الإيمان شيء تموت من أجله ، والنظرية شيء تقتل الآخرين من أجله ) .. توني بن ـ السياسي العمالي البريطاني المشهور.
طار وزير المنطقة الخضراء إلى واشنطن والطواويس تطير كما يقول المبدع بهاء طاهر !
وهل في جعبته شيء جديد يضيفه إلى شعارات قائمته « دولة القانون »! سافر الوزير وهو متخم بتحولات « غزارة التحالفات » التي يمر بها الوطن ! وفي ذهنه طنين الحرب المقبلة مع الكرد ! فكيف يمكن إشعالها وهو الخبير في « الحروب الداخلية الوقائية » ! وكيف يمكن تجنبها وهو الذي يسوق بكونه ذرائعياً من طراز رافديني جديد.
تؤكد شفرة أوكهام التاريخية أن لكل مشكلة معقدة حلاً واحداً فقط ! ويعلق عليها الدبلوماسي مينيكن ، بأن هذا الحل الصغير الكامل هو الخطأ القاطع ! إن الوزير الأول رهينة « فروة السبع » التي لا تريد أن تنتهي أبداً !! وهو يعلق الآمال على فجوات الآخرين ليصب فيها أحلامه الخاصة.
إن لدى الوزير الأول مطلبا واحدا بسيطا ! لكل هذه المشاكل الكبيرة والعريضة المركبة والمعقدة ! أن يعود إلى الحكومة متوجاً بحالة جديدة من « الزعيم » الوطني العام للبلاد ! ففي ذكرى ثورة 14 تموز 1958 ، كتب فلاح المشعل رئيس تحرير جريدة الاحتلال « الصباح » في 13 تموز 2009 ، مقالاً عنوانه : عبد الكريم قاسم ونوري المالكي ! هكذا سرق هذا الكويتب العار ، وهو كان خادماً رخيصاً في النظام السابق قبل الاحتلال ، جهود سنوات مرهقة وطويلة من منجزات عقيل الناصري وهو يكتب الآلاف من الصفحات ليثبت فرادة « قاسم » في التاريخ العراقي المعاصر . إن هذا الاعتداء الوحشي الجديد على جمهور الزعيم الأوحد هو المعادل الموضوعي الثقافي لأطروحة موت الزعيم بأيدي انقلاب 8 شباط 1963 الذي تم ترتيبه من خلال قطار أميركي.
ثقافة إعلام الاحتلال تروج لبضاعة أميركية جديدة ، تنتقم من تاريخ طويل في الانقلابات السوداء واحتلال البلدان وسحق حركاتها التحررية ! لكن كل ذلك يهون أمام صناعة بضاعة فاسدة جديدة ! نحن أمام حاجة تاريخية ملفقة لزعيم يوحد الأمة ويحافظ على سيادتها واستقلالها.
لكن الوزير الأول يرد على فلاح مشعل بصيغة المفاوض القدير وكرامة الداعية وتعفف المقاول . ذهب إلى مقبرة ارلنغتون ووضع باقة من الزهور على نصب شهداء الجيش الأميركي في العراق . عقد معاهدة استثنائية جديدة لتطوير العلاقة الاستراتيجية مع أميركا. اتفق ، من خلال بروتوكولات عديدة ، مع غرفة تجارة أميركا على الاستثمارات الأميركية المطلوبة في العراق ، وقع على عقود بعثات دراسية تحت شعار « جامعة أوهايو» هي الأولى وفي المقدمة دائماً ! وفتح الأبواب لبقاء الأميركان عسكرياً في العراق إلى ما بعد عام 2011 ـ لورين سوشر ، خطاب المالكي في معهد السلام الاميركي ـ 23 تموز 2009 .
