خاص_ بالهيئة نت
في حين لم تكن حكومة الإحتلال الرابعة بزعامة المالكي مؤهلة لخوض أزمات دبلوماسية لا من حيث الكفاءات ولا من حيث المبدئية السياسية في التعامل مع القضايا الدولية ذات الطابع الأمني؛
فإنها قد صدّقت على نفسها من خلال اعتراف ضمني أنها لا تملك السيادة في العراق والذي لازال مكبلاً ببنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، إذ أن إنشاء محكمة دولية يقتضي بالضرورة عدم وجود سيادة ، والأخيرة لو كانت متوافرة فإن شروط تشكيل المحكمة تعد غير مكتملة على وفق قانون المحكمة الدولية .
والمحكمة المعنية بهذه القضية هي " محكمة العدل الدولية " التي توصف بأنها ذراع قضائي تابع للأمم المتحدة يهدف إلى حل النـزاعات والخصومات بين الدول وتتخذ من لاهاي بهولندا مقراً لها، وهي تختلف عن "المحكمة الجنائية الدولية" التي تعنى بجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان ومن هنا ندرك لماذا قامت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بسحب عضويتهما من المحكمة الجنائية الدولية ولم يعد هناك ما يحملهما على تنفيذ ما يترتب عليهما من قرارات والتزامات.
ومحكمة العدل الدولية يطلق عليها اختصاراً اسم " المحكمة الدولية " ولهذا فإنها هي المعنية بالحديث هنا وهي التي عنتها حكومة المالكي حين طلبت تشكيلها ، وهي ذاتها التي حققت في قضية اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق ، ومن الجدير ذكره أن الولايات المتحدة الأميركية سحبت اعترافها بالسلطة القضائية الإلزامية لهذه المحكمة بمعنى أن واشنطن تلتزم بما تقبله من قرارات المحكمة وتتحلل مما لا تقبله منها، أي إنها تنفذ ما تراه منسجماً مع سياستها وترفض ما دون ذلك .!
وما يلفت النظر في هذا الموضوع أن الإدارة الأميركية لزمت جانب الصمت إزاء طلب الحكومة الحالية في العراق تشكيل محكمة دولية للتحقيق في حوادث تفجيرات أربعاء بغداد الدامي مثلما لاذت قيادة قوات الإحتلال في العراق بالصمت المطبق ولم تعلق بشيء حول الأحداث بدءً من يوم التفجيرات ومروراً بتصاعد الأزمة مع سورية وانتهاءً بمطلب المحكمة الدولية ، في إشارة إيهام إلى أن الشأن هذا حكومي ولا صلة للإحتلال ولا لإدارته به ، وتلميح مزعوم إلى أن القرارات المترتبة عن هذا الموضوع ليست من إملاءات أميركا.
وبعيداً عن كل المشاهد التي حلت بالعراق منذ 2003 م وحتى اليوم والتي لم تنطق حكومات الإحتلال بمطالب لتشكيل محاكم دولية في جرائم ذات دموية أكثر من يوم الأربعاء الدامي مثل أحداث الزركة وتفجيرات تلعفر ومجزرة البطحاء و..و... وغيرها كثير كثير مما لا تحصيه سطور، إلا أن المشهد اليوم أخذ طابعاً آخر وهو الذي دفع حكومة المالكي إلى تصعيد الأزمة بشكل مهووس دون مراعاة ما قد ينكشف من أستار أو ما يدعو إلى إلزامها بشيء قانوني يدين سياستها ويوقعها في حرج يقلل من شأنها وينقص من شرعيتها الناقصة ابتداءً ، وهذا ما يدعو إلى بطلان جميع ما كانت تدعيه من امتلاكها السيادة وأهليتها لإبرام الاتفاقيات وما إلى ذلك وعلى وفق مبدأ " من فمك أدينك ".!
