هيئة علماء المسلمين في العراق

مجالسة المحتل شرف أم تلف ..: د.عبد الحميد الكاتب
مجالسة المحتل شرف أم تلف ..: د.عبد الحميد الكاتب مجالسة المحتل شرف أم تلف ..: د.عبد الحميد الكاتب

مجالسة المحتل شرف أم تلف ..: د.عبد الحميد الكاتب

ربما يقول البعض أن المقاومة العراقية الباسلة حين انطلقت في أيامها الأولى لم يكن لديها التخطيط العلمي والمنهجي لموضوع التفاوض مع المحتل الأمريكي ، ولكن هؤلاء لا يمكنهم إنكار أن آمال المقاومة كانت تتطلع إلى اليوم الذي يرحل فيه المحتل وهو صاغر ، وما قوة ضرباتهم وشدة بأسهم وتنكيلهم بعدوهم إلا وسيلة لجعل هذا المحتل يرضخ لمطلبهم الرئيس وهو التحرير ، ولا ريب أن المتابع للوضع العراقي ليستنتج أن الانطلاقة القوية لتلك المقاومة وسرعة تطورها في جميع الميادين لدليل على أنها قد تنبهت لموضوع التفاوض مع المحتل الأمريكي وكان ضمن حساباتها منذ السنة الأولى ، ومنذ تلك الأيام بتنا ننتظر ذلك اليوم الذي نرى المحتل يجلس على طاولة المفاوضات ، ولكن ليس كأي جلوس بل يكون فيه صاغرا ويقابله ابن المقاومة المنتصر .
ومع تتابع الأيام كانت هذه الآمال تتزايد ونحن نرى مقاومتنا العراقية في تصاعد وتطور وازدياد قوة ، وما تراجعت سقف مطالبنا تلك بتقادم الأيام بل نزداد عليها صلابة نستمد ذلك من صلابة مقاومتنا وتجاوزها لكل المؤامرات ، كيف لا ونحن نرى عدونا يترنح ويستجدي الحلول ، كيف ونحن نسمعه بين الحين والآخر يعلن أنه بات على أبواب الهزيمة وقد كاد يعلنها .
وفي موازاة هذا الأمل بات شعبنا ينظر بازدراء لكل من يضع كفه بيد المحتل ، وحكم بالخيانة والعمالة من جالسه متعاملا معه أو متعاونا ، ولم يلتفت شعبنا إلى كثرة المتهالكين على مجالسة المحتل علمانيا كان أم شيخا معمما ، وحفر الشعب المقاوم في ذاكرته أمثلة لن تنسى من هؤلاء المتهالكين ، من قدم هدية للمحتل مصحفا أو سيفا كان رمزا للجهاد ، أو صافح قادته بحرارة متبسما ، ومن هنا بات الشعب على دراية بأن الغاية ليس مجرد الجلوس مع العدو .
وتدور الأيام ويعلن لنا أن مفاوضات جرت بين المقاومة وبين المحتل ، وقبل أن نسمح للعواطف أن تتملكنا وتتحكم بنا كان لابد لنا من وقفة تأمل ، ولابد من قراءة هذا الإعلان بهدوء ولاسيما أنه ليس الأول وإن كان هذه المرة يختلف عما سبق ، كيف لا وأنا أقرأ مع هذا الإعلان تصريحا لصحيفة الواشنطن بوست أن هذه المفاوضات ( توجت باتفاقية تنظم المباحثات التي تسعى لزجهم في الحياة السياسية العراقية ) أي زج المقاومة في الحياة السياسية التي يتفق الجميع أنها فاشلة لأن المحتل رسم جميع مفاصلها، وكيف أسمح لنفسي الانجرار وراء العاطفة وأنا أقرأ رفضا لهذه الخطوة من بقية الفصائل الجهادية بل من غالبية الفصائل ممن لها الثقل في الميدان .
قرأت هذا الإعلان واستذكرت مقالات لنا قديمة تحذر تفرد أي فصيل بمفاوضة المحتل ، واسترجعت قراءة بحوث كتبت في السنة الثانية من زمن الاحتلال في ( فقه المقاومة ) للدكتور محمد عياش وتحديدا في موضوع (مفاوضة المحتل ) والذي كان بمناسبة ( تصريح وزير الدفاع مؤخرا عن وجود اتصالات ومفاوضات مع المقاومة العراقية ) فوجدت فيها ردا كبيرا على ما يجري اليوم ، ووجدت فيه رفضا لهذه الحالة التي أعلن عنها اليوم ، ولكنني دهشت حين وجدت بعض الفصائل المنضوية تحت اسم ( المجلس السياسي ) والتي أعلنت هذا تفاوض مع المحتل وجدتها تنشر ذلك البحث في موقعها الرسمي ، فتساءلت أين هذا الإعلان مما جاء في ذلك البحث ؟ ألم تقرأه لتطبق ما فيه ؟ أم مرور الأيام أنساها ما جاء فيه ؟
حسنا إن كانت قد نسيت سأذكرها ببعض ما ورد في ذلك البحث والذي قرر جملة من الأمور منها أنه حين حلل أهداف الإعلان عن المفاوضات ذكر أن هناك جملة من الأهداف وراء ذلك الإعلان منها : (المراوغة والمخادعة ) أو (محاولة تفكيك جدار المقاومة من خلال الإعلان عن الاتصال بهذا الفصيل أو ذاك لإشاعة نوع من الشك وربما التنافس والتسابق بين مختلف الفصائل , وهنا ينبغي أن تنتبه المقاومة إلى ثابت تستند إليه وهو أن كل فصيل يسارع بمفرده في الدخول في مفاوضات مع العدو فهو الخاسر قطعا حتى لو كانت المفاوضات في غاية الجدية ، فكيف إذا كان العدو معروفا بالتضليل والخداع والكذب وله مؤسسات متخصصة في هذا ؟!  ) أو قد يكون من أهداف الإعلان  (جس نبض المقاومة من حيث تماسكها الداخلي وصلابة أهدافها ونسيجها التنظيمي وما إلى ذلك ) .فهل غابت هذه المفاهيم عن ( المجلس السياسي ) حين قاموا بتلك المفاوضات منفصلة ؟ أم تجاهلوها حين أعلنوا عن تلك الخطوة ووصفوها بالإنجاز ؟
ولابد أيضا أن أذكر إخوتنا في هذه الفصائل بما جاء أيضا في بحث التفاوض من ( فقه المقاومة ) حين حدد الأمور التي يجب إعدادها قبل التفاوض بل جعله ( واجبا شرعيا ) وكان أولها : ( توحيد قرار المقاومة وتنسيق المواقف بين كل فصائلها , وعدم السماح للعدو أن يستفرد بهذا الفصيل أو ذاك ) ، ويحق لنا أن نسألهم لماذا سمحتم للعدو أن يستفرد بكم دون البقية الغالبة من إخوة الجهاد ؟ ولماذا تركتم هذا الواجب الشرعي ؟

