هيئة علماء المسلمين في العراق

قراءة شرعية في رسالة الشيخ الضاري على تخويل وثقة الفصائل الأستاذ: ناصر الفهداوي
قراءة شرعية في رسالة الشيخ الضاري على تخويل وثقة الفصائل الأستاذ: ناصر الفهداوي قراءة شرعية في رسالة الشيخ الضاري على تخويل وثقة الفصائل الأستاذ: ناصر الفهداوي

قراءة شرعية في رسالة الشيخ الضاري على تخويل وثقة الفصائل الأستاذ: ناصر الفهداوي

• المنطلق الشرعي لخطوة طلب الثقة والتخويل:- تقدّم عدد من الفصائل بطلب من سماحة الشيخ الدكتور حارث الضاري, بأن يكون ممثلاً ومتحدّثاً باسمها ومفاوضاً فيما يخص مشروع المقاومة في العراق المحتل, وهم يرون أهمية الخطوة في بناء المشروع الجهادي لطرد الاحتلال وتحرير البلد, وهم يبنون هذا النضج في مشروع المقاومة ونقله في الدرجات الواجبة التي تؤسس وتؤصل لمشروع جهادي صحيح, منطلقين من الأصل الشرعي الذي جاء بعد مرحلة البناء والتكوين, ووجوب مغادرة مرحلة العشوائية, وضياع ثمرات العمل الجهادي في ظل الانهماك بالعمليات الجهادية وبناء مشروع مقاومة لبلد يعيش ويواجه أضخم المؤامرات وأعتى احتلال شهدته البشرية, والتي هي من أصل أن تكون الوَلاية في الأمة في أهلها, من قول الله عز وجل: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }[النساء:83]
  وقول الله تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}[المائدة:55-٥٦].
  وقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }[النساء:59]
روى الدارمي في الأثر, قال أمير المؤمنين عمر (رضي الله عنه)"إنه لا إسلام إلاّ بجماعة, ولا جماعة إلاّ بإمارة, ولا إمارة إلاّ بطاعة, فمن سوّده قومه على الفقه كان حياة له ولهم, ومن سوّده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم"
وقال الماوردي(رحمه الله):"الإمامة موضوع لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا, وعقدها لمن يقوم بها واجبٌ بالإجماع"
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية(رحمه الله) في كتاب (السياسة الشرعية):"يجب أن يُعْرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين, بل لا قيام للدين إلاّ بها, فإن بَنِي آدم لا تتم مصالحهم إلاّ بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض.. ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس, حتى قال النبي(صلى الله عليه وسلم):"إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبدالله بن عمرو, أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال:"لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلاّ أن يؤمروا عليهم أحدهم" فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر, تنبيهاً على سائر أنواع الاجتماع, ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلاّ بقوة وإمارة..وكذلك سائر ما أجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم, وإقامة الحدود, ولا تتم إلاّ بالقوة والإمارة".
ومما لا شك فيه أن هذه المرحلة والمغزى في هذه الخطوة, ليست هي الإمامة الكبرى لأمرة المسلمين والعناية بقضاياهم, فلرب معترض أو متلكئٍ في عدم الالتحاق بهذا الركب المبارك وعدم موافقته على هذه الخطوة بحجة أنها لا تمثل الإمامة الكبرى.. وبالتالي أن الأمر فيها ليس على الوجوب الحتمي, ولكننا أيضاً نرد شرعاً على أنها أعلى رتبة بكثير من أمرة السفر التي أوجبها الشرع في الأمة, وهذا يتفق عليه جميع العقلاء, فإذا أوجب الشرع في إمارة السفر في عدة أنفار في سفر حتى لا ينفرط عقدهم, فكيف بالأمر الذي يعني وجود الأمة الإسلامية وحماية عقيدتها وصون كرامتها, لا شك أنه من أوجب الواجبات.   
وجهت فصائل الجهاد طلبهم هذا لمن يرون في شخصه القوة والحزم والإقدام والصبر على الشدائد والملمات, والثبات أمام مغريات الباطل وأذنابه, الذي لم تغره كراسي الاحتلال ولا مناصبه الدنيوية التافهة الزائلة, وآثر ما عند الله تعالى, وقد عرضت عليه العروض المغريات, وتحمل جميع تبعات حمل الأمانة وهو يتقدم الصفوف ويضحي بالغالي والنفيس من أجل حماية الدين ومجاهدة أعداء الله والإنسانية.
