الجميع يعرف ان أي شرخ في جسد الموصل الحدباء بما تملكه من ارث حضاري وثقافي عريق وتجانس وتأخٍ مجتمعي يمتد الي آلاف السنين ، فان هذا الشرخ يشكل بالضرورة انكساراً للعراق كله ،
فالموصل ليست مدينة منسية يمكن تجاهل معاناتها ، وهي ليست مشروعا سياسيا قابلا للمقايضة بين أطراف الحكم ، وانما هي قضية مزروعة في وجدان وأخلاق وتاريخ وحياة كل العراقيين ، فكل ما يؤثر فيها يتأثر العراق كله به ، وكل مساس بخارطتها يعني ذلك البداية لتهشيم خارطة العراق ، فمنها تتوحد الارادات العراقية ، وبها تقاس المواقف الوطنية ، وبدون الاثنين معا فلا قيمة لكل المواقف.
باتريك كوكبرن مراسل وكاتب مقال في جريدة الاندبندت البريطانية قال في تحقيق صحفي له من الموصل ان ( خسرو كوران ) وهو قيادي كردي بارز أبلغه ان قواته اتخذت مواقع مرتفعة من أجل التصدي للواء (26) من الفرقة السابعة في ( الجيش العراقي ) عندما حاول التحرك من محافظة ديالي الي الموصل ولو قرر اللواء الاستمرار في التقدم لهاجمناه لأن الأوامر كانت واضحة بفتح النار في تلك الحالة .
هنا نريد أن نسأل شركاء السلطة في العراق ونترك الأجوبة لهم : اذا كانت الثقة مفقودة بالجيش وتحركاته ورئيس أركان الجيش كردي ، فكيف ستكون ثقة الشراكة في الحكم..؟ واذا كانت سلطة الحكم المشتركة غير قادرة علي معالجة الخلافات بينها ، فكيف لهذه الشراكة أن تقود العراق وتوحده وتبنيه..؟ واذا كان مشروع الفيدرالية يعطي الأحقية لصنّّاعه في عزل مدن الفيدراليات عن باقي مدن العراق فكيف سنري مشروع فيدرالية الوسط والجنوب التي يتمسك بها المجلس الأعلي الاسلامي علي باقي مساحة العراق كله..؟ واذا كانت الخلافات السياسية علي السلطة والمواقع تؤدي الي عزل القري والنواحي والاقضية عن مراكزها مثلما يحصل في الموصل ، فكيف يمكن أن يطمئن الشعب بأن مشروع الفيدراليات سيكون عاملا لتعزيز وحدة العراق والتنمية والتطور والحقوق..؟ واذا كانت التوافقات السياسية في الحكم فرّخت العزلة بين أبناء الشعب في المدينة والمحافظة الواحدة فكيف لها أن توحد الشعب العراقي من زاخو حتي الفاو كما يقولون..؟ هذه الأسئلة وهناك الكثير غيرها مطروحة أمام صناع وشركاء سلطة العهد الجديد في العراق ، وكل ما نريده هو أجوبة مقنعة معبرة عن صدق الانتماء للعراق وحرص الأداء والدفاع عن وحدته الجغرافية التي تمثل بالضرورة وحدته الوطنية ، وليس كلاما سفسطائيا يظهر شيئا ويخفي أشياء لحين انتظار لحظة التقسيم التي ستؤدي حتما الي صراع لم ولن يتوقف بسهوله لأنه مرتبط بحياة وطن ومستقبل شعب.
ان ما يثير الدهشة في ظروف أصبحت بالغة الدقة هو السكوت وسياسة المجاملات بين الرئاسات الثلاث ( الجمهورية والوزراء والنواب ) لما يجري في الموصل وكأن انتزاع مدن وعزلها وزرع حالة العداء بين أبنائها قضية فيها وجهة نظر ، وليست قضية قابلة في كل لحظة لتشظي العراق كله.
ان هذه المجاملات التي تجري علي حساب الشعب والوطن تعني بأن هؤلاء بامكانهم أن يجاملوا علي المستقبل الوطني للجماهير العراقية ويجاملوا علي الأمن الوطني والقومي للوطن كله ، خاصة عندما تكون تلك المجاملات فاتورة تدفع لحساب المصالح الحزبية والطائفية والعرقية ، ويكون الوطن بشعبه ومساحته ودوره وتاريخه عرضة لتلك المساومات.
هناك أجندة دولية واقليمية في العراق تنفذها أحزاب وترضي عليها أطراف ، هدفها تنفيذ سياسة المرور التدريجي للتقسيم ، وتستهدف هذه السياسة في البدء ترويض عقلية الانسان العراقي ، بدءً بخلق المشاكل والصراعات الدموية له وتفكيك مدنه والتشكيك بحرية انتقاله من محافظة الي أخري وصولا لصنع الأزمات المعيشية وتحطيم رغبته بامكانية الحصول علي أبسط مقومات الحياة ، كل ذلك يستهدف الترويض والقبول بالممكن من المطروح علي الساحة وهو التقسيم.
