أخيراً صرخت السلطة الرابعة وشقت جدار الصمت بأنها لا سلطة لها على قول كلمة حق بوجه الفساد الذي أصبح لايطاق من زكمته ونتنه, خرج صحفيو العراق من الألم ومن الحصار الذي ضرب حول الكلمة سنين عدداً.
خرج الإعلاميون العراقيون في تظاهرتهم وهم يستصرخون العالم الذي لا يواسي جريحاً ولا يغيث جائعاً ولا يعين على نائبة الدهر, العالم الذي ترك الشعب العراقي كله بأطفاله ونسائه لا يسمح له أن يئن تحت سحق جلاده الأمريكي المحتل, ومثله درس الصحفيين الذين خرجوا في شارع من قال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
خرجوا يستغيثون العالم الذي لا ضمير له ولا إنسانية وهو يغض طرفه عن ست سنوات عجاف من حصار الكلمة وتكميم الأفواه ومصادرة الرأي وسحق الشعوب وتجويعها وانتهاك الأعراض ووأد الطفولة, وليال سود مدلهمات لا بصيص فيها من الأمل, وضياع الآمال وقتل الطموحات ومحاربة كلمة الحق, خرجوا وهم يعلنون أنهم قد ضاقوا ذرعا من السكوت والصمم القاتل, وتجسد ذلك كله أوسمة قلدها أهل الكلمة لجلاّدي الشعوب وهم يعلنوها على الملأ أن الكيل قد فاض وأنهم يقلدون وسام الإجرام والإرهاب علناً للبرلمانيين في مجلس النواب ومنهم الصغير جلال الدين ولقاسم المگصوصي المسمى ناطقاً باسم خطة فرض القانون, ويقلدون المجرمين أوسمة الإرهاب القمعي الذي يكمم الأفواه ويصادر الكلمة ومن قبله صادر الأرواح, وقلد الصحفيون وجميع الإعلاميين جلاّدي العراق أوسمة الإجرام بامتياز, يوم صارت السلطة ضحية لرعاياها.
وهم ليسوا من العميان الذين يبلغ فيهم أدب الكلمات أن ينظروها بأعينهم العمياوات ببصيرة الحياة, ولا هم من ذوي الصمم الذين يدركون قوة الصراخ الذي ينطلق من آهات الجَلْد الثقيل على أظهر المظلومين, فهم ليسوا هؤلاء ولا أولئك..إنما هم أداة جامدة لا روح لها ولا دماء فيها, هم جماد من الجمادات يتحركون بإرادة غيرهم, لا تؤثر فيهم كل صراخات اليتامى ولا عويل الثكالى ولا أنين المسحوقين, فهم يستحقون أوسمة الإجرام بجدارة وبإعلان يشهده العالم وفي وضح النهار, يخرجون من المتنبي ويمرون بالرشيد علّ فيه رمق أخير من نجدة لكلمة الحق التي تغرق في زمن يحتاج غيثها الحيارى في زمن الطغاة.
لم تثنهم التهديدات ولا القتل الذي حصد أرواح إخوانهم بأكثر من مائتين وثمانين إعلامياً, لم يكن لهم جرم ولا ذنب إلاّ قول كلمة الشكوى أمام العالم, ولا جريرة لهم إلاّ أنهم صدّقوا شعارات الديمقراطية الأمريكية التي جاءت بلون أحمر قاتم شديد القتامة فتنكرت له أرواحهم الشفافة واشمأزت له نفوسهم فلم يطيقوا ذلك اللون من الحريات والديمقراطيات الذي جاء بلون لم يألفوه من قبل حتى سالت خواطرهم أرواحاً يسطرها يراعهم وحبره دماؤهم.
الصحفيون الذين أغرتهم دعوات حكومة الاحتلال بأن يعودوا إلى بلدهم ويرجعوا إلى أهلهم الذين يتمنون عليهم أن يسمعوا منهم كلمة تقويم ومشاركة مكفولة في بناء البلد في ظل شريعة رعاة البقر, وقد بدأت مسيرة العدالة والقانون, وصرح الحرية الجديدة يشاد من جديد على أنقاض بلد غرق ببحار الدم, وكتل الدمار التي عجنت بلحوم أطفال العراق الذين أهدت أمريكا الجنات لأرواحهم بالمجان وزهقت أرواحهم بلا ثمن.
فلا شيء مكفول في العراق ولا ذمة أو ضمير في ثنايا دروبه التي امتلأت بالتبعات والمشاق الصعاب, فإما أن يكون المرء فاسداً أو يسكت عن فساد ولا خيار ثالث في العراق, والدستور الذي كتب بأنامل الخدم الناعمين ولد وهو ضعيف خائف, هو من يحتاج إلى حماية الخائفين والمساكين لكي يلوذ دائماً بجناب المجرمين والجلاّدين الذين لا رأفة لهم ولا رحمة هو الدستور الضحية الذي لا ينعى ضحاياه, وأضحى العراقيون كلهم من ضحاياه..فلا يغيث ملهوفاً ولا ينجد لائذاً بجنابه, فهو ميت ولد بين أيدي ميتين, فمن يغيث الصحافة من جبروت رعاياها..التي لم تجد لنفسها إلاّ أن تخرج في ربيعة الجمعة وفي وضح النهار أمام شواهد الكلمة ورموزها ليقلدوا جلاديهم أوسمة الإجرام, للذين بلغ من إجرامهم أن يصادروا منهم حتى حق الشكوى.
Naser_alfahdawy_(at)_yahoo.com
السلطة الرابعة ضحية تقلد جلاديها أوسمة الإجرام...الأستاذ: ناصر الفهداوي
