نالَها محمد البرادعي، ذلك العالِم والقانوني المصري، الذي بدأ لتوِّه فترة ولاية جديدة وثالثة في منصبه كمدير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إحدى أهم وأكثر المنظمات والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة تسييسًا؛ حيث أعلنت اللجنة المسئولة عن منح جائزة نوبل للسلام في العاصمة النرويجية أوسلو مؤخرًا عن منحها للجائزة للعام الحالي 2005م مناصفةً بين البرادعي والوكالة الدولية، وذلك \"تقديرًا لجهودهما في الحد من انتشار الأسلحة النووية\"، بحسب ما جاء في بيان الإعلان عن اسم الفائز بالجائزة، والذي تلاه رئيس لجنة نوبل النرويجية دانبولت ماجويس في مؤتمر صحفي في أوسلو.
وقال ماجويس- في حيثيات منح الجائزة للبرادعي والوكالة الدولية للطاقة الذرية- إن منح الجائزة جاء بناءً على حيثيات تتعلق بما بذله البرادعي والوكالة من جهود؛ للحدِّ من انتشار الأسلحة النووية واستخدام الطاقة النووية في المجالات العسكرية.
وأضاف أن منح البرادعي والكوكالة الجائزة العالمية جاء كذلك بمناسبة الذكرى الستين لكارثة إلقاء الولايات المتحدة لقنبلتَي اليورانيوم- 235 والبلوتونيوم- 239 على مدينتَي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين في الحرب العالمية الثانية وتحديدًا في شهر أغسطس من العام 1945م، بينما كانت الحرب قد انتهت في أوروبا- في مايو من ذلك العام- وبدأت مفاوضات استسلام اليابان بالفعل لإنهائها في المحيط الهادي، ولكنَّ الأمريكيين أبَوا إلا أن يُنهوا الحرب بمجزرة رهيبة حقيقة لا تزال اليابان تدفع ثمنها ربما للآن.
ومبدئيًا ارتبط البرادعي عبر تاريخه في الوكالة ومنذ توليه منصب المدير العام لها في العام 1997م خلفًا للمفتش الدولي السابق في العراق هانز بليكس بعدد من الملفات الأكثر خلافيةً في تاريخ الوكالة، وتحديدًا منذ أن تم التوقيع على اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT) في العام 1969م، ثم إجبار العالم كله تقريبًا- عدا الكيان الصهيوني بالطبع- من جانب الولايات المتحدة في عام 1995م على التوقيع على البروتوكول الإضافي للاتفاقية، والذي يتيح للوكالة القيام بأعمال تفتيش مفاجئة على المنشآت النووية أو المنشآت المشتبه بها عمومًا في الدول الموقعة على الاتفاقية في أي وقت.
وهذه الملفات التي ارتبط بها البرادعي هي:
- ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي زعمت أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية أن النظام العراقي المخلوع بزعامة صدام حسين يمتلكها (وهو ما ثبت بطلانه فيما بعد).
- الملف النووي الإيراني.
- الأزمة النووية لكوريا الشمالية.
وعلى ذلك فإن البرادعي وفترات ولايته في الوكالة يعتبر من أهم وأخصب الفترات في تاريخ "الدبلوماسية النووية العالمية" لو صحَّ التعبير.
الجائزة بين السياسة والسياسة!!
من بين فروع الجائزة المختلفة فإن هناك فرعَين ارتبطا بالسياسة الإقليمية والدولية أكثر من غيرهما، وهما فرعا الآداب والسلام؛ ولأجل ذلك تحملت الأكاديمية السويدية للعلوم ولجنة نوبل النرويجية الكثير من الانتقادات والاتهامات أولاً: بتسييس جوائز من المفترض أنها تم تأسيسها لخدمة السلام العالمي والمصلحة الإنسانية العامة دون النظر لانتماء قومي أو ديني أو أي اعتبار آخر، وثانيًا: بالتبعية للولايات المتحدة وأجندتها الدولية في هذا الصدد.
