من أبرز مظاهر المأزق التاريخي الذي وقعت فيه الولايات المتحدة هو أنها انطلقت في العام 2003 لإعادة تشكيل أوضاع العالم بصورة تتفق أكثر مع مصالحها الإمبراطورية الاحتكارية ،
وإذا بالعالم ، قبل أن ينتهي العام المذكور ، هو الذي ينطلق لإعادة تشكيل أوضاعه وأوضاع الولايات المتحدة أيضاً ، وقد انقلب الموقف الدولي بمجمله رأساً على عقب!
لكنّ الذي حدث كان انقلاباً تاريخياً ، عالمياً نوعياً ، والمفترض بداهة انه يحتاج إلى جهود وتمويل جميع الأمم أو معظمها لسنوات طويلة ، وإذا به يتحقق بسرعة قياسية مذهلة لم يتوقعها أحد على الإطلاق ، خلال أقلّ من سنة ويا للعجب ، من دون أن تدفع جميع الأمم تكاليفه الباهظة ، كما يفترض منطقياً ، بل إنّ بعضها قبض ولم يدفع ! ومن دون أن توحّد جميع الأمم جهودها لتحقيقه ، كما يفترض منطقياً ، بل إنّ بعضها لم يتردّد في مجاملة الأمريكيين ومساعدتهم على الرغم من عدائه المزمن لهم ، وعلى حساب العراقيين والأفغانيين الذين فدوه ! فكيف حدثت إذن تلك الأعجوبة أو المعجزة الأممية التاريخية ؟ .
لقد سدّد الشعب العراقي والشعب الأفغاني ، في المقام الأول ، تكاليف هذا الانقلاب العالمي التاريخي الهائل نيابة عن العالم أجمع ، بعد أن حشدا قواهما الذاتية ، البشرية والمادية ، نيابة عن العالم أجمع أيضاً ، ثمّ جاء دور الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني في المقام الثاني ، فبفضل بطولات هذه الشعوب انقلب الوضع الدولي رأساً على عقب بتلك السرعة لصالح العالم عموماً وضدّ الولايات المتحدة خصوصاً ، وصارت واشنطن تسترضي العواصم الكبرى والصغرى ، وتأخذ بتوصياتها ، وتحسب لها حساباً ، بعد أن كانت تحتقرها وتهدّدها وتتوعّدها ! ، وإنّه لمن شبه المؤكّد اليوم أنّ أوضاع الولايات المتحدة ( وكذلك أوضاع العالم ) لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه قبل عام 2003 ، وأنّ واشنطن فقدت ، على الأغلب ، موقعها العالمي الإمبراطوري المتفرّد إلى الأبد ، بفضل المقاومة العربية والإسلامية ! .
غير أنّ المذهل المفجع هو أنّ العالم بدا ، ويبدو اليوم أكثر ، غافلاً أو متغافلاً عن فضل المقاومة ، العراقية والأفغانية خصوصاً والعربية والإسلامية عموماً ، في إنقاذه من أعظم الشرور والمصائب الأمريكية التي كانت ستحلّ به على مدى القرن الحادي والعشرين ، فهذا العالم تصرّف ، ولا يزال يتصرّف ، كأنّما العمليات الحربية الأمريكية العملاقة في العراق وأفغانستان ، وفي لبنان وفلسطين أيضاً ، تكسّرت وانكفأت بسبب تضاريس الأرض الوعرة وبسبب العوامل الطبيعية الأخرى ، وليس أمام الإرادة الإنسانية الصلبة لهذه الشعوب ، فما السبب في هذا التغافل أو التجاهل أو الجحود في الموقف من تضحيات المقاومـة العربـية والإسلامية ؟ وكيف يمكن تجاهل التكلفة الباهظة التي دفعها العراقيون والأفغانيون بجدارة وكبرياء ، وما زالوا يدفعونها ، وقد فاقت بكثير تكلفة كلّ من الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وفاقت نتائجها السياسية والاقتصادية بكثير ما ترتب على الحربين المذكورتين من نتائج ؟.
