هيئة علماء المسلمين في العراق

حروب الآخرين والعراقيين على أرضهم ....عصام نعمان
حروب الآخرين والعراقيين على أرضهم ....عصام نعمان حروب الآخرين والعراقيين على أرضهم ....عصام نعمان

حروب الآخرين والعراقيين على أرضهم ....عصام نعمان

ما أشبه عراق اليوم بلبنان الأمس. الأمس في لبنان يمتد من اللحظة الراهنة رجوعاً إلى سني الثمانينات الدامية، وقد تتجدد حروب الماضي “التليد” في الحاضر الوليد وربما تمتد إلى المستقبل المجهول. الأمس في العراق بدأ بالاحتلال سنة 2003 وامتد بحروبه إلى الحاضر وما زال، وربما سيمتد إلى المستقبل المجهول. بين الأمس واليوم اندلعت في لبنان حروب كان بعض اللبنانيين يسميها “حروب الآخرين على أرضنا”. ثم تبيّن أن لبعض اللبنانيين دوراً في تلك الحروب لا يقل ضلوعاً ووحشية عن الآخرين. هي، إذاً، حروب الآخرين واللبنانيين معاً على أرضنا.

في العراق اندلعت، بادئ الأمر، مقاومة باسلة شنّها العراقيون على الآخرين، أي على المحتلين. حروب المقاومة العراقية ضد الاحتلال ما كانت تتوقف، من وقت إلى آخر، إلاّ عندما ينجح المحتلون الأمريكيون في توليف “مقاومة” أهلية مضادة للمقاومة الوطنية الجادة. هي، إذاً، حروب الآخرين والعراقيين معاً على أرض بلاد الرافدين.

“بطل” حروب لبنان وحروب العراق واحد. انه العدو الأمريكي الصهيوني. فهو يخوض حروبه بالوكالة حيناً وبالأصالة حيناً آخر. لكنه يخوضها في كلا الحالين بضراوة ووحشية مذهلتين، ويدفع ثمنها الباهظ في كل الظروف المدنيون الأبرياء.

إذ يستعد البطل إياه إلى توليف حرب جديدة في لبنان بصيغة فتنة مذهبية بين أهل السنّة والشيعة للنيل، بشكل أو بآخر، من حزب الله، يفاجئنا في العراق بتفجيرات وحشية ضارية لعلها مقدمة لإحياء حرب أهلية طائفية ظننا انها انحسرت وتلاشت.


ما الغاية؟ ثمة أسباب خمسة.

أولها، ان قوات الجيش والشرطة العراقية بدت عاجزة عن النهوض بأعبائها وواجباتها بعد “انسحاب” قوات الاحتلال الأمريكية من المدن إلى قواعد خارجها. بصرف النظر عن سبب العجز (المرجح ان يكون صناعة أمريكية) فقد تجلّى أكثر ما يكون في الشمال (الموصل وجوارها) وبعض مناطق بغداد والوسط. بسرعة لافتة تذرع الأمريكيون بالاضطرابات الأمنية المستجدة والمتناسلة ليكرهوا الحكومة “المركزية” على عقد اتفاق يقضي بإيجاد صيغة تعاون بين قوات الأمن العراقية وقوات البيشمركة الكردية والقوات الأمريكية المحتلة لضبط الأمن داخل المدن وخارجها في مناطق الشمال. هكذا تكون القوات الأمريكية التي “انسحبت” إلى خارج المدن قد عادت إليها على نحوٍ مخالف للاتفاق الأمني المعقود أواخر السنة الماضية بين حكومتي الولايات المتحدة والعراق.

ثانيها أن مجلس النواب العراقي كان وافق على الاتفاق الأمني شريطة عرضه على استفتاء عام خلال شهر يناير/ كانون الثاني 2010. حكومة نوري المالكي اتخذت قراراً وباشرت بتنفيذه لإجراء الاستفتاء في موعده. إذا صوّت العراقيون ضد الاتفاق الأمني في الاستفتاء، وهو غالباً ما سيحصل، فإن معنى ذلك ان الأمريكيين سيجدون أنفسهم مضطرين إلى الخروج من العراق خلال سنة 2010 بدلاً من نهاية سنة 2011. وبما ان الخروج المبكر لا يناسب الأمريكيين ولا بعض حلفائهم المحليين، فقد بات من الضروري خلق ظرف سياسي وأمني يؤدي إلى إلغاء الاستفتاء أو جعل إجرائه متعذراً.

