حاوره : جاسم سلمان
عرف بمواقفه الثابتة الداعية الى الوقوف بوجه المؤامرات الامبريالية الهدامة الداعية الى تشتيت الصوت العربي المسلم وكان قلمه لسان صدق وصوته صوت حق في سبيل قضايا امته الإسلامية وبعد الغزو الامريكي للعراق وقف بقلمه سدا\" منيعا\" امام هجمات المروجين لثقافة الركوع والخضوع والخنوع وانطلاقا\"من هذا كان لنا هذا اللقاء مع الكاتب الصحفي الفلسطيني الأستاذ ياسر الزعاترة.
س/ لماذا بتقديركم كان الاحتلال الامريكي للعراق؟
- مشروع احتلال العراق هو مشروع صهيوني في الأصل، ثم تمكن الصهاينة من تسويقه على مجموعة من تجار النفط، ومنهم عائلة بوش وتشيني ، وتجار السلاح الحالمين باستمرار النزاعات العسكرية وسيطرة الولايات المتحدة على العالم بالقوة العسكرية خلال القرن الجديد، فيما لم يكن تسويقه صعباً على اليمين المسيحي الصهيوني الذي يهيمن على الحزب الجمهوري ويعتقد أن دعم الدولة العبرية ضروري لعودة جميع اليهود إليها لكي تتوفر الأجواء لعودة المسيح المخلص، وهؤلاء جميعاً هم الذين تشكل منهم فريق مشروع قرن إمبراطوري جديد في العام 1998، وهو المشروع الذي يبدأ باحتلال العراق.
أقول مشروع صهيوني لأن الصهاينة الذين تحكموا في القرار السياسي الأمريكي أيام كلينتون، وبشكل أكبر أيام بوش، قد أدركوا من خلال مسيرة أوسلو وصولاً إلى قمة كامب ديفيد الفاشلة، صيف العام 2000 أن العالم العربي بوضعه القائم لا يمكن أن يمرر صيغة التسوية التي يريدون، وتبعاً لها السيطرة الصهيونية على المنطقة، ما يتطلب إعادة تشكيله على أسس جديدة، ولكي يحدث ذلك لا بد من احتلال العراق كمقدمة لإخضاع المنطقة برمتها وإعادة تشكيلها سياسياً وجغرافياً إن أمكن كي تكون جاهزة لتمرير الحلم الصهيوني، مع العلم بأن الوعي التوراتي كان دائم الربط بين القدس وبابل. وهكذا حصل تجار النفط على ما يريدون، أي حلم السيطرة على ثاني احتياطي نفطي في العالم، فيما حصل الصهاينة والمسيحيون المتصهينون على ما يريدون وكذلك تجار السلاح.
س/ كيف تنظرون لما يجري في العراق اليوم؟
- أعتقد أن ما يجري في العراق اليوم هو المفاجأة التي لم يتوقعها الغزاة، فقد أوهمهم بعض تجار السياسة ممن كانوا يسمون أنفسهم معارضة الخارج بأن العراقيين سيستقبلونهم بالورود، فلما اندلعت المقاومة وجد القوم أنفسهم مع الوقت بين مطرقتها وما تعنيه من نزيف مالي وبشري، وبين سندان القوى الشيعية المتحالفة مع إيران، أو القريبة منها في أقل تقدير، ولذلك باتوا يتخبطون في مأزق لا حدود له، إذ أن إيران كانت مستهدفة بمشروع الاحتلال، لاسيما بعد إصرارها على كسر الاحتكار النووي الإسرائيلي وتبنيها لحزب الله اللبناني، لكن الأحداث كانت تمنحها الصدارة في صيرورة الصراع، فقد خلصها الأمريكان من ألد عدوين (طالبان وصدام حسين) فيما سقط العراق بيدها ثمرة ناضجة، ليس فقط من خلال المجموعات القادمة من الخارج، بل وهذا هو الأهم، من خلال تدخلها المباشر، وبخاصة في المحافظات الجنوبية التي تبدو طهران سيدتها من دون منازع.