ينبغي الاعتراف بأنّ السبب الأول ( وليس الوحيد ) لهذا الجحود العالمي يعود إلى القصور الكبير في الخطاب السياسي لقادة المقاومة العربية والإسلامية ، وإلى الانحرافات الخطيرة في الأداء الحربي الميداني ، فقد جرى تجاهل البعد الأممي المعلن بوضوح تام كهدف رئيسي استراتيجي لعمليات احتلال أفغانستان والعراق ، وبدا الخطاب السياسي المقاوم قاصراً وركيكاً ، ومنفّراً لمعظم أمم العالم ، بسبب خصوصيته وضيق أفقه ، حيث اقتصر على هموم العرب أو المسلمين في حدّه الأعلى ، وعلى هموم الأفغانيين والعراقيين في حدّه الأدنى ، فغرق في التفاصيل الذاتية الثانوية المحلّية والإقليمية ، وبدا عاجزاً عن استيعاب البعد الأممي العالمي الأساسي في المواجهة القائمة ، فأقلق الحلفاء التاريخيين والمحتملين ودفعهم إلى الحذر والتجاهل ، أو الجحود ! ، أمّا على صعيد الأداء الحربي الميداني فكانت عمليات تصفية الحسابات الداخلية بين أبناء الوطن الواحد والمنطقة الواحدة تبدو في كثير من الأحيان كأنما هي أهم من العمليات ضد قوات الاحتلال ، الأمر الذي فتح للعدو ثغرات لا تحصى في بنية الشعب الواحد ، فاخترق هذه البنية وتمكن من تشكيل قوات محلية لصالحه ، رسمية وغير رسمية ، فكانت تشكيلات ' الصحوات ' في العراق ، على سبيل المثال ، التي يباهي العدو بتشكيلها ، ويحاول تعميمها في أفغانستان بعد ثبوت جدواها في العراق! .
لقد تطلع الأمريكيون إلى العراق ( وإلى أفغانستان أيضاً ) كقاعدة انطلاق مناسبة لضبط المنطقة واجتياح العالم ، فكان (بول وولفويتز) يبشّر الأمريكيين علناً وصراحة بأنّ العراق ، ' الذي يسبح فوق بحر من النفط ' حسب قوله ، سوف يغطّي نفقات إعادة الإعمار ( أي نفقات تجهيزه كقاعدة أمريكية للانقضاض على العالم ) دونما حاجة إلى أموال أمريكية ! ، وكان ريتشارد بيرل يطلّ عبر شاشات التلفزة ، خلال الأيام الأولى التي تلت احتلال العراق ، متحدّثاً بصراحة تامة وبلؤم لا مثيل له عن إعادة تشكيل الأوضاع في الأقطار العربية على حساب أصدقائهم التاريخيين ! .
وهكذا فقد تسبّبت المقاومة في انهيار الركن الأممي من المشروع الأمريكي ، وفي انهيار إدارة بوش الريغانية / التاتشرية المتطرّفة ، وأتاحت المجال واسعاً لنهوض الدول الناهضة في جميع القارات ، لكنّها ويا للمأساة لم تنجح في منع الأمريكيين من تثبيت أقدامهم في العراق ، مباشرة ومداورة ، وإلى أمد يبدو طويلاً ، فأية مفارقة مفجعة هذه المفارقة الغريبة ، وهل ضاعت تلك اللحظة التاريخية الهامة النادرة ، التي بدت بغداد خلالها مؤهّلة ومرشّحة بجدارة لتكون عاصمة التوحيد والتحرير والتغيير، عراقياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً ؟ ، وهل أصبحت المقاومة العراقية ، الفريدة في بسالتها وفعاليتها ، فريسة للجهل المحلي من جهة وللجحود العالمي من جهة أخرى؟
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
تضحيات المقاومة فريسة للجهل والجحود! / نصر شمالي .. كاتب سوري
