شرح القيادي العراقي البارز في اللقاء الخاص مع (الشروق) هذا الحديث الاول من نوعه لصحيفة تونسية موقفه من عدة مسائل وقضايا أخرى متّصلة بالشأن العراقي ومنها الحوار بين المقاومة والاحتلال وقضية كركوك متّهما جهات حكومية وإيران والموساد بالوقوف وراء التفجيرات الأخيرة ببغداد.
... وفي ما يلي هذا الحديث...
لنبدأ دكتور مثنّى بالوضع الأمني الميداني.... ما تفسيركم لتصاعد أعمال القتل في العراق هذه الايام... ومن يقف وراء مثل هذه التفجيرات برأيكم؟
ـ في الواقع هذا التصاعد في أعمال العنف ليس بالجديد فقد بدأت بوادره تظهر منذ أشهر قليلة حيث شهدنا عودة لافتة للعنف في عدّة محافظات بشمال وغرب العراق... من جانبنا سبق أن حذّرنا من هذا الأمر وقلنا إن فشل القوى السياسية الحاكمة في مهامها بعد الانتخابات البلدية سيؤدي الى شلالات دماء...وهذا بالضبط ما يحدث الآن... وبالتالي نحن ننظر اليوم الىما يجري من زاوية أن هذه القوى تسعى الى لملمة صفوفها وإعادة ترتيب أوراقها عشية الانتخابات التشريعية... وهي لا يمكنها أن تقوم بذلك الا من خلال الأعمال الطائفية...
اليوم هناك بوادر شعور وطني يجمع العراقيين لذلك هناك محاولة للحشد الطائفي من خلال افتعال الاحداث الامنية والسياسية في الساحة العراقية التي تشهد اليوم تكتلات وصراعا بين الاحزاب على النفوذ استعدادا للانتخابات... اليوم هناك صراع على النفوذ بين حزب الدعوة والمجلس الاسلامي يهدّد بانفراط عقد الائتلاف الشيعي الحاكم... ولذلك هم يردّون بمثل هذه الطريقة الدموية عسى أن يجدوا في الدم العراقي مطية لتحقيق أحلامهم الطائفية.
طبعا الساحة العراقية مفتوحة اليوم على كل الاحتمالات ونحن لا نستبعد كذلك ضلوع جهات أجنبية في هذه التفجيرات منها بالخصوص إيران... كما لا نستبعد أيضا تورط الموساد في هذه الجرائم.
اتهمتم جهات حكومية بالوقوف وراء هذه التفجيرات لكن هذه الجهات نفسها اتهمتكم أنتم وحزب البعث والقاعدة بالضلوع في هذه الأعمال... فما موقفكم وتفسيركم لذلك؟
ـ الحقيقة، هذه الاتهامات هي استمرار لنفس المسلسل الذي بدأ منذ عام 2006 وذلك بغرض تصفية حسابات مع هيئة علماء المسلمين وأمينها العام... وهذه المسألة بدأت باستهداف مواقع الهيئة في العراق واغتيال أحد قياداتها... ومن ثم صدرت مذكرة اعتقال بحق الشيخ حارث الضاري ثم تلتها مذكرات اعتقال أخرى... وبدأت الاتهامات تبكر من يوم الى آخر... ولما فشلت حكومة المالكي في تحقيق أهدافها اتخذت قرارا يفيد بتوريط الشيخ حارث الضاري في كل ما يجري بالعراق... وقد بلّغنا جهات عربية بذلك... لكن الطرافة في الموضوع ان هذه الحكومة وضعت هذه المرّة الضاري والبعث والقاعدة في سلة واحدة... هذا تضارب ودليل على فشل هذه الحكومة وتخبّطها... ودليل على أن هناك نوايا مبيتة ضد هيئة علماء المسلمين وأمينها العام... هم يعلمون أن هناك ضغطا ونشاطا يؤرقهم ولذلك يحاولون التغطية على ذلك بالترويج لاتهامات بائسة وسخيفة..
يحاول الاحتلال وبعض القوى الحاكمة في بغداد من خلال الدعاية الاعلامية خلط أوراق المقاومة بالعنف الطائفي والارهاب... كيف استطاعت المقاومة «حماية» نفسها من مثل هذه الافتراءات؟
ـ المقاومة تستطيع أن تحمي نفسها بنفسها من خلال فهمها لطبيعة المعركة الدائرة اليوم في العراق... فبعد مؤامرة الصحوة حققت المقاومة فاصلا واضحا بينها وبين الارهاب وبدأت في إطار آخر يعتمد على الاطار الاعلامي...
المقاومة نأت بنفسها كثيرا عن هذا الموضوع بدليل أن الشارع العراقي يؤكد على نضج المقاومة... وأعتقد أن ما حدث قد أعطى شهادة ثابتة على وعي المقاومة ونضجها... المقاومة تستطيع أن تحمي نفسها من خلال الضربات الموجعة للاحتلال...
نحن في هيئة علماء المسلمين نتكلّم هنا بموضوعية عن المقاومة وكنا دائما نوجه نقدا ذاتيا دائما للمقاومة... المقاومة استطاعت ان تحقق انجازا وأن ترغم الاحتلال على الانسحاب ولكن نحن لا ننكر أن الاحتلال استطاع الالتفاف على المقاومة عبر مؤامرة الصحوة ولكن منذ مطلع 2008 بدأت المقاومة إعادة نفسها وبدأت بوتيرة متنامية وحافظت الى الآن على معدلات جيدة من عملياتها ضد العدو...