كان المالكي في صولاته الأميركية هذه ، يستند إلى إنجازاته قبل السفر ، في العراق ، فهو وافق ، ولم يعلق أبداً على إرسال البنتاغون إلى البلاد قوات جديدة ، للاستشارات والتدريب! تناهز 14 ألف جندي مسلح ! ـ الزمان 16 تموز 2009 . وهو حين اعتذر من الأميركان عن اعتقال ضابط عراقي لجنود الاحتلال في أبو غريب ، قائلاً إن ذلك الضابط لا يعرف آلية اتفاقية « سوفا » ! وهذا الكلام ينسجم مع هجومات الوزير الأول الشخصية ، وخارج إطار الإعلام الرسمي ! حول كل من يطعن في الاتفاقية ـ سوفا ! معتبراً إياها رمز الاستقلال الوطني! واحتفل في يوم 30 حزيران بالانسحاب الأميركي من المدن ، إلى أين؟ على الطريقة السوفياتية حين يحتفل بيوم التحرير من النازية.
فهل يمكن القول إن الوزير الأول نجح في مسعاه الانتخابي في واشنطن ! لقد ذهب إلى هناك وأمام مكتبه في الخضراء قد نما أكثر من عشب شيطاني يلوح بإمكانية استبداله وضرورة تغييره في المرحلة المقبلة ! وبالرغم من أن أكثر من معهد دراسات أميركي كان قد أصدر بعض النشرات المحدودة حول دور الوزير الجديد وإمكانياته المباغتة التي ترعرعت في ظل تجربته السابقة في « صولات البصرة وميسان ضد التيار الصدري » عام 2008 ، أو في « صولاته » وبالتعاون مع « اندفاعة » ديفيد بترايوس في بغداد عام 2006ـ2007.
إن الوزير الأول يلوح دائماً بمنجزات صولاته تلك ! ويعتبر أن ، بدون أن يفهم ذلك! بيوبوليتيكس « البصرة » و« بغداد » والمدن الأخرى التي عانت ولا تزال من إرهاب الاحتلال وتشريد المواطنين وقتلهم وإبادة حياتهم الاجتماعية اليومية. هي الطريق الجديدة نحو بناء دولة مركزية تمثل « القانون والسيادة » وتحافظ على مصالح المواطن والوطن! لكن الصحافي المعروف « نيد باركر » يعترف بمداخلته السياسية « ماكيا فيللي في بلاد الرافدين ». بأن الوزير الأول لا يصلح لهذه المهمة أبداً ! وأن خصائص الأمير الحديث بعيدة جداً عن ملامح عضو حزب الدعوة التاريخي ! والطوائفي الذي كان له الدور المركزي في كتابه الدستور وفي قيادة « الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث ».وأن الأمير الحديث ، في كل الأحوال ، لا يحتاج إلى « ميليشيات خاصة » للدفاع عن مركزه وفي الاستحواذ على مساحات جديدة لنفوذه الطوائفي والسياسي.
إن مأزق الوزير الأول معقد جداً . فهل لديه من الشفافية الخاصة ما يؤهله للحديث بصراحة مع التاجر الأميركي الجلف ! كيف يمكن له أن يصوغ صورة الوضع الذي يعيشه « الائتلاف الشيعي »، الذي هو عملياً يمثله في رئاسة الوزارة ! وما هي آفاق هذا «التحالف»! وكيف يمكن رسم ملامحه الحالية ودوره المستقبلي في ضوء الأحداث التالية.
حاولت السعودية ، ولا تزال ، لإعادة ترتيب « البيت السني » على ضوء المنجزات ! السابقة ، ودورها الخاص في ملفين : السنة والقبائل ! نجحت في خفض مستوى التأثير المباشر لحلفاء إيران في الجنوب ، وفشلت في تحقيق كتلة متماسكة تقف بقوة ضد إعادة صياغة « الائتلاف » بالشكل الذي ترغبه إيران . بدورها يبدو أن إيران تريد الفوز بالنقاط في هذه الحلبة ، منتظرة تطورات خاصة عراقية لنقل الوضع العام كله إلى حالة جديدة يمكنها في ظله إنجاز خطوات نوعية جديدة في ملف علاقاتها مع الاحتلال الأميركي.
