الخسائر الأميركية في العراق، لن تصل إلى مستوى تقليص النفوذ الأميركي. فالعراق، بما تيسّر له من مقاومة، أصاب آلة المشروع الاميركي بالعطب، ولم يصب المصالح الأميركية بأضرار. فحضورها العسكري قائم، وظله سيبقى، وخبراؤه يقودون العمل العسكري والأمني والسياسي، من ثكناتهم الآمنة، والمحصنة بمراقبة شديدة.
لقد أصيب بوش في العراق، ولم تصب الولايات المتحدة الأميركية. كان يمكن ان يكون الأمر كارثيا، لو نجحت «ماكينة» بوش العسكرية، وعممت فلسفة الدمار و«الركام البناء» في ما حول العراق.
أميركا باقية في العراق، نفوذا وهيمنة ومصالح، مباشرة أو بواسطة أدوات أقوامية ومذهبية، بحاجة ماسة إلى دعمها واشنطن، لتبقى كردية في الشمال، شيعية في الجنوب، وسنية في حالة «تحسين الأحوال» والأنصاب.
استطاعت أميركا، ان تنقذ نفسها، وتحيّد جنودها من المواجهات العسكرية، وأخلت الساحة لمن تولوا نقل المعركة في مواجهة الاحتلال، إلى معركة حضور ومحاصصة داخل السلطة، ولو أدى ذلك إلى تعميم «خراب البصرة» إلى مدن العراق كافة.
أميركا لن تترك الشرق الأوسط. هي باقية فيه ونافذة وقابضة، وتشكل حاجة ماسة لأكثر من 99% من أنظمة المنطقة.
ولن تنسحب أميركا ولو جريحة. لأن البدائل ممتنعة. فهي حاجة ماسة لدول الخليج كافة، «لردع النفوذ الايراني»: حاجة للسعودية، لحمايتها وتأمين مصالحها فيها. وحاجة لليمن لمواجهة الحوثيين، ولمصر، لقيادة معسكر الاعتدال، وقيادة «العمل العربي المشترك» لتأمين سلامة التطبيع، فلا يبقى انتقائيا. وهي حاجة للأردن، لمنع نشوء دولة في امارته، غير الدولة الهاشمية. وهي حاجة لسوريا، لدرء الخطر عنها، ولفتح باب حوار حمائي لها، كي لا تُستفرد مرة أخرى. وهي حاجة ماسة لقسم من اللبنانيين، فقدوا بوصلة البرنامج، بعد فراغهم من القدرة على تأمين الدعم للمشروع الأميركي السابق.
ما العمل، ومحور الاعتدال العربي، ينشط في اتجاهين: مساعدة أميركا في خطة السلام الجديدة المزمع اعلانها في آخر شهر أيلول أو ما بعد ذلك، ومساعدة أنفسهم، بالاتفاق مع واشنطن ومع اسرائيل بالضرورة، لمنع الخطر النووي الايراني، ومنع «حركات التشيع العنيفة» في دول الحساسيات الطائفية، وهي غير قليلة في الخليج والعراق وسوريا ولبنان.
ما العمل، ولا بديل دوليا عن التفرد الاميركي بالمنطقة، ولا بديل اقليميا يقدر على الصمود في وجه «القبضة الدبلوماسية» الاميركية، ولا بديل شعبيا، غير ازدهار العنف المذهبي، وقدرة انتشاره وتعميمه حيث تتوافر التناقضات المذهبية والعرقية والاجتماعية.
الولايات المتحدة ضامنة لمستقبلها في المنطقة. هي تعيد صياغة ادواتها وآلياتها، لوضع استراتيجية السيطرة والنفوذ والقيادة، في منطقة رخوة من الداخل، توفر الرخاء لآلة الانتاج الصناعي في الدول الغنية.
ما العمل، ولا قوة غير القوى الاسلامية، لمواجهة السياسات الأميركية؟ وهذه، لا يقتصر عنفها على مواجهة الاحتلال في فلسطين ولبنان والعراق، بل قد يتطور ليصبح عنفا داخليا مريضا، يريح الاميركيين الى أمد بعيد.
هل نحن بحاجة إلى اعادة التأكيد أن هناك خيارات قليلة أمام العرب، وخيارات متعددة أمام الأميركيين. ليس أمام العرب، الا الدخول إلى بيت الطاعة الأميركي، فتضيع فلسطين وحقوقهم معها، أو الخروج عن بيت الطاعة، والاستمرار في الرفض، فيكونون أداة تعطيل حتما، لكن لن يستطيعوا ان يكونوا أداة بناء قومي، لوراثة منطقتهم وتأكيد حقوقهم فيها، بعد تسيب سياسي، أفتت بصلاحياته، أنظمة استبدادية، بأشكال ملكية وعسكرية وجمهورية وطائفية ودينية.
أن تقول لا... لأميركا. خير من أن تكون معها في حالة انعدام... مهما كان الثمن.
هذا هو قدر الضعفاء. ان يكونوا أقوياء بالرفض، وأن يكون فعل «لا»، أقوى وأمضى الأفعال العربية.
أمريكا باقية فما العمل؟... نصري الصايغ