واستمرارا لجهاد الشيخ الضاري وثباته في أحلك الظروف والملمات, أجاب الشيخ الدكتور حارث الضاري لطلب الفصائل, وضَمّنَ جوابه منهجاً شرعياً ووصايا وثوابت منهجية, وهو يأخذ الأمر بقوة وحزم, وفي الأثر الذي أخرجه ابن عبد حميد قال قتادة:"إن الله يحب أن يؤخذ أمره بقوة وجد". ووضع الأصول والأسس الشرعية لهذا المشروع -"الأمانة"- التي تقود الجميع إلى بر النجاح وفق منهج الله تعالى وسنة رسول الله(صلى الله عليه وسلم), وتؤدي بالجميع إلى صناعة أمل للأمة يعجل بطرد الاحتلال وتحرير أرض الإسلام.
• سماحة الشيخ الضاري ورسالته الجوابية:
بدأ سماحة الشيخ الضاري رسالته الجوابية على طلب الفصائل, وفق الالتزام بالضابط الشرعي, الذي يعد الموافقة على مثل هكذا طلب إنما هو من الواجبات الشرعية والوطنية, التي لا يمكن لمثل شخص الشيخ الضاري ومكانته في الأمة وحضور توجيهاته في مشروعها الجهادي أن يعدل عن الطلب, على الرغم من التبعات والأعباء التي سيلقيها تحمل هذا التكليف وهذا الخيار في الأمة, لا سيما وأن الأمة تمر بمرحلة دقيقة وحساسة من تاريخ البلد والأمة أجمعها.
ونزولاً عند رغبة إخوانه في الفصائل الجهادية المباركة التي أولته هذه الثقة, فإن سماحة الشيخ وافق على طلبهم, معاهداً الله تعالى ومعاهداً الفصائل على أن يبذل ما بوسعه في هذا المجال, مهما كلفت الظروف, وكلف ذلك الأمر من جهد وتضحيات.
عاقداً العزم على أن لا يقطع أمراً دونهم, مؤكداً العمل الجماعي في الأمة الإسلامية, وأنه يعلم في الفصائل أن خطوتها هذه ليست هي التملص من أعباء المرحلة, وإنما حبّاً بالتكاليف والمشورة من علماء الأمة, ومجاهديها ورموزها, وهو يعرف فيهم السمع والطاعة في الخيارات الشرعية والسياسية ذات العلاقة بالمشروع الجهادي في الأمة, وأن هذا التكليف إنما هو محنة التكاليف والتبعات لأحلك ظرف تمر به الأمة, وأمام أضخم مشروع تآمري على الأمة الإسلامية, وهو يتقلد هذه الأمانة العظيمة من الفصائل إنما يكون واحداً من بينهم وليس مستبداً برأيه, وهو لا يقطع أمراً دونهم, معيداً في الأمة سيرتها الأولى في المشورة والعمل الجماعي. 
ثم ضمن رسالته الجوابية على طلب الفصائل جملة من الوصايا الشرعية المنهجية مقدّماً فيها الوصية بتقوى الله تعالى التي هي رأس كل أمر, وأصل كل توفيق ونجاح لأمور الأمة, والنصح هنا يأتي بجميع المصالح ومنها أن هذا مما أوجبته الشريعة الإسلامية من التواصي بالحق والتواصي بالصبر, والنصيحة الواجبة على المسلمين.
ومنها أن استماع النصيحة تؤدي إلى الوصول للحق والصواب, وتحري العدل في سياسة الأمر وما يطرأ من نوازل.
• الوصية بالتقوى التي هي جماع كل خير:-
قال في وصيته الأولى:
أوصيكم أولاً بتقوى الله تعالى والتوكل عليه في كل شؤونكم, مذكراً بقول الله تعالى:{ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }[الطلاق:3], وقول الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً }[الطلاق:2]
والتقوى هي الاسم الجامع لكل معاني الإسلام, وهي أساس التعامل بين العباد وخالقهم, والتعامل بين العباد فيما بينهم, وتعاملهم مع الخلق أجمعين, وإذ يوصي الشيخ الضاري فصائل المقاومة بالتقوى فإنما يوصيهم بكل معاني الإسلام علماً وعملاً وسلوكاً وأخلاقاً.