ثالثها، ان نوري المالكي الذي خرج منتصراً من انتخابات مجالس المحافظات، باشر نهجاً طموحاً لتوسيع نفوذه محلياً وإقليمياً، فانفتح أكثر على الأوساط السنّية والوطنية المعارضة للأطراف “الائتلاف الشيعي” الذي يقوده “المجلس الإسلامي الأعلى”. ثم ما لبث ان قام بجولة حملته إلى واشنطن وانقره وطهران ودمشق لتلميع صورته وتوطيد نفوذه. ولعل أهم زياراته كانت لدمشق حيث وقع العديد من الاتفاقات الأمنية والاقتصادية، وأبرزها إعادة تشغيل خط كركوك-بانياس النفطي، ما رفعه إلى مرتبة حليف إقليمي لسوريا. هذا الصعود اللافت أقلق حلفاء المالكي المحليين، كما اقلق واشنطن ولاسيما لجهة تعاونه الوثيق مع دمشق وتداعيات ذلك على المخططات والمصالح الامريكية في المنطقة.


رابعها، ان المالكي استشعر في نفسه قوة مستجدة شجعته على محاولة الاستقلال عن “الائتلاف الشيعي” ببناء ائتلاف وطني باسم “دولة القانون”، يخوض الانتخابات النيابية تحت رايته وشعاراته ويحصل بواسطته على أكثرية مقاعد البرلمان. هذا التوجّه أقلق القوى والشخصيات الشيعية المتعاونة مع أمريكا وإيران والساعية إلى تعزيز قبضتها على مجلس النواب والحكومة معاً.


خامسها ان الرئيس السوري بشار الأسد الذي تسعى واشنطن إلى استيعابه وإبعاده تدريجياً عن إيران، فاجأ الجميع خلال زيارته طهران لتهنئة محمود أحمدي نجاد بإعادة انتخابه لولاية جديدة بالدعوة جهاراً نهاراً إلى قيام تحالف بين دمشق وطهران على ان تنضم إليه لاحقاً بغداد وأنقرة. اقتراح الأسد لاقى ترحيباً فورياً من القائد المرشد علي خامنئي، لكنه أثار امتعاضاً منتظراً من أمريكا وحلفائها الإقليميين. ذلك ان واشنطن تخطط لتفعيل المسارات الثلاثة: الفلسطيني- “الإسرائيلي” والسوري- “الإسرائيلي” واللبناني- “الإسرائيلي”، وهي وجدت في إصرار سوريا على تعزيز تحالفها مع إيران ما يشكل تهديداً لسياستها ومصالحها في المنطقة، ولاسيما بعد ارتقاء علاقات دمشق مع حكومة المالكي إلى مرتبة التحالف الوثيق.


يتحصل من هذا العرض ان المالكي ودمشق هما المتضرران بالدرجة الأولى من تفجيرات بغداد، ولا يعقل منطقياً وسياسياً، والحالة هذه، ان تكون دمشق او جهة موالية لها قد ارتكبت الجريمة النكراء. فلماذا وافق المالكي على سحب السفير العراقي من دمشق وعلى سائر التدابير السلبية الأخرى وهو العالم بأن جهة غير دمشق هي، على الأرجح، من يقف وراء التفجيرات؟


أرى أن المالكي أُسقط بيده. ذلك أن ضراوة الجريمة من جهة وتبني معظم أركان النظام للرواية القائلة بأن عناصر بعثية مقيمة في سوريا مسؤولة عن التفجيرات من جهة أخرى أكرهاه على أن يختار احد خيارين كلاهما مرّ: ان يرفض الرواية الاتهامية لسوريا فيبدو كأنه أصبح في خندق واحد مع البعث العراقي المعادي لمعظم مكوّنات الائتلاف الشيعي، أو أن ينحني للعاصفة فيعاود اصطفافه مع حلفائه القدامى لينقذ حياته السياسية، فكان أن اختار ما يبقيه، ربما، على قيد الحياة.


الولايات المتحدة وأركان “الائتلاف الشيعي” هم المستفيدون بالدرجة الأولى من التفجيرات ومن شلّ صعود المالكي وربما تداعيه إلى السقوط. فقد أصبح في وسع واشنطن الآن تمديد بقاء قواتها في العراق وخارج المدن، كما أصبح في وسعها الحدّ من توسع نفوذ سوريا في العراق وانعكاس ذلك كله على موازين القوى في المنطقة.


ماذا عن إيران؟


يجب ألاّ يغيب عن الأذهان أن أطراف “الائتلاف الشيعي”، وقد أصبح اسمهم “الائتلاف الوطني”، هم شأن المالكي أصدقاء إيران وأصدقاء أمريكا في آنٍ واحد، وان موقفهم الحقيقي كما فعاليتهم السياسية سيقررهما مستقبل الصراع بين واشنطن وطهران.


كل هذه التطورات وما سيليها تؤكد حقيقةً ستبقى، بكل أسف، سائدة في الحاضر كما في المستقبل المنظور وهي أن العراق أضحى وسيبقى، حتى إشعار آخر، ملعباً وميداناً لحروب الآخرين والعراقيين على أرضه.

أضف تعليق