ليس اعتراضا على أصل المثل وإنما على تسقيط هذا المثل على القضية العراقية وتحديدا على مجريات ما يسمى بـ( العملية السياسية ) ، وعلى نتاج تلك العملية العرجاء ، وعلى المشاركة بها وحتى المشاركين فيها ، فمنذ الاحتلال ونحن نسمع هذا المثل يتكرر مترافقا مع مسلسل المحتل الأمريكي في لعبته السياسية التي ما جاء بها حبا بالعراق الذي دمره ولا لسواد عيون أهل العراق الذين انتهك كرامتهم .
قبل الاحتلال بفترة طويلة بدأت مؤامرات المحتل بالإعداد والاستعداد لغزو العراق ، فراح يحشد ويهيئ لتأييد غزوه وأخذ يبحث عن المبررات التي تمهد لجريمته ، فاتخذ مما يسمى ( المعارضة العراقية ) ورقة يلعب بها ، فارتمت الكثير من تلك الأحزاب في أحضان المحتل وقد أغرتها الدولارات الأمريكية ووعوده بالمناصب في عراق ما بعد ( التحرير ) ، فأسهبت هذه الأحزاب باستخدام هذا المثل ( بعض الشر أهون من بعض ) تبريرا لارتمائها في أحضان أمريكا ومن حالفها ، فأخذت تردد أن الديمقراطية هي البديل الأمثل لـ( دكتاتورية صدام ) ، ومن أجل ( التحرير ) فإن شر الحرب أهون من البقاء تحت الظلم والقهر ، فهل حقا كان الاحتلال أهون من (النظام السابق) ؟
ثم وقع الاحتلال فقيل نهاوده ولا نجابهه لأنه الأقوى والأقدر وربما تكون نهاية العراق ودماره بالمواجهة ، وربما تتسبب المقاومة في سفك دماء العراقيين ، دعونا نعطيه مهلة لنرى صدقه في تحقيق وعوده ومدى وفائه بعهوده ، فقائل يقول شهرا وآخرون يتساهلون فيمهلونه سنين طوال وتوسط قوم فحسموا الخلاف في تحديد المهلة بستة أشهر ، والجميع يستند إلى أن مهادنة المحتل أشهرا معدودة - يتكرم علينا من بعدها بالفرج - خير من الخراب الذي سيطال العباد والبلاد ، فـ (بعض الشر أهون من بعض ) ، فهل تحققت نبوءتهم أم كانوا سذجا حالمين وللجهاد وأهله من الخاذلين المثبطين ؟
وقرر المحتل – بعد دراسات وخطط إستراتيجية – أن يبني مشروعه الاستعماري في العراق ، فقدم لعبته السياسية وفق مراحل متعددة الواحدة تلو الأخرى ، فكان مجلس الحكم المكون من أعضاء يختارهم المحتل وفق اعتبارات سياسية وليس بتفويض من الشعب العراقي ، ورغم إقرار جميع العقلاء بأنه مجلس باطل لا يستند إلى أي مشروعية إلا أن البعض اختار التفرد عن الجماعة فكان من جملة المشاركين في هذا المجلس ، فتعلل القوم بأن الغياب عن هذا المجلس سيفوت علينا المصالح ويتفرد بالقرار فيه الطالح ، فلابد من الحضور لنمنع عن شعبنا الشرور ، فشر المشاركة أهون من ترك الساحة فارغة ، واليوم نسألهم هل دفعتم عن أهلكم شرا ؟ أم كنتم سببا في ترسيخ قدم المحتل وأعوانه ؟ وهل تصح الموازنة بين التنديد بقرار يجعل يوم الاحتلال عيدا وبين التوقيع على القانون السيئ ( إدارة الدولة )؟
وبناء على المنطق السابق جاءت المساهمة في جميع مفاصل ( العملية السياسية ) التي فرضها الاحتلال ، لأنهم قالوا أن ( التعامل ) مع المحتل أهون من ( التعاون ) ، ولكن الحقيقة أن النتيجة كانت تعاملا متعاونا وإلى أبعد الحدود من حيث يعلمون أو لا يعلمون ، فترسخت أقدام المحتل وتشرعن وجوده وهيمن عملاؤه على المناصب في حكومة أطلقوا عليها (حكومة الوحدة الوطنية )، ورغم ذلك استمر نزيف الدم العراقي وسرقة أموال العراق وثرواته ، فلا مصالح لأنفسهم جلبوا ولا مفاسد عن قومهم درؤوا .
وإذا استمر هؤلاء بمنطقهم هذا وساروا في ركب قافلة المحتل فسيزداد التدهور ، وينقلون العراق من سيء إلى أسوأ ، ويسهمون مع المحتل في تفتيت لحمة الشعب العراقي ، فيرسخون الطائفية يوما بعد آخر ، وربما سنسمع منهم غدا أن الفدرالية هي الحل لأنها تحفظ حقوق ( الأقليات ) ، وهي – أي الفدرالية – رغم أنها شر إلا أنها أهون من الاستئصال .
فهل سيبقى هؤلاء يستسلمون لأضعف الخيارات ، ولا يعرفون في السياسة فرض الشروط وتحقيق الإرادات ، ألم يسمعوا في الأمثال ( ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ) أو ( لا يفل الحديد إلا الحديد ) ؟ أم تراهم يريدون أن نكفر بهذا المثل الذي يقول (بعض الشر أهون من بعض ) ؟!!
هل حقا أن (بعض الشر أهون من بعض)؟!.... : د.عبد الحميد الكاتب