في العراق اليوم مخاض سياسي عسير، فمن جهة هناك القوى العراقية الإسلامية والوطنية الحريصة على وحدة العراق وعروبته وإسلامه، وفي مقدمتها قوى المقاومة، ومن جهة أخرى هناك قوى تسعى إلى تصفية ثارات تعتقد أنها تاريخية أكان بالملاحقة والإخضاع والقتل اليومي، أم من خلال تطبيق الفيدرالية، فيما تعتقد أن العراق واقع تحت سيطرتها في أي حال، أكان تحت الاحتلال، أم يعد تحريره، كما أن هناك القوى السياسية الكردية التي لا يهمها العراق بقدر ما تهمها مصالحها الذاتية في الحصول على ما هو أكثر من الاستقلال، أي الشمال الكردي مع حصة إضافية من الحكومة المركزية، وهذه القوى تفضل عراقاً مفتتاً ينشر فيروسات التفتيت في المنطقة برمتها.
س/البعض يراهن على حدوث حرب اهلية في العراق ،ماتعليقكم؟
- ليس هناك في العراق أرضية لحرب أهلية بالمفهوم الشامل المعروف، وهو لم يعرفها في تاريخه كله، لكن قدراً من الاقتتال يبقى واقعاً بالفعل، والسبب هو ممارسات الحكومة الطائفية التي لا ترقب في العراقيين إلاً ولا ذمة، مقابل بعض الردود الخاطئة التي تستهدف الأبرياء غير المحاربين، وما من شك أن اتساع دائرة المعارضين للاحتلال لتشمل قوىً شيعية سيساهم أكثر في الحيلولة دون وقوع الحرب الأهلية، وبالمناسبة فإن حرباً كهذه لن يربح منها أحد، ولعل ذلك هو ما يدركه العراقيون، بمن فيهم أولئك الذين يسيرون في ركب الاحتلال.
س/ بين فترة واخرى تشن الحكومة الانتقالية ـ بمساندة قوات الاحتلال ـ حملة ابادة على مدن وقرى عراقية ،بحجة البحث عن ارهابيين كيف تنظرون لتلك الافعال؟
- الهجمات التي تشنها قوات الاحتلال وقوات الحكومة الطائفية لا تستهدف من يسمونهم الإرهابيين دون سواهم، مع أن أمراً كهذا هو واقع بالطبع، بل هي شكل من أشكال العقوبات الجماعية التي تستهدف المناطق الحاضنة للمقاومة، أي أن هدفها هو فض الناس من حول المقاومة لكي تغدو معزولة وتسهل عملية شطبها مع الوقت، لأن المقاومة لا يمكن أن تستمر من دون حاضنة شعبية ودعم خارجي.
س/ كيف تنظرون للدستور العراقي ؟
- اعتقد أن الملمح الأهم، وهو الأخطر بالطبع، في مسودة الدستور العراقي هو ذلك المتعلق بقضية الفيدرالية، ذلك أنها تؤسس عملياً، ليس لتقسيم العراق وحده، وإنما لتقسيم المنطقة برمتها، ولعل من غير المتوقع أن تدعم إيران مساراً كهذا في حال وقع في المستقبل، إذ أنها الدولة الأكثر قابلية للتقسيم في المنطقة (عرب الأهواز الذين تمد مناطقهم إيران بمعظم إنتاجها من النفط والغاز، الأكراد، السنة في الشمال)، وفي العموم فإننا إزاء دستور خطير يستبطن تفتيت العراق وإلغاء هويته العربية والإسلامية.
س/ هل تعتقدون ان ماجرى ويجري في العراق له علاقة بالقضية الفلسطينية؟
- هناك ولا شك ارتباط عضوي بين القضيتين الفلسطينية والعراقية، ليس فقط لأن الوجود الصهيوني في فلسطين والحلم الصهيوني بالسيطرة على المنطقة هو الدافع خلف احتلال العراق، بل أيضاً لأن نجاح المشروع الأمريكي في العراق سيدخل القضية الفلسطينية في مأزق بائس قد يمتد لسنوات طويلة، ولكن من فضل الله أن مقاومة الفلسطينيين قد وجدت صداها عند إخوانهم العراقيين فكان فشل المشروع الأمريكي الذي سيتعزز مع الوقت وصولاً إلى شطب مرحلة التسوية أو التهدئة الحالية وعودة المقاومة من جديد لتحرر ما تبقى من فلسطين كما تحررت غزة وقبلها جنوب لبنان.
