في العام 2004 أعد المفتش العام لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي أي إيه) تقريراً تقييمياً ، انتهى إلى وقوع انتهاكات للقوانين الفيدرالية ، وقد تعلقت معظم الخروقات بممارسات الاستجواب وانتزاع المعلومات من المعتقلين أو المتهمين بالضلوع في عمليات إرهابية ،
أو بالتحضير لارتكاب ما تعتبره الوكالة أعمالا إرهابية بحسب المفاهيم الأميركية للإرهاب (التي لا يُعرف كنهها بشكل محدد !) ، لكن ضباط الاستخبارات الأشاوس يعرفون كيفية التخلص من مطبات الرقابة والمحاسبة ، الملعونة لديهم بالتأكيد.. ولذا قاموا بإتلاف 92 شريط فيديو من تلك التي تتضمن أدلة وبراهين على تجاوزاتهم ، والتي تمثل في حد ذاتها أنماطاً من الإرهاب.
ومن جانبهم ، فان صناع القرار وكبار الساسة المتنفذين في البيت الأبيض ، الذين طالما ظاهروا الانتهاكات ومقترفيها ، لم يفرطوا في رجالهم وراحوا يشنون الحملة تلو الأخرى سعياً إلى تبرير تصرفاتهم المعيبة ، وينظرون لها.. وفي هذا السياق ، ذهبوا إلى اتهام إدارة الرئيس أوباما ومن لف لفها من الغيورين على حقوق الإنسان والعدالة وسمعة الولايات المتحدة ، بأنهم ضعفاء ولا طاقة لهم بحماية الأمن الأميركي « المقدس »!.
بهذا الخصوص نلاحظ : أولاً ، أن التجاوزات استطردت إلى ممارسات شديدة الدونية وتنحدر إلى درك أعمال وسلوكيات عادة ما تنسب إلى النظم الموسومة بالسلطوية والديكتاتورية في دول الجنوب والعالمين الثالث والرابع .. ومن ذلك بلا حصر ، تهديد ضباط الـ(سي أي إيه ) بقتل أولاد الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لاعتداءات 11 سبتمبر عام 2001 ( خالد شيخ محمد ) ، إذا لم يدل باعترافات ، وتهديد أبرز مدبري الهجوم على المدمرة كول في اليمن عام 2000 ، باستخدام مسدس ثم بمثقاب كهربائي.. والتلميح باغتصاب أمه أمام عينيه.
وقد ورد في تقرير عام 2004 أيضاً أن إحدى الطرق التي استعملت في استجواب المتهمين ، تمثلت في إجراء عمليات إعدام وهمية والإيهام بالإغراق ، وعموماً ذكر التقرير أنه « جري استخدام تقنيات اعتقال واستجواب غير مسموح بها وغير قانونية ومرتجلة..».. كل هذا « مع علم عملاء الاستخبارات وضباطها بأن ما يفعلونه خارج عن حدود المسموح به طبقاً للنصوص القانونية التي صاغتها وزارة العدل الأميركية..».
ثانياً : إن التجاوزات المشار لأمثلة منها حدثت لسنوات وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر ضد متهمين من خارج الولايات المتحدة ، وكذا وإن بدرجة أقل ضد معتقلين أميركيين من أصول عربية وإسلامية .. والأنكي أنها استمرت على الرغم من التعريض والتنديد من قبل منظمات حقوقية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ثالثاً : أن الرئيس أوباما متهم من قبل فلول الإدارة الجمهورية السابقة بالتفريط بالأمن الأميركي ، عبر التساهل مع الإرهابيين وتفكيك معتقل غوانتنامو ولهجته التصالحية مع « القوى الداعمة للإرهاب »..
ومع ذلك ، وهذا مهم جداً ، فانه يعارض إجراء أية ملاحقات على خلفية محاسبة سياسات مكافحة الإرهاب غير السوية ، التي اعتمدتها إدارة سلفه بوش على الرغم من فظاعتها وفضائحها وما سببته من كراهية للولايات المتحدة ! ، أوباما بصيغة أخرى ، ليس في جانب المطالبين بمحاكمة صارمة لمرحلة بوش الابن ، وهو يأخذ بمبدأ « عفا الله عما سلف ».. معتبراً أنه « من الأفضل المضي قدماً إلى الأمام بدلاً من الالتفات للوراء..».
الحق ، أن موقف أوباما يبدو والحال كذلك ملتبسا .. فهو وإدارته يظهرون حرصاً على كشف عمليات التلاعب بالقوانين والانتهاكات التي مارستها بعض المؤسسات الاستخبارية والأمنية في عهد بوش الابن ، بيد أن هذا الحرص يظل في حدود النظرية وربما التشهير ويتوقف عند هذا الحد ، دون أن يقترن بأية إجراءات عقابية رادعة ، وإذا ما أسأنا الظن ، فقد نذهب إلى أن أوباما يتصور أن مجرد التعريف بتجاوزات عهد سلفه وبسطها على الملأ يكفي كعقاب للمتجاوزين سابقاً ورادع لمن تسول لهم أنفسهم بالتجاوز حالياً ومستقبلاً.
ربما كان الأمر على هذا النحو .. لكن فعالية هذه المعالجة الناعمة لملف ينطوي على مخاطر جمة ، ليس أقلها شأناً التشكيك في صدقية الخطاب الأميركي العاطف على الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة النظام والقانون ، هذه الفعالية تظل عرضة للأقاويل والتخرصات ، ولنا أن نفترض وقوع إدارة أوباما في لحظة ما فريسة الاتهام بالازدواجية بين الأقوال والأفعال.
وتتعزز صدقية هذا الاحتمال في ضوء الحقيقة التي مؤداها أن مدمني انتهاك القانون لديهم من الوقاحة والسماجة ما يجعلهم يسخرون من آليات التشهير غير المشفوعة بالعقوبات المادية ، ولا أدل على ذلك من أن ديك تشيني ، نائب الرئيس بوش الابن والراعي الأساسي لملف التجاوزات والمتجاوزين ، مازال عاكفاً على نظريته .. وهو لا يغادر مناسبة إلا وينتهزها للتعريض بأساليب إدارة أوباما ورميها بكل نقيصة لجهة مقاربتها لقضية الأمن الأميركي.
الشاهد ، أنه يتعين على أوباما وبطانته إظهار قدر أكبر من الجدية والحزم في مواجهة ملف التجاوزات القانونية والمحرضين عليها ، إذا ما أراد انتشال سمعة الديمقراطية الأميركية وتحسين صورتها وطي بعض صفحاتها السوداء.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
حيرة أوباما أمام ميراث بوش الابن / بقلم :محمد خالد الأزعر .. كاتب وأكاديمي فلسطيني