اليوم هناك حديث عن تراجع ملحوظ في عمليات المقاومة... ما الحقيقة... وما تفسيركم لذلك؟
ـ بالمناسبة أقول إن جمعية المحاربين القدامى أصدرت تقريرا يقول إن هناك 164 ألف عملية للمقاومة منذ مطلع عام 2008... وهذا دليل على أن هناك عملا كبيرا جدا تقوم به المقاومة لكن لا ننسى أن هناك عمليات أخرى غير معلن عنها بسبب الحصار الاعلامي المفروض على نشاط المقاومة ولكن أقول إن معدلات العمليات اليومية لا تقل عن 50 عملية.
اليوم لا زالت اليد العليا للمقاومة... صحيح حصل تراجع ولكن المقاومة بدأت في تجاوزه...
الحرب في النهاية هي السياسة بوسائل أخرى كما يقول الاستراتيجي الألماني كلاوزفيتس كيف ترسم المقاومة برنامجها السياسي لتوظيف انجازاتها الميدانية التي أشرتم إليها؟
ـ المقاومة انتقلت اليوم إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي المواكب للعمل المسلح والتعاون والتنسيق مع القوى المناهضة للاحتلال والقاعدة الأساسية بالنسبة الى المقاومة هي مواصلة العمل المسلح وفي نفس الوقت المشاركة في الجهد السياسي من خلال ارغام الاحتلال على القبول بشروطها...
عاد الحديث بقوة هذه الأيام عن التفاوض بين الاحتلال والمقاومة... فما حقيقة ذلك... وماذا عن الاطار السياسي لهذا الحوار؟
ـ هو ليس حوارا بين المقاومة والأمريكان وإنما هو حوار بين مجموعة من المقاومة والأمريكان... بقية فصائل المقاومة قالت كلمتها في الموضوع بأن الوقت لم يحن بعد للتفاوض وهذا موقفنا نحن أيضا في هيئة علماء المسلمين...
المقاومة قالت إن الحوار لن يكون مع الاحتلال إلا بموافقة كل فصائل المقاومة والتشاور مع القوى الوطنية المناهضة للاحتلال...
اليوم هناك محاولات لادخال المقاومة تحت سقف الاحتلال ولكن هذه المحاولات فشلت في أكثر من مرة.. ومن ارتضى لنفسه الدخول تحت هذا السقف نقول له التاريخ لا يرحم...
تحدثتم عن حراك وتكتلات لرسم خارطة جديدة للقوى في الساحة العراقية... ما موازين القوى... وأين تتموضع هيئة علماء المسلمين وسط هذا الحراك؟
ـ الحراك موجود على الجانبين... داخل العملية السياسية وخارجها، داخل العملية السياسية هناك اليوم صراع محتدم على الحصص والكراسي حيث يحاول كل طرف قضم حصة الطرف الآخر... الكل يحاول أن يأخذ نصيبه من الكعكة وأعتقد أن هذا الوضع سيفجر صراعات دموية قادمة...
أما خارج العملية السياسية فهناك قوى غير معنية.... وهي تعلم أن هؤلاء يتنافسون تحت سقف الاحتلال... وهذه القوى لها ثوابت أربع وهي :
1) تحرير العراق
2) المحافظة على وحدة العراق
3) المحافظة على الهوية العربية للعراق
4) المحافظة على ثروات العراق
كيف تنظرون إلى التصعيد الجاري في ملف كركوك.... وما حقيقة وطبيعة الأزمة السياسية في هذه المنطقة النفطية؟
ـ كركوك هي عراق مصغر وهي تمثل كل الفسيفساء العراقية... فيها جميع العراقيين بمختلف أعراقهم وألوانهم... وفيها أيضا جزء كبير من الثروة... والصراع فيها كبير بين القوى السياسية... المشكلة في هذه المنطقة أن الأكراد يتصرفون وفق إرادتهم وكأن كركوك ليست منطقة عراقية...نحن وجهة نظرنا أن كركوك هي لكل العراقيين.. وأن حل هذه المشكلة لا يمكن أن يحل إلا بجلوس أهل كركوك على مائدة مستديرة بعيدا عن تدخلات خارجية زادت الأمور تعقيدا وأشعلت نار كركوك.
ذكرتم أن هناك اليوم في العراق صورتين صورة الاحتلال وعملائه من جهة... وصورة المقاومة والقوى المناهضة للاحتلال من جهة أخرى... في أي الاتجاهين «يصوّب» العرب رهاناتهم في الملف العراقي اليوم؟
ـ العرب للأسف الشديد هم اليوم في منزلة بين المنزلتين لا هم الى جانب هؤلاء ولا هم إلى جانب أولئك... العرب الرسميون يريدون اليوم أن يفعلوا شيئا ما ولكنهم لا يستطيعون بسبب فقدانهم الارادة وعدم وصولهم الى آلية مناسبة في التعاطي مع الوضع العراقي..
... هم يتفقون معنا على وحدة العراق ولكن هناك خوفا من البعض من أن يكون العراق قويا... العرب يحاولون ويضغطون على القوى المقاومة للدخول في العملية السياسية بشروط الاحتلال... هذا هو الواقع للأسف.
* حوار: النوري الصّل
الدكتور مثنى الضاري مسؤول قسم الثقافة والإعلام في لقاء مع صحيفة الشروق التونسية