س/ كيف تنظرون وتقيمون موقف الرأي العام الأمريكي من الحرب في العراق؟
- أنا أعتقد أن هناك تطوراً في موقف الرأي العام الأمريكي والغربي عموماً حيال ما يجري في العراق، وصرخات سيندي شيهان، والدة الجندي الأمريكي القتيل في العراق ما زالت تتردد أصداؤها في كل مكان في الولايات المتحدة، ما يذكرنا بفيتنام، وكذلك أمهات الجنود الأربعة في الدولة العبرية التي فرضت في النهاية الانسحاب من جنوب لبنان.
أكاذيب المحافظين الجدد أخذت تفتضح في الولايات المتحدة ما يبشر باتساع رقعة المعارضة للحرب وصولاً إلى الانسحاب، وإن كان من المبكر الحديث عن شيء كهذا في القريب العاجل، أقله خلال ولاية بوش الثانية والأخيرة.
س/ ما رأيكم المشاركة في الانتخابات القادمة؟
- ما ينبغي أن يقال ابتداءً قبل الرد على هذا السؤال هو أن مقاطعة الانتخابات الماضية كانت خياراً سليماً وصائباً، خلافاً لما يروج بعض مبتدئي السياسة ، فقد كشفت ابتداءً عورة الأرقام المتداولة سوق السياسة، فيما لم تكن المشاركة في ظل الظروف التي كانت قائمة لتحقق للعرب السنة _مثلا_ ما هو أقل من عشرين في المئة، لأن المزاج العام كان ضدها تماماً بعد اجتياح الفلوجة وموقف مجموعات المقاومة المناهض.
ونذكر بأنه لو شارك العرب السنة وخرجت الحكومة الطائفية بذات الثوب القائم، الأمر الذي كان مرجحاً بالطبع، مع بعض الرتوش الهامشية لحشر العرب السنة في دائرة التمرد على الحكومة الشرعية، خلافاً للوضع القائم.
في هذه المرحلة ليس ثمة بأس في مشاركة العرب السنة في الانتخابات، والسبب هو أن الصراع يبدو طويلاً، ما يفسح المجال أمام اجتهادات شتى من بينها العمل السياسي كي لا تواصل الحكومة الطائفية احتكارها للساحة.
لكن القوى التي ترفض شرعية العملية السياسة تحت الاحتلال ينبغي أن تبقى على موقفها، وعلى رأسها هيئة علماء المسلمين، فيما ينبغي أن يكون شعار الجميع هو الحق في استمرار المقاومة حتى تحقيق السيادة والاستقلال الحقيقي.
لكننا نذكر هنا بأن الانتخابات القادمة لا يمكن أن تكون نزيهة، وإذا كانت الانتخابات الماضية في غياب الكثيرين لم تكن كذلك، فما الذي سيجري هذه المرة في ظل مشاركتهم.
خلاصة القول هي أنه لا ينبغي لنا أن نضع بيضنا في سلة الانتخابات، فمسار حماية العراق ومن بعده حواضر الأمة التالية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال استمرار المقاومة لطرد الاحتلال، وأية اجتهادات أخرى ينبغي أن تكون مرافقة وليست هي الأصل.
س/ ما هو المخرج للقضية العراقية مما هي فيه الان؟
- أعتقد أنه لا مخرج للقضية العراقية إلا بالتقاء عقلاء السنة والشيعة؛ السيد السيستاني والشيخ حارث الضاري ومقتدى الصدر وآخرون، التقائهم على كلمة سواء عنوانها خروج قوات الاحتلال وإنشاء حكومة وحدة وطنية مؤقتة وتعداد سكاني وانتخابات عادلة في عراق إسلامي عربي موحد.
إذا لم يحدث ذلك فسيتمر النزيف لوقت قد يطول، لأن المتحالفين مع الاحتلال لن يملوا بسهولة في ظل الامتيازات التي يمنحهم إياها، فيما المقاومون مستمرون لأنه لا خيار آخر أمامهم يحرر العراق ويدافع عن الأمة من ورائه.
في نهاية المطاف ستنتصر إرادة الأمة، ليس على المحتلين الذين سيخرجون بعد أن تصل خسائرهم حدوداً لا تحتمل، ولكن أيضاً عل الطائفيين الذين يعتقدون أن بوسعهم أن يحرفوا قطار التاريخ عن سكته ويمارسوا ثأراً وهمياً مع الأمة.