ومن خلال المعطيات المتوافرة على الأرض وعلى ضوء ما يجري من سياسات تُملى على الحكومة يمكن استنتاج أن مطلب المالكي إنشاء محكمة دولية ليس ناتجاً من جعبته بل هو مطلب أميركي بحت ، وما حكومة المالكي إلا أداة لتنفيذه وذلك وفق آلية تمت صياغتها من خلال برنامج الإحتلال ، وهذا المخطط قد يكون طارئاً بعد أن وصل المآل في العراق إلى ما وصل إليه من تحقيق إنجازات هائلة صنعتها المقاومة وقوى رفض الإحتلال ، وربما يكون هذا الموضوع مدروساً منذ مدة وبالتحديد منذ التوقيع على اتفاقية الإذعان بين إدارة الإحتلال ودميته في العراق المتمثلة بالحكومة الحالية أو حتى قبل الاتفاقية فالأخيرة برمتها ما هي إلا مدخل لمرحلة جديدة ، وفي كلتا الحالتين فإن مشروع إنشاء المحكمة الدولية جزء من برنامج الإحتلال يسعى من خلاله إلى التحايل على القانون والالتفاف حول الاتفاقية ما يحقق للإدارة الأميركية ( مصداقيتها ) في إنجاز الوعود التي قطعها أوباما على نفسه إبان دعايته الانتخابية من جهة، ومن جهة أخرى يضمن بقاءً لقواته أو من تحالف معها فترة زمنية أطول من أجل استكمال تحقيق بنود البرنامج الأميركي في العراق .
إنّ عقد اتفاقية الإذعان لم يكن ليخدم حكومة المالكي بالمرة وسواء أنجزت الاتفاقية أم أبطلت فإن الخسارة جسيمة على حكومة لا تفقه شيئاً سوى ضرورة ديمومة وجودها واستمرارها بأي شكل وتحت أي ظرف وبشتى الأثمان ، ومن هنا فإن انهيار حكومة المالكي يتم عبر أحد منفذين : أولهما فشل اتفاقية الإذعان وإبطالها ، والآخر تطبيقها بما يخدم مصالح الإحتلال وإدارته ، ورغم أن الجزء الثاني هو الحاصل حالياً من قبل الاحتلال إلا أن الحكومة حرصت كل الحرص على تجاهل موضوع الاستفتاء على الاتفاقية وتأجيله إلى أجل غير مسمى بل وإلغاءه حتى ، وستثبت الأيام القابلة ذلك ، مثلما أثبتت وقوع الواهمين الذين مرت الاتفاقية من خلالهم في الفخ ولم يعد لهم من رصيد شعبي أو تاريخي فقد لدغوا أنفسهم وشعبهم ليس مرتين فقط بل مرات عديدة فابتلاهم الله بتصدع البناء وتشقق الروابط وتهشم التحالفات وهذه من سننه سبحانه وتعالى ، وحيث تعلم الحكومة علم اليقين وتدري حق الدراية أن الاتفاقية لو عرضت على الشعب العراقي فإن الرفض القاطع هو النتيجة الحتمية لها كان هذا التجاهل للاستفتاء والمحاولة لإلغائه وبذلك أغلقت الحكومة أحد أبواب هلاكها المتحقق حال تحقق فشل اتفاقية الإذعان ، أما الباب الآخر فسيكون مفتوحاً على مصراعيه حالما أكمل الاحتلال مبتغاه ـ وهذا مستبعد فأطماعه لا حدود لها ـ أو أُرغم على ترك العراق صاغراً وهذا هو الراجح وفق المجريات الحالية إذ أن المقاومة قطعت شوطاً كبيراً جداً في الوصول إلى مرحلة ، وبدأت بالصعود وهي تستحوذ على الرصيد الجماهيري والشعبي ليس على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى الإقليمي والدولي ، فالتطور النوعي في وسائل تحقيق برنامج المقاومة وانطلاق المرحلة النهائية من عملية بناء التكامل بين المقاومة والممانعة وما حصل من توحيد في الأداء الميداني والخطاب السياسي للسواد الأعظم من فصائل المقاومة وجميع ذلك متمثل بعملية التخويل ، وفشل محاولات الإحتلال البائسة في صناعة مساحة يزعم أنها للحوار والتفاوض مع نفر من المقاومة والتي هي في حقيقتها ذر للرماد في العيون من أجل تمييع القضية وكسب الوقت وتخفيف الضربات وما إلى ذلك من مظاهر ، جميعها عوامل أسهمت في ارتقاء المقاومة ومشروعها على حساب تراجع الإحتلال وتقهقره وتباطؤ تنفيذ العديد من مشاريعه الأمر الذي دعاه إلى صناعة صورة لتبييض الوجه وإخفاء الألم فكانت اتفاقية الإذعان.. ، فهي اتفاقية تخدم الصالح الأميركي فقط أُلزمت الحكومة بتوقيعها شأنها شأن بقية مشاريع الإحتلال التي نُفذت آنفاً . والاحتلال يدرك تماماً حاجة الحكومة إليه وأنها متلاشية بدونه وفي الوقت ذات فإنه غير مقتنع تماماً ببنود الاتفاقية التي تقتضي إنهاء وجوده في العراق بعد عدة أشهر فهو حين أنجزها مع الحكومة كان مخططه أنها محطة مؤقتة و مدخل لمرحلة أخرى من أجل الإتيان بما هو جديد يضمن البقاء مدة أطول ، فهو حريص أشد الحرص على ابتكار وسيلة جديدة تمكنه من البقاء بصورة ( قانونية ) مقابل ضمانات يعطيها للحكومة بأنه سيستمر في رعايتها ما دام موجوداً فعلى الحكومة أن تكون تنفيذية لما يخطط ويقرر ، وفي الظروف الاعتيادية ـ إذا صلحت العبارة ـ فإن الحكومة لاهثة وراء تنفيذ مشاريع الاحتلال ومآربه فما بالك لو كان الظرف اليوم متأزماً وينذر بفناء المالكي وتنحيه خاصة بعد إنهاء صداقته مع جل حلفائه على حساب مصلحته ؟ لاشك أن التنفيذ سيكون سريعاً وبطاعة عمياء .!
