حين تعج الساحة بأجندات خارجية دولية أو إقليمية وتتصارع فيها الإرادات وفق مشاريع ومخططات احتلالية وأخرى اتخذت من وجود المحتل ذريعة وستارا لتمددها لا تعدم القوى الوطنية الرافضة للاحتلال والممانعة لمشروعه على ارض العراق نظرة سياسية شاملة استطاعت من خلالها أن تقلب الطاولة على من خطط ونفذ مشاريع الاحتلال طيلة السنوات الست الماضية، فهذه الأدوات الذليلة التي ما انفكت تسعى من خلال تغطية المحتل لها وإسناده لتحركاتها وإشرافه المباشر على تنفيذ تعليماته لها حد التلقين أحيانا لم تعد قادرة على مواصلة التنفيذ لمشروع المحتل فكلما توغلوا في الأيام قدما كلما اتسع الخرق على راقعها .
إن ملفات الفساد وعمليات السلب والنهب والإثراء على حساب حاجيات الشعب ومتاجرتهم بدمائه وآلامه ظلت حاضرة في المشهد السياسي العراقي الذي يرعاه الاحتلال ظنا انه سيصل به إلى منطق القبول بواقع الحال لكنهم يئسوا من النجاح كما يئس الكفار من أصحاب القبور وما ذاك نابع من نظرة تشاؤمية وإنما متأتية من نظرة واقعية تساندها نظرة استشرافية صادقة نابعة من تشخيص دقيق لواقع مؤلم عاشه أبناء العراق بتفاصيله المريرة عبر سنوات الاحتلال وخبروا من خلاله شعارات المتاجرين وتسويفات المسوقين وتنصلات المتملصين وعرفوا بواقع الصدق والحقيقة إن من يمثل العراق كل العراق إنما هو من ضحى بدمائه وبذل الغالي والنفيس ولم يدخر وسعا في كشف المخططات المريبة التي تدبرها دوائر الاستخبارات الأمريكية والإقليمية.
إن الممثل الحقيقي لأبناء الرافدين هي القوى المناهضة الممانعة لمشروع أمريكا ألاحتلالي ولذلك صار حقيقة يشهد لها المراقبون في أن من يستبعد هذا الرقم الصعب الذي لا يمكن للمعادلة العراقية أن تحل بدونه إنما ينبش في الهواء أو ينقش على الماء.
هذه الحقيقة التي أدركها المحتل قبل غيره جعلته يحث الخطى لزج قوى إقليمية تفاوض عنه بالنيابة لتامين انسحابه مع الإبقاء على شرذمة تقاتل عنه بالنيابة أيضا لحماية ما تبقى من مشروعه المتهالك.
إلا إن هذه المقتربات في تدخلات القوى الإقليمية وكذلك المحاولة في إقحام الدول العربية للتدخل في الشأن العراقي بعد أن استبعد في المراحل الأولى للاحتلال لغرض فصل العراق عن محيطه العربي لابد أن تدرك هذه القوى وبموازاتها الجامعة العربية إن أي تدخل لابد أن لا يأتي في إطار الدعم لمشروع المحتل المتمثل بإعطاء الشرعية لما يسمى عملية سياسية لاسيما وان القائمين عليها مارسوا من خلالها أبشع أنواع الاستقواء والمحاصصة والركوب على الموجة الطائفية والعرقية وكل ما كان من تحالفات فيما بين هذه الأدوات ما هي إلا تحالفات المصلحة الوقتية لهذه الأدوات وان لبست لبوس التظلم والتخوف من الماضي وقد شهد العراقيون جميعا كيف كانت تحالفاتهم باقتطاع هذا الجزء أو ذاك لصالح هذه الفئة أو تلك بل إن غالبية تحالفاتهم كانت الطائفية والعرقية قاسمها المشترك أما اليوم وبعد أن اقتربت تحديات المرحلة الجديدة لهم فلبس الجميع لبوس الوطنية وعادوا يتاجرون بهموم المواطن مع أن الماكنة الطائفية لا تزال تعمل وفقا لأوامر أمريكية وإقليمية بحتة.
أما أكذوبة المصالحة الوطنية الفاقدة لمعناها في ابسط صورها فهذه العملية لم تكن في يوم من أيامها متصالحة فيما بينها فضلا عن المصالحة مع مخالفي مشروعها ألاحتلالي وما مؤتمرا القاهرة في الجامعة العربية عامي 2005 و 2006 عنا ببعيدين.
بقي أن نقول إن الخطوة الجريئة التي تمثلت بإعلان الثقة والتخويل من الفصائل المقاومة لسماحة الشيخ الدكتور حارث الضاري للمفاوضة باسمها وتمثيلها بالمحافل وخطوة القبول المقرون بالنصح والانضباط لتدل على توازي السير بخطوات واثقة بين ما هو ميداني وسياسي ويدل كذلك عن مدى سعة الأفق التي تتمتع به القوى الرافضة للاحتلال وان مشروعها مشروع حياة لهذا الشعب تفهم معاناته وتحرص على حقوقه وتثبت على المطالبة بحقوقه بل وتدرك اداركا منقطع النظير المقتربات الدولية والتدخلات الإقليمية وتتعامل معها بحكمة وثبات.
الاستعداد المستقبلي وجرأة الخطوة ...كلمة البصائر
