستند على دعامة واحدة، سيهوي بهم، عما قريب، في قعر الجحيم.
أن اتهام الفصائل الجهادية، بالوقوف وراء الهجمات الطائفية والعرقية والقومية كاستهداف القرى التابعة إلى محافظة نينوى، والتي تسيطر عليها عصابات البيشمركة، المتهمة نفسها بالوقوف ورائها، ، أو باستهداف المدنيين في أجزاء واسعة من مدينة بغداد، أو في مناطق الرمادي وحديثة والفلوجة هو جريمة أخرى تضاف الى سلسلة جرائم أذناب المحتل، ممن فقدوا الى جانب المصداقية، الشرف والكرامة والعزة وحق الحياة.
وليتذكر الجميع أنهم مهما قتلوا، ومهما فجروا، ومهما انتهكوا، ومهما عذبوا ، ومهما حاولوا تشويه صور المجاهدين، فلا مصير للبغاث التي أستنسرت بأرضنا سوى السقوط، وذلك مصير العملاء، مثلما كان مصير الاحتلال الذي هوى قبلهم من سماء الرافدين، ليدفن في العراق.. أدامه الله مقبرة للغزاة!
حسين المعاضيدي
hussein.almaadidi_(at)_gmail.com
بضاعة القتل في مزاد الديمقراطية !... حسين المعاضيدي