ومن الآيات المباركات التي تجمع معاني التقوى, وتؤسس لمنهج الإسلام العظيم, وتبين أصول الإيمان العظيمة, وهي مفتاح كل خير في الأمة:
قول الله تعالى:{فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }[الفتح:26].
وقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }[الأعراف:26].
وقال تعالى:{ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }[البقرة:197].
وقول الله عز وجل: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ }[المدثر:56]
والتقوى هي السلوك والعمل التي تؤدي إلى النصر لا محالة, وهنا إنما ذكر الشيخ بها وجعلها في مقدّمة الوصايا, لأنها هي العمل, وهي الواجب, وهي الحصن الذي يحفظ نعمة النصر, وشُكْرُ الله تعالى على النصر إنما يكون بتقواه, وتحكيم شرع الله في جميع شؤون الحياة, فإن هذا هو الغاية التي شرع الجهاد لأجلها, كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ }[البقرة:193].
وليحذر المجاهد أن يقابل نعمة النصر بالكِبْر على الناس, والإعجاب بالنفس, والفخر والبطر, وطلب العلو في الأرض.
وقد يظن بعض الناس خطأً أن التقوى تعني الانكسار والتَفَقر, وقبول الصفعات من دون أن يحرك ساكناً, أو هي ذلة الحال والمسكنة المفرطة أمام الخلق, ولكن تأتي التقوى هنا في جواب الشيخ الضاري..وهي تحمل المعنى المنهجي الشرعي الصحيح, وتأتي هنا لتؤكد معنى القوة والحزم والتمسك بشرع الله تعالى, والثبات والصبر وتحمل الصعاب من أجل حماية الدين, وحفظ الأعراض, وتحرير البلاد, والشيخ يؤكد أن التقوى هي سلاح المعركة الحاسم.   
وفي الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح, عن العِرْباض بن سارية(رضي الله عنه) قال: وعظنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) موعظة بليغة, وجلت منها القلوب, وذرفت منها العيون, فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودّع, فأوصنا, قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة, وإن تأمر عليكم عبد حبشي, وأنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, عضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل بدعة ضلالة".
وقال سيدنا عمر بن الخطاب(رضي الله عنه):" القوة في العمل ألاّ تؤخر عمل اليوم لغد, والأمانة ألاّ تخالف سريرة علانية, واتقوا الله عز وجل, فإنما التقوى بالتوقي, ومن يتق الله يقه".
وهذا ما يؤكد المعاني الجديدة التي قدحتها الرسالة الجوابية لسماحة الشيخ في تأكيد معنى التقوى بأنها القوة وهي الإسلام بكل معانيه.. الروحية والعبادية والعقدية والسلوكية.
• الالتزام بضوابط الجهاد الشرعي يجلب البركة والمعية الإلهية:-
الوصية الثانية: الالتزام بضوابط الجهاد الشرعي, حتى يبارك الله بجهادكم ويمنحكم معيته التي لا بد منها في النصر على الأعداء.
الجهاد الذي يكلل بالنصر, والذي يستجلب رضا الله تعالى, ويبارك بالعمل الجهادي ويجعل خاتمته نصراً تشرف به الأمة, هو الجهاد الذي يقوم على الالتزام الكامل بضوابط الشرع, وهنا يذكر الشيخ الضاري المجاهدين الغيارى باستحضار الأحكام الشرعية الضابطة للعمل الجهادي, وهذا لا يعني أبدأً أنهم لا يعملون بها ولا يستحضرونها في ميدان العمل الجهادي, أو أنها غائبة عن منهجيتهم وعملياتهم. وأغرب ما سمعنا من المتغابين هو قولهم:"إن ذِكْرَ الشيخ الضاري وطلبه من فصائل المقاومة بمثل هذه الطلبات لأنها لا وجود لها في الميدان, وهذا يدل على أنهم إرهابيون لا يؤمنون بالديمقراطية الأمريكية"وهذا قول من لا يعرف الخطاب القرآني ومن هو بعيد عن الإسلام, والقرآن يدعو المجتمع الإيماني وهو في الرعيل الأول والخطاب القرآني يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }[النساء:136], فهل هذا يدل على انعدام الإيمان في المجتمع الذي أسس الإيمان العملي وفق مراد الله تعالى؟. كلا.. لأن الله تعالى يخاطب العرب بالكلام الذي يفهمونه, وهم يعلمون أن مراد الله تعالى منهم هو تأكيد المعاني الإيمانية وتأصيلها وتأكيد دوامها في حياتهم وثباتهم عليها وصبرهم على العمل بمقتضاها, أما الأعاجم فلا يفهمون الخطاب العربي القرآني, وإذا سمعوه لا يمكن أن يفهموه, ولذلك تراهم يُعَبِّرون عن غَيْضِهِم لهذه الخطوة التي أعلنت بداية مرحلة مباركة في مشروع المقاومة والنضج المنهجي عند الفصائل.