أتمنى بصدق أن تقوم الفصائل التي أعلنت ذلك بمراجعة نفسها والرجوع إلى إخوانها في الصف ، وتتدارك مفاسد هذا الإعلان الذي غلبت على مصالحه – إن كانت فيه مصالح – وأي مصلحة فيه غير فرحهم بأن عدوهم اعترف بهم ، وهل المقاومة بحاجة إلى هذا الاعتراف ؟ ألم يعترف من قبل بإعلانه عن جزء من خسائره التي كانت المقاومة سببا في تلك الخسائر ؟ إنني أخشى أن تصنف هذا الخطوة مع خطوات سبقت كان المحتل فيها الرابح الأكبر ويكفي أن نتحدث عن مشروع ( الصحوات ) الذي كان عقبة كبرى أمام المقاومة والذي تتبرأ منه كل الجهات حتى التي شاركت فيه .  ودائما أقول رغم الألم سيبقى الأمل ، وسيبقى شعبا صابرا وستظل المقاومة تضغط على عدوها حتى يرضخ ، ولابد من يوم تتحقق فيه المفاوضات الحقيقية مع العدو ( فليس هناك احتلال إلا وجلس على طاولة واحدة أمام المقاومة , والذي يقرّب هذا أو يؤجله هو قدرة المقاومة على إقناع المحتل أن التعايش معه على أرض واحدة مستحيل وأن مصالحه بالخروج وليس بالبقاء وأنه كلما بقي يوما إضافيا فإنه يتكلف خسائر ) وعندها سيكون الحال قد اختلف ، وسيكون  الجلوس مع العدو جلوس عزة لا مجالسة خزي وندم ، وسيكون جلوس شرف لا مجالسة تلف .

أضف تعليق