يمكن القول بدون مبالغة ، إن الموضوع الذي يطرح في الإعلام العربي والخارجي ، حول المفاوضات التي جرت قبل أشهر بين مجاميع خاصة من المقاومة العراقية المسلحة والاحتلال الأميركي ، عبارة عن ورقة لتموس لقياس درجة الحموضة في سائل العلاقات الخاصة بين « الائتلاف الشيعي » والإدارة الأميركية.
فالاحتلال الذي ساعد « الائتلاف الشيعي » مع القوى العرقية والطوائفية الأخرى على الوصول إلى السلطة بعد الاحتلال ومن خلال « العملية السياسية » منحه « الائتلاف الشيعي » وهذه القوى صكوكاً عديدة للسيطرة السياسية والهيمنة الاقتصادية والدور العسكري ! فلماذا يلجأ الاحتلال إلى هذا الحوار ! ومع من ! مع أعداء الاحتلال ومناهضي " العملية السياسية " .
لقد فضحت وقائع الأسبوع الأخير من تموز كل الأكاذيب التي تطايرت من قبل فرسان الاحتلال وبراذينه ! فالمندوب السامي الأميركي كريستوفر هيل كان قد قال : لا يمكن مكافأة البعث واللقاء معه بدون أن يغير أفكاره ـ الأخبار اللبنانية 8 تموز 2009 . والمالكي كان قد حسم موقفه النهائي من دور البعث في الحياة السياسية في بيانه : « إزالة المخاوف وطمأنة الشعب » ـ 19 آذار 2009. وفصائل المقاومة المختلفة ، ومنها حزب البعث بأجنحته المتباينة كانت تنكر رغبتها في المفاوضات إلا بشروط تعجيزية مستحيلة.
يمكن اختصار تصريحات الجبوري ، بدون مغامرة ، الطويلة والمتورمة إلى جمل صغيرة بسيطة ومكثفة ! إنها الكلمات نفسها التي كتبت في « السفير » في شهري كانون الثاني وشباط 2004 ، في تشريح المقاومة العراقية المسلحة وآفاقها السياسية! وقد قلنا في حينها بدقة إن المهمة الأساسية للمقاومة ، قبل التحرير الشامل من الاحتلال الذي سيأخذ مساحة زمنية ليست بالقصيرة ، هي « إرجاع العراق إلى الوضع العربي . وفي مقدمته النظام الرسمي ، وإرجاع الوضع العربي ، وفي مقدمته النظام الرسمي ، إلى العراق » !، كلها ضمن « جدول وطني موحد ومستقل عن القوى الإقليمية والدولية " .
وهذه هي الضغوطات الإيرانية ، بعد أن اهتزت الأرض تحت أقدامها ، وهي المطالب السعودية نفسها بعد أن فشلت في مشروعها الطوائفي . وهي أحاديث كبار قيادات الإدارة الأميركية منذ نهاية عام 2007 ، وهي كانت في صلب برنامج أوباما الانتخابي: الانسحاب من العراق وتحقيق المصالحة الوطنية السياسية الشاملة ، وترميم الوضع الاقتصادي...الخ.
فهل يعاد السيناريو هذا ، خارج إطار « الجدول الوطني المستقل عن القوى الإقليمية والعالمية »، ولكن بروح القوة الناعمة الأميركية تحت إشراف جوزف بايدن ، وضمن المطاليب السعودية والضغوطات الإيرانية ! تعال أيها العراق ! لا تكن قاسياً فتكسر ! ولا تكن لينا فتمضغ ولا تكن غبياً فيضحك عليك المغفل الفاسد .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
زومبي الاحتلال والأمير الطوائفي الحديث ـ 2 / طارق الدليمي .. سياسي وكاتب عراقي
