هيئة علماء المسلمين في العراق

شيوخ (كهوتهم) ما مشروبة!...حسين المعاضيدي
شيوخ (كهوتهم) ما مشروبة!...حسين المعاضيدي شيوخ (كهوتهم) ما مشروبة!...حسين المعاضيدي

شيوخ (كهوتهم) ما مشروبة!...حسين المعاضيدي

طرقات على باب داري، سمعتها في وقت مبكر من أحد الأيام الحزينة في بلادي، صحوت، وركضت باتجاه الباب، فقد كنت أسارع لفتح الباب قبل ان يتهشم على يد القوة المداهمة، كما كنت أعتقد، وهو ما دأبنا عليه في بلاد ما بعد الاحتلال، فكل طرقة على الباب التي تهز سكون آخر الليل، أو تلك البديلة عن صياح الديك في ساعات الفجر الأولى نظن مصدرها محتلا غاشماً، لا يرأف ولا يرحم، ولا يتركنا ننعم بنومة الصباح، قبل أن يتبين ان الطارق ليس سوى أبن شيخ عشيرتنا، الذي طلب مني حمل كاميرتي ومرافقته إلى دار الشيخ ومضيف العشيرة التي انتسب إليها.
حينما وصلت صعقت للمنظر، فالمحتلين كانوا قد غادروا قبيل لحظات، وقد حطموا كل شيء، وخلفوا ورائهم دلال القهوة العربية متناثرة بعد ان كسروا فناجينها، وخلطوا هيلها برماد نارها، فيما تحول بساط المضيف إلى قطع متناثرة، والجدران إلى سبورة مدرسية حملت ألوان مختلفة من الكتابات الإنكليزية والأرقام والرسومات السخيفة والمهينة.
كانت الصور المعلقة على الجدران لشيخ العشيرة تروي قصة ما جرى، فهي البعيدة عن متناول اليد تم تحطيمها وهي في مكانها برؤوس البنادق على ما أظن لارتفاع مكان تعليقها، وبول جنود التحرير وتغوطهم في كل ركن وزاوية، كأحد أساليب الإهانة، لم أشهده وألحظ مثله من قبل، لشدة خسته، ووطئته!
كان شيخ العشيرة قد اُعتقل، أو هكذا ظننا، وأخذت أصور ما جرى للمضيف، ولدار الشيخ التي أحرقوا أخضرها ويابسها، حتى ملابس الأطفال والنساء مزقوها، وخلطوا رز البيت بسكره، بدقيقه، بعدسه وسمنه، إلى جانب تحطيمهم لكل الأبواب، وزجاج الشبابيك، ولن أنسى ان أعرج على أجهزة التلفاز الاثنين في البيت التي استقرت عدة أطلاقات في شاشة كل واحد منهما، ولم يبقوا شيئاً قابلاً للكسر والتحطيم عامراً سليماً!!
وأنا انهي مراحل التصوير لمخلفات مداهمة مضيف، ودار شيخ العشيرة المختفي، سمعت أنيناً في حمام المضيف، فسارعنا إلى كسر الباب الذي أحكم إغلاقه المحتلون قبل مغادرتهم، ليتبين لنا أنه الشيخ، الذي كانت قد أحكمت على عيناه عصابة سوداء، وهو ملقىً في وسط حمام المضيف، والدماء تسيل من أماكن مختلفة من جسده، ألقيت بالكاميرا وهرعت مع الحاضرين لحمله خارج الحمام، وكان في وضع صحي متدهور، وهو الذي يعاني من أمراض الكهولة.
جلس الشيخ السبعيني، وظن الكثير انه لن يقوى على الجلوس ثانية في المضيف، لهول وحجم ما رآه على يد الجلادين، دعاة الحرية، وحماة حقوق الإنسان، فالطريقة المذلة والمهينة التي تعاملوا بها معه تجعل الإنسان منكسراًَ، لا يقوى على تحمل صعوبة الموقف، فكيف لو كان من تعرض إلى الإهانة هو شيخ العشيرة، ورمزها!