ولعله من نافلة القول أن نشير إلى أنه غالبًا ما تتطابق هذه الأجندة مع العَداء الغربي- الأمريكي اليهودي المسيحي للعرب والمسلمين والإسلام، ومع المصالح الصهيونية من جانب آخر، ومبدئيًّا ورغم أن هناك عددًا محدودًا جدًا من الصهاينة قد حصلوا على هذه الجائزة إلا أن نوبل غالبًا ما ترتبط باليهود- علماء وساسة وأدباء- من جميع أنحاء العالم، لا سيما من الولايات المتحدة.
وكانت أول جائزة نوبل قد أثارت لغطًا في هذا المجال عام 1958م عندما منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل في فرع الآداب للروائي والأديب الروسي- السوفيتي الجنسية في ذلك الوقت- بوريس باسترناك عن روايته "دكتور زيفاجو" التي انتقد فيها بشدة الاتحاد السوفيتي السابق والثورة الشيوعية وما أحدثته في روسيا من تحولات، وبطبيعة الحال فإن ذلك أدى إلى انتقادات واسعة النطاق لباسترناك في بلاده؛ مما حداه إلى رفض تسلم الجائزة والتنصل من الرواية، أما في عام 2001م فقد نال الجائزة في هذا الفرع الكاتب الهندي الأصل "فيديادار نايبول" عن كتاباته التي هاجم فيها الإسلام والمسلمين.
أما بالنسبة لجائزة نوبل للسلام فهي الأكثر إثارةً للجدل في هذا المستوى وكثيرًا ما حُجبت في أعوام عدة لطابعها السياسي العتيد- مثل أعوام الحرب العالمية الثانية وعامي 1955م و1956م- وعلى هذا النحو كانت أول مرة توجَّه فيها انتقاداتٌ حادةٌ إلى مانحي الجائزة في هذا الفرع كانت في عام 1973م عندما مُنحت لوزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر مناصفةً مع وزير الخارجية الفيتنامي الشمالي في ذلك الوقت لي دوك ثو؛ بسبب توصل الطرفين إلى اتفاق سلام في فيتنام، رغم أن الحرب لم تكن قد توقفت بعد أو غادرت القوات الأمريكية الهند الصينية.
ثم كانت اللطمة الكبرى للسلام العالمي عندما منحت لجنة نوبل النرويجية جائزتَها للسلام عام 1978م لرئيس الوزراء الصهيوني الأسبق الهالك مناحيم بيجين قاتل الأطفال في دير ياسين وزعيم عصابة "أرجون" الصهيونية قبل قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين في العام 1948م مناصفةً مع الرئيس المصري آنذاك- أنور السادات- بعد التوقيع على بروتوكولَي كامب ديفيد بوساطة أمريكية.
المصريون الفائزون بجائزة نوبل
وعند النظر إلى الحالات العربية في جوائز نوبل نلاحظ أنها جميعًا- وهي أربع حالات- نالها كلها مصريون وهم السادات على الصلح مع الكيان الصهيوني، والأديب نجيب محفوظ في الآداب عام 1988م على روايته الشهيرة "أولاد حارتنا" التي يتطاول فيها على الذات الإلهية ورسل الله تعالى الكرام، ثم الدكتور أحمد زويل الذي نال جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2004م ولم ينَلْها إلا بعد قيامه بإلقاء عدد من المحاضرات العلمية في الكيان الصهيوني، وأخيرًا الدكتور البرادعي.
وكما قلنا فإن الدكتور البرادعي ارتبط على نحو كبير بعدد من الملفات وثيقة الصلة بالملف النووي المعادي للولايات المتحدة والكيان الصهيوني في كل من العراق وإيران وكوريا الشمالية، وهي الدول التي تمثل أضلاع "مثلث الشر" الذي اصطكَّه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001
وكما سبق القول فإن البرادعي انغمس في هذا الملف منذ عام 1997م في أعقاب انتخابه محل هانز بليكس الذي تولى رئاسة لجنة "أنموفيك" الدولية التي تولت مسألة التفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، ولم يكن موقف البرادعي حاسمًا فيما يتعلق بوقائع قيام عدد من عناصر اللجنة بدبج تقارير زائفة أو التجسس على العراق لصالح الولايات المتحدة، التي كانت تذهب إليها نتائج أعمال اللجنة في العراق قبل أن تذهب إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان كما كان مفترضًا.