هذه الحالة تذكرنا بعملية الترويض التي شهدتها الجماهير العربية في الصراع مع (اسرائيل) وفي صراع الأطراف الفلسطينية مع بعضها بعضاً بحيث وصل الأمر الى القبول بأقل ما كانت تطرحه (اسرائيل) في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ولم يتحقق ذلك .
انها سياسة الترويض التدريجي للعقلية الشعبية العراقية يبدأ من الموصل وينتهي بمشروع المجلس الأعلي الاسلامي لتحقيق فيدرالية الوسط والجنوب ، وهنا لا يحق لك ولي السفر الي الشعيبة الا بجواز مرسوم عليه فيدرالية الجنوب والعهد الجديد لنظام جديد ووطن جديد مفتوح علي الكل من الغرباء ومغلق أمام الشعب بحكم الانتماء والهوية والقومية والمذهب والمكان.
لذلك نقول ان سياسات الترويض المسندة من عمليات الاجتياح للعقول والأنفس ليست هي الحل لقضية في مقدماتها وأحداثها ونتائجها هي قضية العراق كله ، ولا نعتقد علي وفق الموقف الشعبي العراقي العام بأن الموصل يمكن لها أن تكون عنصر التجاذبات بعدما كانت عبر التاريخ الطويل نقطة انطلاق للمعرفة والوئام والثقافة ، والموصل ليس مثلما يريد لها (طيفور) النائب الثاني في مجلس النواب العراقي أن تكون مقسمة علي أثنين وانما هي العراق كله ، وهي ميزان العراق ، ومن يطرح فكرة قسمة الادارات والأرض في الموصل معنى ذلك طرح فكرة صناعة الخلل بهذا الميزان وتهشيم العراق كله.
ان الخلافات السياسية يجب أن تخضع للحوار والنقاش بغية الوصول الي نتائج مقبولة لكل الأطراف المختلفة ، واذا تعدت ذلك باتجاه حجز المدن واشتراطها للمساومة ومشاركة الأجنبي في حمايتها يعني ذلك وضع العراق كله تحت سقف الاشتراطات وبالتالي اسقاط حاكمية الهوية الوطنية عن مفاهيم واليات العمل في معالجة الخلافات ، ومثل هذه الرؤي تخرج عن دائرة العمل لبناء وتطور وطن مشترك لكل العراقيين علي وفق قوانين العمل الديمقراطي وادخالها في نفق الانحيازات القومية والطائفية التي تكرس عناصر التضاد داخل صفوف المجتمع العراقي .
ان غياب المشتركات الوطنية بين الطبقات السياسية الحاكمة والتخندق في أحشاء انتماءاتها القومية والطائفية والعمل علي حشد تلك المكونات لتحقيق أهداف سياسية ومكانية بالقوة أو التهديد بها أسقط امكانية تطور المشروع الديمقراطي وما يطلق عليه بالدولة الاتحادية لكون الجهات المعنية بتحقيق ذلك هي ذاتها تمارس أبغض ما أنتجه الفكر القومي والطائفي من انعزالية وعنصرية وتفريق.
ان استقواء الناحية على المحافظة والمحافظة على العاصمة ورئيس الدائرة على الوزارة والوزارة على مجلس الوزراء تعبيرات واضحة لتهشيم هيكلية بناء الدولة العراقية باسم التوافقية والديمقراطية والدولة الاتحادية وصولا لجر البلاد الي حالة التناحرات بغية تحقيق مشاريع التقسيم باعتبارها الحل للاشتباكات السياسية الجارية في أكثر من مكان ، ولعل اشراك القوات الأمريكية في دوريات حماية المدن بدلا من القوات العراقية المقدمة الأولي للوصول لهذا الهدف.
لم يسجل أدب التاريخ السياسي المعاصر بأن من يؤمن بالقومية العصبوية والطائفية أن يكون ديمقراطيا ويؤمن بحق الشعب على اختلاف منابعه بالتعايش السلمي وبالعمل المشترك تحت سقف الدولة المدنية المتحضرة التي تشترك في صياغة مفردات تطورها ونهوضها كل عناصر المجتمع علي اختلاف منابعها وأصولها ، وانما كانت هذه المكونات على الدوام عوامل خنق وافتراق وصراعات ، نأمل أن يعي المعنيون في إدارة السلطات ذلك وينحازوا للشعب والعراق كله ويتقدموا خطوة واحدة الي الأمام لكي يتحسس الشعب امكانية الخلاص من الإرث القديم وينفتح الكل نحو عراق واحد ضامنا لكل الحقوق لا يفصل بين أبنائه المكان واللغة والجنس واللون ، وبغير ذلك فأنه من حق الشعب أن يتوجس من هكذا تجربة سياسية ومن حق أبناء الموصل أن يتحسبوا من الطروحات التي تؤسس لتمزيق وحدتهم الوطنية والمكانية.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
الموصل : ميزان العراق / جاسم مراد
