خطة اعادة صياغة الدولة العراقية على طريقة دولة المكونات قد فشلت فشلا ذريعا باعتراف القائمين عليها انفسهم ، وهذا الفشل لا يعود الى اخطاء في ممارسة التنفيذ او سوء تقدير ،
وليس مرده تمرير دستور لا يناسب الواقع العراقي ، لان كل هذه الاشكاليات يمكن التغلب عليها ومعالجتها لاسيما وان كل الاطراف المساهمة في وضعها هي ذاتها التي تدعي اليوم حرصها على السير قدما في استكمال ما عزمت عليه منذ التصاقها باصحاب مشروع ـ تحرير العراق ـ وهي ذاتها اليوم ممسكة بزمام اموره بتفاهمات شاملة الاطار مع الامريكان مهندسي ومنفذي اعادة الصياغة ـ الديمقراطية ـ للدولة العراقية .
المشكلة الحقيقية تكمن في ان تنفيذ الخطة التي استطالت منذ عام 1991 وحتى الان مرورا بتجربة النفط مقابل الغذاء وباحتلال العراق واقامة نظام المكونات فيه ثم ربطه باتفاقيات امنية واستراتيجية مع المحتلين انفسهم الذين سينسحبون تاركين ارثا ونظاما مكفولين بالحماية يستطيعون التعامل مع مكوناته والتاثير بها متى دعت الضرورة ، قد افضى الى خلق واقع شاذ وجدت اطراف اساسية في النظام ضالتها او فرصتها الذهبية فيه وبالتالي هي غير مستعدة لتغييره ، فاي اعادة لصياغة بناء الدولة العراقية سيكون حتما مختلفا عن صياغة المكونات التي اثبتت تجربة الست سنوات الماضية فشلها الذريع ، ومن هنا فان المشكلة اكبر من الدستور واكبر من كونها خلافات على الصلاحيات ، انها مشكلة تتعلق بفلسفة ورغبة المتنفذين بحالة العراق ومكوناته والذين اسقطوا من حساباتهم المواطن العراقي وحقوقه الطبيعية بمعزل عن اي اعتبار اخر مضلل يراد منه تمرير مشاريع المحاصصة الحزبية باسم المكونات والخصخصة باسم الانفتاح ليصبح العراق بكل مكوناته فريسة تنهش ثرواته الاحتكارات العالمية والقائمون على الامر وكلاء طفيليون يعتاشون على العمولات والسمسرة! .
دولة قرارات اي مجلس محافظة فيها يمكن ان يسبب مشكلة استراتيجية لمحافظة مجاورة او للبلاد كلها مثلا بناء سد لخزن مياه نهر عابر الى محافظة اخرى ، او استقطاع حصة اكبر من الطاقة الكهربائية بسبب من تبعية المحطة المولدة لحدودها الادارية ، او استيراد بضائع من الخارج عبر الجو او البر تنتجها محافظات اخرى مما يسبب نوعاً من الكساد في الانتاج المحلي ، او اكتشاف ثروة معدنية ( نفط ، غاز، يورانيوم، كبريت، فوسفات ) على خط الحدود الادارية بين محافظتين مما يخلق تصارعاً على تبعيته بين المحافظتين المتجاورتين ، هذا النمط من المشكلات يعني غياب الدولة ذات المسؤوليات الجماعية ، فالتخطيط الاستراتيجي لا بد ان يكون مركزيا وكذلك الدفاع والعلاقات الخارجية والمالية ، وما تبقى يمكن ان يكون بالتخادم ، هذا على مستوى المحافظات اما الاقاليم فحدث ولا حرج! .
دولة اعتبرت الاقليم الكردي قائماً بذاته واستبقت على كل ما منحه لنفسه من اوضاع دون ان تضع له محددات باعتباره جزءا يخضع للكل وليس العكس ودون جدولة زمنية لاسترداد دور الدولة المركزية الذي صادره ، وهذا بحد ذاته دليل على ان ما يسمى بواقع المكونات وما تفرضه على الارض هو الذي يحكم الدولة وتناقضاتها القائمة ، فاذا امتلك كل مكون قواته المسلحة الخاصة به كما في حالة ـ البيشمركة ـ ومنع دخول الجيش الوطني لاراضي الاقليم ثم رفض اي صلة تراتبية بين الوزارات المركزية والمحلية وراح يرسم لاقليمه اسراتيجيات تنموية وسياسية وتعليمية وصحية بمعزل عن الحكومة المركزية فماذا بقي من التقسيم الفعلي غير اعلانه! .
