هيئة علماء المسلمين في العراق

المقاومة العراقية وتخويل الضاري ..إياد الدليمي
المقاومة العراقية وتخويل الضاري ..إياد الدليمي المقاومة العراقية وتخويل الضاري ..إياد الدليمي

المقاومة العراقية وتخويل الضاري ..إياد الدليمي

لا يبدو أن اختيار 13 فصيلا عراقيا مسلحا للشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين ليكون متحدثا باسمها قد جاء دون قصد، بل إن هذا الاختيار جاء منسجما إلى حد كبير مع تقلبات المرحلة الراهنة وقراءة مستوعبة لما يمكن أن تكون عليه، وهو اختيار يؤكد من جديد أن المقاومة العراقية هي مقاومة واعية ومدركة وحريصة على مستقبل العراق. لقد كان من بين التهم التي توجه إلى المقاومة في العراق أنها مقاومة مَن تضررت مصالحهم الشخصية جراء سقوط النظام السابق، وهي عبارة عن مجموعة أفراد لا تعي من أمرها السياسي شيئاً، فكان أن استمرت المقاومة في العراق منذ اللحظة الأولى للاحتلال وحتى اليوم، ثم جاء اختيار الشيخ الضاري مخولا وناطقا رسميا باسم هذه الفصائل ليؤكد من جديد أن لدى القائمين على هذه المقاومة بعداً في النظر وقدرة على استقراء وتحليل الأحداث بشكل علمي.

إن اختيار الضاري ليكون ناطقا باسم المقاومة العراقية يحمل الكثير من الدلالات التي يبدو أن الفصائل المسلحة التي اختارته كانت تعيها بشكل جيد لعل من أبرزها:

- قرب الانسحاب الأميركي من العراق وفقا للجدول الذي أعلنه الرئيس الأميركي باراك أوباما والذي ينص على أن ينتهي هذا الانسحاب بنهاية عام 2011، وبالتالي فلا بد من آلية لوضع تصور لترتيب البيت الداخلي في العراق عقب هذا الانسحاب. 

- المقاومة العراقية ومنذ انطلاقها كانت سرية، وكان هذا أحد أهم أسباب نجاحها وديمومتها، وبالتالي فإن عملية ظهور شخصية من داخل المقاومة لتكون شخصية المقاومة السياسية بعد هذا الزمن ربما لن يكون نافعا إلى حد ما، لذا فإن تخويل شخصية سياسية معروفة بمواقفها المؤيدة للمقاومة ليكون ناطقا رسميا باسم المقاومة كشخصية الضاري هو اختصار للزمن والجهد بالنسبة للفصائل المقاومة.

- تسعى المقاومة العراقية من خلال اختيار الضاري إلى الاستفادة من العلاقات الواسعة للشيخ الضاري مع المحيط العربي والإقليمي وحتى الدولي، فالشيخ الضاري يحظى باحترام واسع، وبات بعد سنوات الاحتلال شخصية لها ثقلها على الصعيد العربي والدولي، لذا فإنه يمثل الخيار الأنسب لتمثيل الفصائل المسلحة في هذه المرحلة الحرجة والحساسة.

- سعت المقاومة من خلال اختيار الضاري إلى محاولة إلقاء الكرة في ملعب الإدارة الأميركية وبعض القوى المحلية التي كانت طالما تتحدث عن مجهولية الشخصيات الممثلة لهذه المقاومة، وبالتالي فإن على تلك الجهات إن رغبت بفتح حوار مع المقاومة المسلحة في العراق أن تتجه إلى محاورة الشيخ الضاري إن هي أرادت ذلك.

- تدرك المقاومة العراقية أن الضاري شخص موثوق وهو سليل عائلة معروفة وله من العلاقات الاجتماعية داخل النسيج الاجتماعي العراقي ما يجعله مؤهلاً لفتح قنوات اتصال مع كافة المذاهب والقوميات والطوائف العراقية، وهو أمر تسعى إليه المقاومة العراقية.

- تحاول المقاومة العراقية أن تفتح نافذة من أجل تسهيل عملية الخروج الأميركي من العراق، فهي، أي المقاومة، لم ترفع السلاح من أجل تلك الغاية وإنما من أجل دفع الاحتلال الأميركي للخروج من البلاد، وبعد نحو ست سنوات من عمر المقاومة والخسائر الأميركية الهائلة التي تكبدتها قوات الاحتلال، فإنها تدرك جيدا أنه يتوجب عليها أن تفتح نافذة واسعة لخروج هذا الاحتلال، فكان اختيار الضاري في هذا التوقيت له مدلول واضح على جدية المقاومة في إلقاء السلاح عقب خروج الاحتلال الأميركي وترتيب أوضاع البيت الداخلي.

إن الأطراف التي يفترض أنها تقف في الجهة المقابلة للمقاومة العراقية، عليها أن تقرأ هذه الخطوة بشكل جيد وأن تتفهم الرسائل التي أريد لها أن تصل من وراء هذا الاختيار، فالانسحاب الأميركي من العراق يجب أن يكون مدروسا وأن لا يترك خلفه ثغرات يمكن أن تستغل من هذا الطرف أو ذاك، خاصة أن هناك أطرافاً إقليمية على رأسها إيران عبرت أكثر من مرة عن استعدادها لملء فراغ الانسحاب الأميركي، وهو أمر لا يبدو أن الإدارة الأميركية تقبله، ومن هنا يتوجب أن يتم ترتيب أوضاع العراق الداخلية قبل أي انسحاب أميركي، ولعل من أبرز عوامل ترتيب هذه الأوضاع الداخلية هو تحقيق المصالحة الحقيقية بين ممثلي كافة شرائح الشعب العراقي، والسعي لإشراك الجميع في حكم البلاد من خلال وضع محددات جديدة لعملية سياسية أكثر نضجاً.

لقد أثبتت السنوات الست من عمر الاحتلال، أن العملية السياسية الحالية في العراق أسهمت إلى حد كبير في تشرذم وتشظي الوضع الداخلي في العراق مما جعل من هذا البلد الغني بالنفط مطمعاً للعديد من الدول الإقليمية، وبالتالي فإن مراجعة تلك العملية باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل، لذا فإن اختيار الفصائل المسلحة في العراق -التي تمثل أحد أبرز أضلاع المثلث العراقي المتمثل بالاحتلال والحكومة والمقاومة- للشيخ الضاري سيسهم إلى حد كبير في وضع ترتيبات المرحلة المقبلة، بيد أن هذا يبقى متوقفا على مدى جدية ضلعي المثلث الباقيين في ذلك، وأقصد هنا الاحتلال والحكومة العراقية.

أضف تعليق