ولعلنا يمكن أن نفهم أسباب فوز البرادعي بالجائزة مناصفةً مع الوكالة ولم تُمنح للوكالة الدولية للطاقة الذرية فقط في نقاط ثلاث: الأولى هي تشديده من مسألة الخشية من وقوع أسلحة دمار شامل في أيدي الجماعات التي تطلق الولايات المتحدة عليها اسم "جماعات إرهابية"، والثانية: حظر الانتشار النووي لدول تحكمها نظم راديكالية تُكنُّ للولايات المتحدة كراهية متبادلة وعلى رأسها إيران وكوريا الشمالية، والأولى استطاعت الولايات المتحدة أخيرًا أن تحصل في صددها على موافقة الوكالة بفضل دبلوماسية البرادعي على الموافقة على مشروع قرار أوروبي يدين البرنامج النووي الإيراني ويمهل طهران حتى نوفمبر القادم لإيقاف أنشطتها النووية قبل النظر في مسألة إحالة ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي، وهو القرار الذي وصفه نيكولاس بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية بأنه "ضربة للإستراتيجية النووية الإيرانية وخطوةٌ كبرى في الجهود الدولية لعزل طهران"، فيما اعتبره السفير الأمريكي لدى الوكالة الدولية جريج شوتل أنه بموجب قوانين وكالة الطاقة تستحق طهران إحالة ملفها لمجلس الأمن بعد أن أقر مجلس الأمناء مخالفتها لمعاهدة حظر الانتشار النووي.
أما ثالثًا: فرغم دعوة البرادعي والوكالة إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في شبه الجزيرة الكورية والشرق الأوسط، إلا أنه أعلن أخيرًا عن "تفهمه" للقلق الصهيوني في صدد امتلاك أسلحة نووية في الشرق الأوسط!! ومن خلال ذلك وعند متابعة مقارنة لتصريحات البرادعي حول الملفين النووي الإيراني والصهيوني يمكن أن نجد عبارات غير متوازنة على النحو التالي:
- في الحالة الإيرانية نجد خطابًا دبلوماسيًا يستخدم عباراتٍ مثل: "البرادعي يطالب الحكومة الإيرانية بالتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، و"يطالب روسيا بالكف عن مساعدة إيران في برنامجها النووي"، أما في الحالة الصهيونية فهو "يرجو "إسرائيل" أن تستجيب لطلباته".
- وفي الحالة الإيرانية يدخل الدكتور محمد البرادعي على المنشآت النووية الإيرانية ويعمل على تقييم البرنامج النووي الإيراني ومدى التقدم الإيراني في مجال تخصيب اليورانيوم، أما في حالة الكيان الصهيوني فترفض السلطات الصهيونية إدخال البرادعي على مفاعلاته، ويوافق فقط على أن يحلِّق بطائرة عسكرية فوق مفاعل ديمونة فقط!!
- وفيما يتهدد الملف النووي الإيراني بالإحالة إلى مجلس الأمن الدولي لا يحرك البرادعي ووكالته- راعِيَا السلام في العالم- أي ساكن أمام التبجح الصهيوني هذا، بل ويعلن البرادعي أنه "يتفهم" القلق الصهيوني.
أعتقد أنه لذلك حصل على لقب نوبل السلام لهذا العام، فهل يرضى ضمير البرادعي؟! وهل الضمير العالمي مستريح؟!
اخوان اون لاين
12/10/2005
جائزة نوبل \"للسلام\".. هل هي حقًّا للسلام؟!... أحمد التلاوي