أتذكر حينها كيف جلس أبناء العشيرة وهم يشعرون بالانكسار، لتعرض شيخهم إلى هذه الطريقة المهينة في التعامل من قبل المحتلين، وراح عدد من الحاضرين من أبناء عشيرته يحاولون التخفيف عنه من هول ما مر به، لكن الشيخ الذي مر بما مر به لرفضه الانخراط في مشاريع الصحوة، وفي ردة فعل لم يتوقعها الكثير من أبناء عشيرته، انتفض واقفاً رغم صعوبة وضعه الصحي، والدماء لا تزال معالمها واضحة على أنحاء مختلفة من جسده الممزق بالجروح ليقول لهم:
هذا هو المحتل، لا يرعى في مؤمن إلاً ولا ذمة، هدفه أهانتكم، وإهانة رموزكم، فماذا تنتظرون من محتل عبر البحار السبع ليحتل أرضكم، وينهب خيراتكم، ويهين دينكم!؟ أترضون بإهانة دينكم، ولا ترضون بإهانة شيخكم!؟ أنهم يريدوننا ان ننتسب لصحواتهم، وإلا كان هذا الثمن، ولن ننخرط في دروب العمالة، وسنتحمل النتائج مهما كان الثمن، وأعلموا ان ذلهم رفعة، وإهانتهم لنا سمو، وقتلهم لنا شهادة، ومضيف عشيرتكم أزداد اليوم شرفاً على أيديهم.
استوقفني موقف الشيخ (دحام عيادة الفتنة) هذا، واستذكرت ما جرى، ولا يزال يجري في بلاد الرافدين من حال شيوخ العشائر العربية في العراق وكيف انقسمت خارطة تلك العشائر ليصبح الشرف العشائري إما مدافعاً عن الأرض والعرض، أو مناصراً للمحتل على أبناء بقية العشائر، واستذكرت في الوقت ذاته وقفة تلك العشائر العربية الأصيلة في ثورة العشرين، وكيف ان العشائر هي من أشعلتها، وفجرتها قبل قرابة التسعة عقود من اليوم، وكيف ان بعض العشائر كذلك من عملت على إجهاضها وتسببت في إعادة بسط البريطانيين لسيطرتهم ونفوذهم على العراق، بعدما أحاله الثوار العشائريين إلى جحيم لا يطاق عليهم، حينما استسلم عدد من شيوخ العشائر ووضعوا أيديهم بيد البريطانيين، فزرعوا بذلك بذور الفرقة بين الثوار، وتم في ضوئها تراجع الثورة عن تحقيق أهدافها بالكامل، تلك الثورة التي انطلقت من رحم أمة، عانت ما عانته على يد المحتلين طيلة قرون من الظلام شهدتها تحت حكمها بعد انحسار المد الإسلامي وانكسار الدولة الإسلامية وقتذاك.
وبعد قرابة التسعة عقود من تلك الثورة العشائرية، التي تفجرت بمقتل السفير البريطاني والقائد العسكري العام في العراق(لجمن)، على يد شيخ عشيرة زوبع  (ضاري المحمود) الذي قضى عليه بضربة سيف، أعقبت رصاصات انطلقت من بنادق أولاده، لتستقر في جسده المدجج بالأوسمة والنياشين والرتب، ولتنطلق بتلك الحادثة شرارة تلك الثورة، التي لا يزال المحتلون البريطانيون يتذكرون تفاصيلها بدقة عالية، كما يتذكرها آباؤنا وأجدانا، فهي من الأيام التي لا يمكن لها ان تندثر مهما طال الزمان أو قصر، تلك الثورة العشائرية التي انطلقت لتحرق الأرض تحت أقدام البريطانيين وأقزامهم في ذلك التاريخ، فبعد اندلاع شرارتها الأولى، ثارت العشائر العربية من جنوب البلاد حتى شمالها، لتعلن عن ولادة واحدة من مشاعل النور في بلاد الرافدين، هبت العشائر لتقف وقفة رجل واحد  بوجه طغاة العصر في ذلك الزمان، وسادة العالم، الذين لم تكن الشمس لتغرب عن ملكهم، فنال المحتلون صنوفاً من المآزق والقتل على يد العشائر العراقية العربية الثائرة آنذاك، والتي شكلت ذلك الطوق الناري على قوات عملت المستحيل لتوقف وهج تلك الثورة دون ان تتمكن، حتى انتشرت كالنار في الهشيم.
الدور العشائري كان ولا يزال متناقضاً في الوقوف بوجه المحتل الأميركي، بين مدافع عن العرض والشرف والعزة والكرامة، وقبل ذلك الدين بقوة لا مثيل لها، وبين منخرط في المشروع الأميركي حتى هامتهم، ويصبحوا خناجر مسمومة في خاصرة الجهاد والمجاهدين، بعد ان وقفوا جنباً إلى جنب في خندق الباطل ضد خندق الحق، وفي خندق الشيطان ضد خندق الإسلام، فأعانوا المحتل على تقتيل أهليهم وذويهم، وعلى بسط سيطرته على كثير من محافظات البلاد، فبعض من رؤوساء تلك العشائر تحولوا إلى دروع للمحتل، محاولين ثلم سيف الجهاد عن البطش بأعداء الله، ومنع رصاصة المقاومة من الوصول إلى صدور الغزاة، فكثير من هؤلاء كانوا هم حبل النجاة للمحتل البريطاني قبل عقود وطوق النجاة للمحتل الأميركي اليوم، بعدما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة في مختلف أصقاع العراق!
