هيئة علماء المسلمين في العراق

تضحيات المقاومة فريسة للجهل والجحود! / نصر شمالي .. كاتب سوري
تضحيات المقاومة فريسة للجهل والجحود! / نصر شمالي .. كاتب سوري  تضحيات المقاومة فريسة للجهل والجحود!  / نصر شمالي .. كاتب سوري

تضحيات المقاومة فريسة للجهل والجحود! / نصر شمالي .. كاتب سوري

من أبرز مظاهر المأزق التاريخي الذي وقعت فيه الولايات المتحدة هو أنها انطلقت في العام 2003 لإعادة تشكيل أوضاع العالم بصورة تتفق أكثر مع مصالحها الإمبراطورية الاحتكارية ، وإذا بالعالم ، قبل أن ينتهي العام المذكور ، هو الذي ينطلق لإعادة تشكيل أوضاعه وأوضاع الولايات المتحدة أيضاً ، وقد انقلب الموقف الدولي بمجمله رأساً على عقب!
لكنّ الذي حدث كان انقلاباً تاريخياً ، عالمياً نوعياً ، والمفترض بداهة انه يحتاج إلى جهود وتمويل جميع الأمم أو معظمها لسنوات طويلة ، وإذا به يتحقق بسرعة قياسية مذهلة لم يتوقعها أحد على الإطلاق ، خلال أقلّ من سنة ويا للعجب ، من دون أن تدفع جميع الأمم تكاليفه الباهظة ، كما يفترض منطقياً ، بل إنّ بعضها قبض ولم يدفع ! ومن دون أن توحّد جميع الأمم جهودها لتحقيقه ، كما يفترض منطقياً ، بل إنّ بعضها لم يتردّد في مجاملة الأمريكيين ومساعدتهم على الرغم من عدائه المزمن لهم ، وعلى حساب العراقيين والأفغانيين الذين فدوه ! فكيف حدثت إذن تلك الأعجوبة أو المعجزة الأممية التاريخية ؟ .
لقد سدّد الشعب العراقي والشعب الأفغاني ، في المقام الأول ، تكاليف هذا الانقلاب العالمي التاريخي الهائل نيابة عن العالم أجمع ، بعد أن حشدا قواهما الذاتية ، البشرية والمادية ، نيابة عن العالم أجمع أيضاً ، ثمّ جاء دور الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني في المقام الثاني ، فبفضل بطولات هذه الشعوب انقلب الوضع الدولي رأساً على عقب بتلك السرعة لصالح العالم عموماً وضدّ الولايات المتحدة خصوصاً ، وصارت واشنطن تسترضي العواصم الكبرى والصغرى ، وتأخذ بتوصياتها ، وتحسب لها حساباً ، بعد أن كانت تحتقرها وتهدّدها وتتوعّدها ! ، وإنّه لمن شبه المؤكّد اليوم أنّ أوضاع الولايات المتحدة ( وكذلك أوضاع العالم ) لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه قبل عام 2003 ، وأنّ واشنطن فقدت ، على الأغلب ، موقعها العالمي الإمبراطوري المتفرّد إلى الأبد ، بفضل المقاومة العربية والإسلامية ! .
غير أنّ المذهل المفجع هو أنّ العالم بدا ، ويبدو اليوم أكثر ، غافلاً أو متغافلاً عن فضل المقاومة ، العراقية والأفغانية خصوصاً والعربية والإسلامية عموماً ، في إنقاذه من أعظم الشرور والمصائب الأمريكية التي كانت ستحلّ به على مدى القرن الحادي والعشرين ، فهذا العالم تصرّف ، ولا يزال يتصرّف ، كأنّما العمليات الحربية الأمريكية العملاقة في العراق وأفغانستان ، وفي لبنان وفلسطين أيضاً ، تكسّرت وانكفأت بسبب تضاريس الأرض الوعرة وبسبب العوامل الطبيعية الأخرى ، وليس أمام الإرادة الإنسانية الصلبة لهذه الشعوب ، فما السبب في هذا التغافل أو التجاهل أو الجحود في الموقف من تضحيات المقاومـة العربـية والإسلامية ؟ وكيف يمكن تجاهل التكلفة الباهظة التي دفعها العراقيون والأفغانيون بجدارة وكبرياء ، وما زالوا يدفعونها ، وقد فاقت بكثير تكلفة كلّ من الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وفاقت نتائجها السياسية والاقتصادية بكثير ما ترتب على الحربين المذكورتين من نتائج ؟.