الطائفيون لن يربحوا المعركة لأن الأمة لا تؤمن بالروح الطائفية، بل تعامل الرموز والقوى السياسية بحسب موقفها من الاحتلال، وكما حملت صور حسن نصر الله وأحمد ياسين فإنها ستحمل في روحها ووعيها كل من يواجه الغطرسة الأمريكية، أما من يتحالفون مع الاحتلال فليس لهم غير مصير العملاء في كل تجارب التاريخ.
س/ كيف ترون مستقبل العراق ؟
- أرى أن عراق المستقبل هو عراق محرر من دنس الاحتلال، عراق موحد، عربي إسلامي رغم أنف الانعزاليين والانفصاليين، وحتى لو طال الصراع لبعض الوقت فإن المتعاونين مع الاحتلال سيخسرون، كما سيخسر الاحتلال نفسه، أما المنحازين لبلدهم ووحدته ولأمتهم فسيكون الانتصار هو حليفهم، لاسيما أولئك الذين يجاهدون في سبيل الله حق الجهاد ولا يخافون في الله لومة لائم.
س/ ما تقييمكم للموقف العربي الرسمي والشعبي من القضية العراقية؟
- أعتقد أن النظام العربي الرسمي لم يقدم شيئاً مذكوراً في سياق مواجهة الاحتلال، وهو إلى الآن واقع تحت مخاوف الضغوط الأمريكية الخاصة بالإصلاح الداخلي، والأسوأ أن ذلك يحدث رغم إدراك الجميع لمخاطر نجاح الاحتلال أو الحكومة الطائفية، ولعلنا نشير هنا إلى تصريحات وزير الخارجية السعودي كملمح من ملامح الصحوة العربية إزاء ما يجري في العراق.
على الصعيد الشعبي يمكن القول إن القوى الحية في الأمة لم تقدم ما عليها إلى الآن، ومن الضروري أن تقوم بجهد مضاعف في خدمة برنامج مقاومة الاحتلال ومن يتبنونه ميدانياً وسياسياً. وفي العموم فإن المعركة ما تزال في بدايتها وستجد الأمة رسمياً وشعبياً ما تقدمه في هذه المواجهة.
س/ ماذا تقول للشعب العراقي؟
- أقول لهم إن التاريخ لم يبدأ بالعراق ولن ينتهي به، وكل الشعوب التي احتلت اختلف أهلها على مقاومة الاحتلال أو التعاون معه، لكن خيار المقاومة هو الذي انتصر في النهاية لأن المحتل لم يأت من أجل مصلحة أهل البلاد المحتلة، وإنما من أجل مصلحته هو، ولا مجال إلا للمقاومة من أجل تحقق السيادة الحقيقية والاستقلال الحقيقي.
أقول أيضاً إن الروح الطائفية قاتلة، وليعلم الجميع إن سريان هذه الروح لن يؤدي إلى خير وإذا اعتقد البعض أنه صاحب الأغلبية في العراق، مع أن إحصاءات حقيقية لم تتوفر، فليعلم بالمقابل أنه أقلية في العربي والإسلامي إذا كان المنطق هو منطق التفتيت وليس منطق الوحدة والتعاون بصرف النظر عن الخلافات المذهبية.
س/ وماذا تقول للمقاومة العراقية؟
- أقول للمقاومين والمجاهدين أنكم أمل الأمة، وكما حمل إخوانكم في فلسطين الراية ودافعوا عن دينهم وأمتهم، فقد من الله عليكم اليوم بشرف الجهاد دفاعاً عن طهارة أرضكم وشرف أمتكم وهويتها ومصالحها، فاثبتوا واجعلوا بوصلتكم هي مواجهة المحتل ومن يتقدمون دباباته، وقدروا مواقفكم بحرص وعناية فالجهاد أن لم يحكمه العقل وتوجهه الحكمة لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة.
س/ كيف تقيمون عمل واداء جريدة البصائر ؟
- البصائر هي صوت هيئة علماء المسلمين، وهيئة علماء المسلمين هي صوت العقل والحكمة في العراق، فلتجاهد البصائر ومن يقومون على شأنها كي تحمل عن جدارة رسالة الهيئة العظيمة، تلك التي تعبر عن رسالة العلماء الكبار في تاريخنا.
الزعاترة: الحلم الصهيوني لا يمرر إلا باحتلال العراق!!!