أمّا الضمانات التي تحدثنا عنها فليست بالضرورة أن يحققها الاحتلال للمالكي ، فمصلحة الاحتلال هي التي تقرر شكل المرحلة القادمة ، وحيث أن الأميركيين لم يُطلعوا أرباب العملية السياسية حتى الآن على الشكل المرغوب للمرحلة القادمة فإن السياسيين والأحزاب والتكتلات لا زالوا في تخبط وشد وجذب ولم يحسموا حتى اللحظة الأشكال النهائية لتحالفاتهم الانتخابية بل لم ينجزوا بعد قانون الانتخابات الجديد بانتظار أن تعطف عليهم إدارة الإحتلال بإطلاعهم على رغباتها المرحلية القادمة .
وبالعودة إلى صلب الموضوع فإن المحكمة الدولية أصبحت ضرورة ملحة بالنسبة للأميركيين والمالكي على حد سواء ، وأميركا اليوم ليست متفرغة لفرض عقوبات على سورية ،بل إن سورية ليست هي بيت القصيد ، إذ أن المغزى من المسرحية كلها هو إيجاد صيغة قانونية دولية لتمديد بقاء قوات الإحتلال في العراق ، فالمحكمة كفيلة بصياغة قرار أو إطلاق توصيات باتجاه معين تجعل مجلس الأمن الدولي يتخذ قراراً ـ أو بقرار مباشر من المحكمة ـ يقضي بوجوب انتشار قوات دولية في العراق لحفظ الأمن وحماية الحدود وتحقيق السلام ونزع فتيل الأزمة بين العراق وسورية خاصة وأن القوات الحكومية في العراق غير مؤهلة لذلك والدليل ما حصل في الأنبار بعد يوم واحد فقط من انتشار القوات الحكومية على الحدود من تفجيرات بيّنت العجز التام لهذه القوات،ويزاد على ذلك زعم أن قوات الاحتلال الأمريكي على شفا انسحاب .! . وهذه القوات الدولية ستكون بصياغة أميركية بحتة وبامتياز ، والمحكمة حين تُقرر انتشار قوات دولية في العراق فإن الإدارة الأميركية ستكون بعيدة عن نطاق العتب فيما لو سُئلت عن مبررات وجودها خارج إطار اتفاقية الإذعان ، وسيكون الجواب بأن القوات الأميركية أكملت انسحابها قانونياً وفق الاتفاقية وأن القوات الحالية هي قوات مكفولة دولياً وجاءت بقرار دولي ، هذا فضلاً عن مشاركة قوات أخرى غير أميركية تخفف العبء على إدارة أوباما وتقلل من خسائرها في الأرواح والأموال.
وعلى ضوء ذلك فإن خطر إنشاء محكمة دولية في العراق في الظرف هذا يتمثل بتجديد عقد الاحتلال إلى أجل غير مسمى وتبييض وجه أميركا الأسود وإظهار إدارتها أنها ذات مصداقية وأنها أوفت بكل وعودها وحققت جميع التزاماتها ، وفي الوقت ذاته يستمر برنامج الاحتلال في التنفيذ بل وسيزداد سرعة وستضاف إليه بنود ووسائل جديدة أكثر سعة وأحنك عملاً ، أما المالكي فإن ما سيحدد استمرارية بقاءه من عدمها هو سلوكه ونهجه من حيث توافقه مع برنامج الاحتلال بشكله الجديد وصيغته المطوّرة والتي لم يُكشف عنها أو عن مقدمات توحي بماهيتها بعد .
م
محكمة دولية.. أم محكمة إذعان... جهاد بشير