وتقرر هذه الوصية ذلك الترابط الوثيق بين الالتزام بمنهج الله تعالى والتمسك بضوابط الشرع في العمل الجهادي ومباركة الجهاد وارتباطهما جميعاً باستجلاب معية الله تعالى, التي هي السبب الأعظم للنصر وتسديد الرمي ومباركة المشورة وتسديد الرأي, والمعية هي التي تُنْزِل الملائكة وتعين على قتال أهل الباطل مهما كانت جموعهم وتحالفاتهم وعمالة أذنابهم, والمعية هي التي تعين على الفتح الرباني الذي يحتاجه المجاهدون, وهم أحوج ما يكونون إليها اليوم.
والشرع يقرر ضوابط الجهاد, قال الله تبارك وتعالى{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }[الحج:78].
وفي كتاب (السنة) للمروزي قال الأوزاعي(رحمه الله):كان يقال"ما من مسلم إلاّ وهو قائم على ثغرة من ثغور الإسلام, فمن استطاع أن لا يؤتى الإسلام من ثغرته فليفعل".
وقال الإمام بن القيم(رحمه الله)في كتابه(الطرق الحكمية في السياسة الشرعية):" ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد, ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق, وأنه لا عدل فوق عدلها ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح, تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها, وأن من أحاط علماً بمقاصدها ووضعها, وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة, فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها, وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر, فهي الشريعة..علمها من علمها وجهلها من جهلها".
• جمع الكلمة ووحدة الصف.. تجمع الأمة وتحرر الأرض:-
الوصية الثالثة:التعاون الأخوي مع جميع الفصائل التي تسعى لتحرير العراق والمحافظة على وحدته وهويته وخير أبنائه بكل أطيافهم ومكوناتهم من شماله إلى جنوبه, فأنتم أبناء العراق وأنتم تجاهدون من أجله جميعاً, لا من أجل جزءٍ واحد منه فقط.
التأكيد على وحدة العمل الجماعي, وأنه يبدأ من الفصائل ويتقرر في الأمة ويمهد لوحدة الأمة, ويأتي هنا التذكير على أن وحدة الفصائل ستؤدي حتماً بتوحيد الأمة جميعها من شرقها إلى غربها, ومن شمالها إلى جنوبها, وإن السبب الأعظم في قوة الأمة التي تمهد لنصرها هي وحدة كلمتها, وإن من المقرر منذ قرون.. منذ أن فشى الوهن في الأمة أن أعداءها لم يكونوا في يوم من الأيام أقوى من الأمة المسلمة, لكن الأمة بتفرقها وتمزقها هي التي أعطت الأعداء الفرصة الكبرى لأن تكون قوية وتحقق غاياتها وأهدافها ومخططاتها في أمتنا المسلمة, وما ضعفت أمتنا وما استكانت إلاّ لأنها متفرقة ومتجزئة.
والأصل الشرعي الذي يقرر هذه الوصية, هو الأصول والضوابط الشرعية, وفق قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ }[الصف:4].
قال الإمام الأوزاعي(رحمه الله تعالى):"كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد(صلى الله عليه وسلم) والتابعون لهم بإحسان:لزوم الجماعة, واتباع السنة, وعمارة المساجد, وتلاوة القرآن, والجهاد في سبيل الله عز وجل"رواه البيهقي في شعب الإيمان وغيره.
• أمن العراق حصن الأمة, وضياع المقاومة ضياع الأمة:-
الوصية الرابعة: المحافظة على أمن العراق واستقراره, ليسهم في أمن واستقرار جيرانه والمنطقة كلها, والوعي الكامل بمخططات التخريب والتحريش بين الشعب العراقي وأشقائه.