المفارقة ان الاقليم الكردي ممثل وباعلى المستويات في الحكومة المركزية ، والاقليم يمنع على المركز اشرافه عليه بل وينازعه على اراضي يسميها مناطق متنازع عليها ، وكأنه يقول ان وجود ممثليه في المركز هو دلالة على العلاقة والمشاركة ولا شيء غير ذلك ، فكل مكون يدير نفسه بنفسه دون تدخل من المكونات الاخرى ، بمعنى ان الدولة مجرد تحصيل حاصل لما تقيمه لنفسها المكونات!
الطامة الكبرى ان قانون النفط والغاز الجديد هو الاخر يتعامل مع منطق وضع اليد بالنسبة للاقليم الكردي او اي اقليم اخر يمكن ان يقوم من تحالف محافظتين او ثلاثة ، يقول هذا القانون في احدى فقراته : من حق الاقاليم التنقيب عن الثروات الطبيعية ومنها النفط والغاز واستخدام الشركات العالمية لاستخراجها بشرط ان لا تكون ضمن خارطة الحقول المكتشفة قبل صدور القانون ، واذا علمنا ان هناك 17 حقلاً منتجاً فقط وهي تابعة لوزارة النفط وان هناك 63 حقلاً مكتشفاً لكنه غير منتج ومنها حقول في الاقليم الكردي تجري محاولات من قبل الاقليم لاعتبارها غير مكتشفة من اجل الاسراع في فرض الامر الواقع بالاتفاق مع شركات عالمية لاستخراج النفط منها وبيعه دون الرجوع لحكومة بغداد ، فاننا سوف نتفهم حقيقة الصراع الدائر بين وزارة النفط وحكومة الاقليم! .
حكومة الاقليم الكردي تمنح نفسها حقوق دولة كاملة دون ان تعلنها ، فالاعلان يضر بها ولا ينفعها حاليا ، لكنها تستفيد وبشكل كبير من حالة ما بين بين دون ان تخسر شيئا يذكر وهي تدرك بان بقاء الحال كما هو يضمن لها التمتع بامتيازات يصعب تمريرها لو اعلنت انفصالها التام ، انها تشغل الشارع الكردي عن فسادها بالهم القومي المفتعل والكاذب ، هناك مظاهر تتاجر بها وتنعش بها النعرات ، مثل رئيس كامل الصلاحيات وبرلمان وعلم وممثليات وسلام جمهوري ، وسيأتي الدستور والقانون الخاص بالنفط والغاز الذي سيسبق القانون المركزي وسيخضعه لسقفه الداعي لخصخصة القطاعين النفطي والغازي! .
يقول السيد هلو ابراهيم احمد رئيس حزب التقدم الكردستاني والمرشح لانتخابات رئاسة الاقليم كمنافس للسيد مسعود البارزاني : ان حكومة اقليم كردستان تفتعل المشاكل مع حكومة بغداد للتغطية على سرقاتها النفطية ، فالمتنفذين يبيعون النفط عبر شاحنات مصهرجة تذهب به الى خارج العراق والعائدات تذهب لجهات مجهولة! .
في يوم واحد حزيران يوم ذكرى قرار التأميم الخالد يصدر الاقليم نفطا من حقول جديدة لكنها مكتشفة سابقا طقطق في زاخو و طاكي في اربيل وبعقود مشاركة تجعل من قرار التأميم وكأنه هو المقصود من عملية الخصخصة النفطية والمحاصصة التي لا يستفيد من نتائجها غير الفاسدين وشركات النفط الاحتكارية ، فكما جرى في البصرة من تهريب وبيع غير شرعي مموه يجري اليوم بيع جزء من النفط المستخرج بواسطة الانابيب الرئيسية والقسم الاخر يباع بالسوق السوداء ولا يخضع لرقابة اكيدة لا مركزية ولا من برلمان الاقليم لان الميزانية لا تعلن بتفاصيلها امام الرأي العام او على برلمان الاقليم وليس فيها جداول خاصة ببيع النفط !
لقد اصبح النفط احد الاسلحة الهامة للاطاحة بالدولة العراقية ، من خلال استقواء المتحاصصين بعائداته وبنفوذ الشركات النفطية التواقة للاستحواذ على عقود فيها تسهيلات وتنازلات سخية تسقط والى الابد اسطورة شركة النفط الوطنية العراقية التي جعلها قرار التأميم المتعهد الوحيد للعمليات النفطية في العراق! .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
النفط سلاح في معركة المحاصصة العراقية ! / جمال محمد تقي .. كاتب عراقي