فالبريطانيون الغزاة نصحوا شركاءهم في جريمة احتلال العراق بالاستعانة بأصدقاء الأمس، من عُباد المال، بل قل من عبدة الخيانة، التي هي دأبهم، رغم اختلاف الزمان، وتولي الأحفاد مناصب الآباء والأجداد، فسارع المحتل الأميركي للعمل بنصيحة شريكه المحتل البريطاني، وراح يشتري ذمم شيوخ العشائر بسعر بخس، وأصبحت المشيخة العشائرية تجارة وسلعة تباع وتشترى، حتى أن أحد قادة الجيش المحتل ويدعى الجنرال (كينغ)، الذي كان مساعداً للحاكم المحتل، أكد في تصريح لصحيفة (الحياة) اللندنية أنه أستقبل أكثر من سبعة آلاف شيخ عشيرة، يطلبون المال مقابل ضمان مساندة عشائرهم للأميركيين والعمل بمعيتهم، في حين أن عدد شيوخ العشائر في العراق لا يتجاوز الألفي شيخ عشيرة، وهو ما يشير بوضوح إلى حجم سوق شيوخ العشائر الذي ارتفعت أسهمه كما يقال.
لقد أصبح المحتلون الأميركان على شفير الهاوية وشعروا ان نهايتهم قريبة، فسارعوا إلى شركائهم البريطانيين، طالبين منهم النصح والمشورة للبحث عن مخرج مما هم فيه من ضيق، لضراوة المقاومة التي يتعرضون إليها على أرض الرافدين، فالبريطانيون لهم دراية بطبيعة الشعب العراقي، فهم الذين أخرجهم أبناء دجلة والفرات بالفالة والمكوار قبل سنين، ولقنوهم درساً في فن عيش الحياة بشرف، ويبدو أنهم لم يستوعبوا ذلك الدرس جيداً حينما عادوا مرة أخرى وأن كانت عودتهم هذه المرة بحمى وحماية الأميركان، قبل ان ينالوا ما نالوه ويشربوا من نفس الكأس التي شربوا منها قبل عقود من السنين، حينما أعلنوا انسحابهم وهم يجرون أذيال الخيبة، تاركين الجمل بما حمل لمحتل، لم يحصد من احتلاله غير قتل جنوده، وخسارة أمواله، وتاريخ أسود فاجر، سيظل يلاحقهم إلى أبد الآبدين، فلولا خيانة رؤساء هذه العشائر ووقوفهم في صف المحتل ضد المجاهدين والمقاومين لكان الوضع قد أخذ شكلاً وبُعداً آخر، غير الذي يحصل اليوم، ولتعجل النصر منذ أكثر من ثلاثة أعوام قبل اليوم، وأستلم هؤلاء الثمن من أسيادهم المحتلين، دولارات ملطخة بدماء أبناء جلدتهم، ومناصب وكراسي، زائلة لابد في القريب العاجل بإذن الله، فيما اكتفى البعض بالتعاون من أجل عقد لا يكفي لتسديد رواتب أفراد حمايتهم، لكن دأبهم على الخيانة والنكوص هو من يجعلهم يسلكون هذا الطريق، الذي لا خاتمة له، سوى خزي في الدنيا، وعار أبدي، وعذاب ومستقر في كبد الجحيم.
ان الغيمة التي تحيق بالعراق وبأهله لا بد ان تنجلي، وعما قريب بإذن الله ، وستعود شمس الحرية لتشرق من جديد على بلاد أشتق أسمها من عراقتها، وستعود الدلال العربية لتتقد على جمر الطرفة والصفصاف، وستعود طقطقة الفناجين وضربات الـ(نِجْر)، الذي يُسحن البن والهيل ويسحقان به، تتصاعد لتعلن عن عودة الحياة إلى مضايف، تحولت في يوم ما بفضل المحتل إلى علامات للانكسار، مع أنها بالتأكيد هي علامات الأصالة والثبات على الدين والعرف العشائري، وستكون رائحة القهوة العربية الأصيلة بمثابة الموت الذي يساق إلى شيوخ الغفلة، واللحظوية، والمتاجرة، من باعة شرف العقال العربي، أولئك الشيوخ الذين لم تعد (كهوتهم) مشروبة!!
حسين المعاضيدي
[email protected]

أضف تعليق