إن زعزعة أمن واستقرار العراق تؤدي إلى زعزعة أمن واستقرار جيرانه, ويذكر هنا الشيخ الفصائل المجاهدة بأن خير عملهم سيتعدى على الأمة الإسلامية كلها, ومن هنا يتبين أن الأمة تُعَوِّلُ الخير العظيم بمشروع المقاومة في العراق, وانه يمثل نهاية آلام الأمة وتخلصها من الجبروت والاستعباد الأمريكي, وستضع الحد للهيمنة الأمريكية, لذا فإن الحذر كل الحذر من أن تنشغل الفصائل بقضايا ومشاكل جانبية فيما بينها وتضيع الأمة من ورائها.
وينبغي على الأمة والعالم كله أن يعلموا يقيناً..أن ضياع المقاومة ومشروعها في العراق إنما هو ضياع الأمة, وفقدان استقرار العالم إلى ما الله به عليم..!
منطلقاً من حقائق الشرع والسنة النبوية المباركة التي يقول فيها سيدنا المصطفى(صلى الله عليه وسلم): ((إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم فلا تعبدوه, ولكنه رضي بالتحريش فيما بينكم)). 
ومن هنا يأتي عمق المشروع المقاوم في العراق وعظم مهمة للمجاهدين في الأمة, فإن القضاء على باطل الولايات المتحدة الأمريكية إنما يعني للأمة نهاية الشر, وكف الجرائم والمجازر التي يرتكبها عباد الصليب في الأمة كلها, بطولها وعرضها.
• ارتباط النصر مع الصبر من الحقائق الشرعية:-
الوصية الخامسة: الوصية بالصبر والثبات وطول النفس وعدم الالتفات إلى المثبطين والمتساقطين واللاهثين وراء السحاب الخادع, فأنتم وأخوانكم في فصائل المقاومة العراقية الأخرى تمثلون ضمير الأمة الحي, لأنكم تجسدون المشروع الحقيقي والوحيد لتحرير العراق من الاحتلال ومشاريعه الخطيرة.
اليوم وفي أحرج اللحظات التي تمر بها امتنا الإسلامية وهي تمر بمنعطف خطير باجتماع أهل الباطل وتكالبهم عليها- تكالب الأكلة على قصعتها- تأتي هذه الوصية الجامعة, لتؤكد معاني الصبر والثبات أمام الملمات ونوازع النفس والحذر من جنوحها تجاه الأهواء ومغريات الباطل, وعدم الالتفات عن الهدف الأصل وهو مصاولة الباطل وإحقاق الحق وطرد الاحتلال وتحرير أرض الإسلام, وهي تمثل حياة الأمة, ولا يمكن اليوم أن يتخيل المرء الأرض بلا مقاومة العراق التي كبحت جماح الشر وسدّت أبواب المجازر الدموية التي تشنها أمريكا بشعارات إرهابية مغلفة بالإصلاحات الديمقراطية الوحشية.
وهو المعنى العظيم الذي يؤكده الشرع الإسلامي القويم, بقول الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }[آل عمران:200].
وقول سيدنا المصطفى(صلى الله عليه وسلم):  ((إن النصر مع الصبر)).
وأخيراً: يرى الشيخ الضاري أن قبوله لهذا التخويل سيكون عوناً على تحقيق هدف الجميع في أن يكون العراق لكل أبنائه, بكل مكوناتهم الدينية والمذهبية والعرقية, لا يعاني فيه أحد من تهميش أو إقصاء.
خاتماً الأمر بالدعاء لفصائل المقاومة بالبركة من الله العلي الجليل, ومقرراً حقيقة شرعية لا محيد عنها, ومذكراً برسالة مهمة ألا وهي أن النصر إنما هو من عند الله العلي القدير, حينما يذكّر قائلاً:بارك الله فيكم وأيدكم بنصره ((وما النصر إلاّ من عند الله العزيز الحكيم))
وتقرر هذه الخاتمة المقتضبة أن الله تعالى وعد هذه الأمة بالنصر وجعله من كرامات هذه الأمة, إن هي تعلقت به وآمنت أن لا نصر لها إلاّ منه سبحانه..
ووعد الله تعالى عباده المؤمنين إن حققوا الإيمان والعمل الصالح أن ينصرهم على أعدائهم, وأن يمكن لهم في الأرض فقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }[النور:55].
وقال تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ }[الحج40:-41]
وقال جل وعلا: {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[الأنفال:26]
وفي الحديث الذي رواه الترمذي والإمام أحمد, قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم):[إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم, فمن أدرك ذلك منكم فليتقي الله وليأمر بالمعروف ولينهى عن المنكر, ومن كذب علي متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار].
ومن الأسرار العجيبة والنكت الطيبة التي تظهرها هذه الرسالة, أنها على وجازتها تضمنت منهجاً عملياً ومشروعاً متكاملاً لفصائل المقاومة, والعجيب ذلك الترابط بين الوصايا, فهي مترابطة فيما بينها, وكل منها يستلزم الآخر, وكل منها يؤدي بالنتيجة إلى الآخر, فالتقوى تؤدي إلى التمسك بمنهج الله تعالى ولا تقوى لله تعالى من دون التمسك بهدي القرآن العظيم والسنة النبوية المطهرة, وكلاهما يؤدي إلى إحقاق الحق وعودة الأمن والأمان إلى أرض الإسلام, وهكذا هي يستدعي كل منهما الآخر ويرتبط به ويستلزمه من جهة أخرى, ونعد هذا من الفتوحات الربانية على المجاهدين التي أغدق الله الكريم بها على عباده وفق قانونه الملزم بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }[العنكبوت:69]
إن هذه الخطوة من إحياء السنن الربانية التي توزن بالذهب المصفى, وهي تحسب اليوم لفصائل المقاومة العراقية التي بادرت بهذا المشروع وهذا التخويل, عندما تختار القوي الأمين لحمل الأمانة وأداءها في الأمة.
وقد أثارت هذه الخطوة حسد الحاسدين وحقد الحاقدين وهم يعرفون أثر هذه الخطوة في تقدّم الجهود باتجاهها الصحيح, ودخول المشروع الجهادي مرحلة تمثل طموح المخلصين وأمنيات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, وتمثل طموحات المعنيين بقضية العراق المحتل ودماء شعبه التي تراق على ثرى أرضه ليل نهار.
وقد وضعت هذه الخطوة المباركة الحجة على رقاب الجميع, وهي تمثل الخطوة والمخرج من الأزمات والنوازل في الأمة, والفصائل قد اختارت خطوة شرعية سياسية ناضجة, وهي تختار شيخاً وعالماً وعلماً ورمزاً من رموز الجهاد والثبات وتقديم التضحيات الجسام, وهو يتمتع بالعمق الإقليمي وقبول الطروحات التي لا يمكن أن يحيد أحد عنها في جميع المحافل الدولية, وله عمقه العلمي فهو إمام عالم علم له حضوره العلمي واعتبار رأيه في الأمة, وله عمقه العشائري والمجتمعي المؤثر في العراق والساحة العربية كلها, وهو الذي لا يختلف فيه اثنان بأن من يضع يده بيد سماحته فإنه يضعها وهو يأمن على حماية الدين والغيرة عليه, ويحافظ على مستقبل العراق ولا تغريه المغريات ولا يساوم على قضيته.
ومن هنا يظهر اختيار هذه الفصائل وهي تضع خطوتها أمام بقية الفصائل لتبين رغبتها في العمل الجاد الذي ينقل مشروع الجهاد بنقلات متقدمة, وهي الخطوة الضامنة لنقل مشروع المقاومة نحو مرحلة الدعم الإقليمي, وإحراج جميع المحافل الدولية بحق قضية العراق في التحرر, وجهاد شعبه وطموحه في طرد الاحتلال وتحرير العراق..
والعالم اليوم كله انتظار في أن يسمع من جميع المجاهدين وفصائلهم البطلة أن يقولوا كلمة الحق وفق مقتضى الشرع على هذا المشروع المبارك, ويترفعوا عن أهواء الأنفس وهم يتسامون عن نزغات الشياطين, وهم يسعون لرضا ربهم, وتحقيق آمال وطموحات المسلمين في مشروع المقاومة في العراق في كسر الهيمنة الأمريكية وتخليص العالم من شرها وجبروتها.
Naser_alfahdawy_(at)_yahoo.com

أضف تعليق