ينبغي الاعتراف بأنّ السبب الأول ( وليس الوحيد ) لهذا الجحود العالمي يعود إلى القصور الكبير في الخطاب السياسي لقادة المقاومة العربية والإسلامية ، وإلى الانحرافات الخطيرة في الأداء الحربي الميداني ، فقد جرى تجاهل البعد الأممي المعلن بوضوح تام كهدف رئيسي استراتيجي لعمليات احتلال أفغانستان والعراق ، وبدا الخطاب السياسي المقاوم قاصراً وركيكاً ، ومنفّراً لمعظم أمم العالم ، بسبب خصوصيته وضيق أفقه ، حيث اقتصر على هموم العرب أو المسلمين في حدّه الأعلى ، وعلى هموم الأفغانيين والعراقيين في حدّه الأدنى ، فغرق في التفاصيل الذاتية الثانوية المحلّية والإقليمية ، وبدا عاجزاً عن استيعاب البعد الأممي العالمي الأساسي في المواجهة القائمة ، فأقلق الحلفاء التاريخيين والمحتملين ودفعهم إلى الحذر والتجاهل ، أو الجحود ! ، أمّا على صعيد الأداء الحربي الميداني فكانت عمليات تصفية الحسابات الداخلية بين أبناء الوطن الواحد والمنطقة الواحدة تبدو في كثير من الأحيان كأنما هي أهم من العمليات ضد قوات الاحتلال ، الأمر الذي فتح للعدو ثغرات لا تحصى في بنية الشعب الواحد ، فاخترق هذه البنية وتمكن من تشكيل قوات محلية لصالحه ، رسمية وغير رسمية ، فكانت تشكيلات ' الصحوات ' في العراق ، على سبيل المثال ، التي يباهي العدو بتشكيلها ، ويحاول تعميمها في أفغانستان بعد ثبوت جدواها في العراق! .
لقد تطلع الأمريكيون إلى العراق ( وإلى أفغانستان أيضاً ) كقاعدة انطلاق مناسبة لضبط المنطقة واجتياح العالم ، فكان (بول وولفويتز) يبشّر الأمريكيين علناً وصراحة بأنّ العراق ، ' الذي يسبح فوق بحر من النفط ' حسب قوله ، سوف يغطّي نفقات إعادة الإعمار ( أي نفقات تجهيزه كقاعدة أمريكية للانقضاض على العالم ) دونما حاجة إلى أموال أمريكية ! ، وكان ريتشارد بيرل يطلّ عبر شاشات التلفزة ، خلال الأيام الأولى التي تلت احتلال العراق ، متحدّثاً بصراحة تامة وبلؤم لا مثيل له عن إعادة تشكيل الأوضاع في الأقطار العربية على حساب أصدقائهم التاريخيين ! .
وهكذا فقد تسبّبت المقاومة في انهيار الركن الأممي من المشروع الأمريكي ، وفي انهيار إدارة بوش الريغانية / التاتشرية المتطرّفة ، وأتاحت المجال واسعاً لنهوض الدول الناهضة في جميع القارات ، لكنّها ويا للمأساة لم تنجح في منع الأمريكيين من تثبيت أقدامهم في العراق ، مباشرة ومداورة ، وإلى أمد يبدو طويلاً ، فأية مفارقة مفجعة هذه المفارقة الغريبة ، وهل ضاعت تلك اللحظة التاريخية الهامة النادرة ، التي بدت بغداد خلالها مؤهّلة ومرشّحة بجدارة لتكون عاصمة التوحيد والتحرير والتغيير، عراقياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً ؟ ، وهل أصبحت المقاومة العراقية ، الفريدة في بسالتها وفعاليتها ، فريسة للجهل المحلي من جهة وللجحود العالمي من جهة أخرى؟
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق