هيئة علماء المسلمين في العراق

ما وراء تصعيد المالكي ضد سوريا؟ --- د. عماد الدين الجبوري
ما وراء تصعيد المالكي ضد سوريا؟ --- د. عماد الدين الجبوري ما وراء تصعيد المالكي ضد سوريا؟ --- د. عماد الدين الجبوري

ما وراء تصعيد المالكي ضد سوريا؟ --- د. عماد الدين الجبوري

في الحسابات السياسية ومفاهيمها أن لا عداوة دائمة ولا صداقة مستمرة والمصالح أولاً. فما هي مصلحة رئيس حكومة الاحتلال نوري المالكي أن يقفز على نحو طرزاني في مجابهة بلد عربي شقيق مثل سوريا؟ ولماذا هذه العجلة في الطلب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن على فتح تحقيق دولي؟ وهل يجرؤ المالكي على هكذا خطوة من تلقاء نفسه؟ وما هي دوافع وخفايا هذا الإيقاع السريع الذي ترقص عليه حكومة المنطقة الخضراء؟ في أحدث ما تطرق إليه المالكي حول هذا الخصوص، جرى هذا اليوم السبت المصادف 5-9-2009 في محافظة كربلاء بمناسبة توزيع قطع أراضي على أُسر الشهداء والسجناء السياسيين السابقين. وقال المالكي كلاماً، كعادته، فيه الحشو والتسويف والمغالطة للحقيقة، بل وفوق حجمه ووزنه وطنياً وإقليمياً ودولياً. ويمكننا أن نسرد هنا بضعة نقاط منها:
أولاً: أشار المالكي بلغة مبطنة مهدداً سوريا قائلاً: أن "المتمردين على القيم والإنسانية لن يقفوا على حدود العراق والذين يحتضنون المجرمين سيدفعون الثمن حتماً". تُرى هل حقاً سوريا تحتضن "المجرمين"؟وهل بمقدور المالكي أن يجعل سوريا ليس فقط "تدفع الثمن"، بل إنه متأكد بأن قادة سوريا "سيدفعون الثمن حتماً"؟  في الشطر الأول نستطيع القول بشكل جازم أن سوريا قيادةً وشعباً لا تسمح لهم أخلاقهم العروبية أن "يحتضنون المجرمين". وهل نسى المالكي وزمرته أين كانوا قبل أن يخدعوا الجميع بمعارضتهم السياسية؟ وفي الشطر الآخر، نستطيع أن القول بأن المالكي بمقدوره أن يؤذي سوريا، فهو بيدق كبير من بيادق الاحتلال الأمريكي. وخير دليل ما حصل ويحصل للعراق من دمار وخراب منتظم تحت رئاسته الوزارية.
ثانياً: يقول المالكي: "فلا يتصور أحد مهما كان لديه من قوة ومخابرات أنه سيكون بمنأى عن التداعيات التي تتواصل وتتصاعد". وكأنه سعى خلال سنوات حكمه بكل صدق وعمل بكل مثابرة على متانة العراق في:
أ- المصالحة الوطنية واستتباب الأمن وتأمين الخدمات العامة داخلياً.
ب- توسيع دائرة العلاقات الإيجابية خارجياً.
ثالثا: يطالب المالكي من العالم "أن يقف وقفة واحدة بوجه الشر والإرهاب والجريمة". لكنه يغض الطرف عن  ذكر تلك الجهة التي تصدر هذا "الشر والإرهاب والجريمة". فهل يعقل لسوريا ميليشيات طائفية عنصرية تنشر القتل والدمار داخل العراق؟ أم أن إيران هي رأس الأفعى السامة التي كانت ومازالت تعمل على قتل وتمزيق وحدة النسيج الاجتماعي العراقي!
رابعاً: أن قوله: "سنبقى دائماً نبحث عن عملية غلق لكل الأبواب التي يمكن أن يتنفس منها القتلة". وكأن المالكي وحزبه وبقية الطائفيين القادمين من إيران والمشاركين معه بالسلطة براء من كلمة "القتلة" براءة الذئب من دم يوسف! علماً أن مَنْ يسميهم بالقتلة هم وطنيون يهدفون إلى تحرير بلدهم من دنس الاحتلال الأمريكي وتطهيره من نجس الصفويين وكنسه من بقاياهم من الإمعات.
وعند استقباله لرؤوساء البعثات الدبلوماسية العاملة في العراق يوم الخميس الماضي الموافق 3-9-2009، تطرق المالكي أيضاً للحديث عن سوريا قائلاً: أن "الأزمة مع سوريا ليست جديدة، فقد أجريت اتصالات على مستويات متعددة مع المسؤولين السوريين حول نشاط قادة حزب البعث المنحل والمنظمات الإرهابية التي تعمل ضد العراق من الأراضي السورية".
أن لغة المالكي التي تحتوي على مفردات تدل على التأكيد القاطع بصحة ما يقوله، بينما واقعياً لا يستطيع تقديم دليلاً قاطعاً على ما يدعيه. لأنه يعرف الحقيقة بأن سوريا لا شأن لها بالدمار الحاصل في العراق، لكنه يٌحرف الكلام عن مواضعه لأسباب وغايات تخدم الكتلة الإسرائيلية داخل السفارة الأمريكية في بغداد. وإلا ما معنى قوله أن "الأزمة مع سوريا ليست جديدة". في الوقت أن مآسي العراق ضالعة فيها قوات الاحتلال الأمريكي وفِرق الموت الصفوية وعناصر الموساد الإسرائيلية.
وفي حديثه السالف الذكر، أشار المالكي أيضاً إلى أنه: يتحدى سوريا أن تقدم تفسيراً لإيوائها لجماعات مسلحة. وهذا القول فيه اتهام ضمني وليس تحدي علني. والغاية هي اتهام القيادة السورية لمواقفها ومبادئها القومية التي لا تروق للطائفيين المتربعين على عرش السلطة في بغداد. ثم أن حكومة المالكي التي تطالب سوريا بتسليم أشخاصاً تتهم بالتفجير الذي قتل أكثر من 100 وجرح نحو 700 من العراقيين. فعلام لا تفعل الشيء نفسه وتطالب إيران بتسليم أبو درع وغيره من قادة جيش المهدي الذين قتلوا عشرات آلاف من العراقيين! أم أن أحداث 2006-2007 تحت حكم المالكي يروم إلى إخفائها! 
أن أوامر المالكي في 4-9-2009 حول "نشر قوات جديدة من الجيش والشرطة على الشريط الحدودي بين العراق وسوريا بهدف منع المتسللين من عبور الحدود" من ناحية. ومن ناحية أخرى طلبه الرسمي من الأمم المتحدة في تشكيل لجنة تحقيق دولية في الاعتداء الذي طال وزارتي الخارجية والمالية في 19-8-2009. تدل على أن المالكي يتجه إلى تصعيد الموقف ضد سوريا على نحو خطير. وبما أن المالكي لا يملك من أمر السيادة شيئاً، لذا فإن هذه الحركات الطرزانية لا توحي عن قوة سيادية، بقدر ما تعني تطبيقاً لمخطط آن تنفيذه لصالح الكيان الصهيوني ضد سوريا عبر العراق. وإلا لأتجه المالكي عبر الطرق الدبلوماسية المتبعة أولاً. ولقدم الأدلة الدامغة التي طالبت بها الحكومة السورية ثانياً. ولأبتعد عن التصعيد الإعلامي المفتعل ثالثاً.
أن سوريا وفق دبلوماسيتها الهادئة والرصينة تمكنت من لجم حكومة الاحتلال في بغداد. بل حالما جاءها وزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو ناقلاً البراهين العراقية المزعومة، سرعان ما كشفت الخارجية السورية بأن تلك البراهين ليست أكثر من طلبات سابقة قدمتها الحكومة العراقية تتعلق بأسماء المعارضين للعملية السياسة وغيرها لكنها لا تتصل بأدلة حول التفجير الوزاري الأخير. ومع ذلك فقد مضت عدة أيام والخارجية العراقية لم تتفوه بشيء نفياً أو إثباتاً!
عندما يصف الرئيس السوري بشار الأسد اتهامات الحكومة العراقية بأنها "لا أخلاقية" وطالب بغداد بتقديم الأدلة على اتهاماتها. فلماذا لا يرتقي المالكي إلى المستوى الأخلاقي والبرهاني ويجيب الرئيس السوري، بدلاً من  توجيه رسالة إلى الأمين العام للأمم كي مون في 30-8-2009، والأخير بدوره حولها إلى مجلس الأمن، حيث يطالبهم المالكي بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة. وجاء في رسالته: أن الهجمات تصل إلى "مستوى جرائم ابادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية يعاقب عليه القانون الدولي". وأن إدارة البيت الأبيض اعتبرت هذا الخلاف شأناً داخلياً، بينما أكدت بأنها ستوزع الرسالة على أعضاء المجلس الأربعة عشر الآخرين، كونها تترأس مجلس الأمن حالياً. أليس في هذا التوقيت ما يدل على أن تصعيد المالكي ضد سوريا لمصالح وغايات صهيونية – أمريكية، وإن مسرحية الانتخابات القادمة في العراق تتطلب منه فصلاً أخيراً قبل الولوج فيها!

أضف تعليق