عندما تزداد إشراقات المقاومة العراقية نحو عوامل وحدتها وفق الصيغ التي تتوصل إليها، فإنها دلالات أثبات على عمق الوعي والحرص الذي يبديه قادة المقاومة سواء في سياسية المراحل الواجبة إتباعها، أو في التطلع إلى المستقبل عبر تمتين أرضية الحاضر
وهكذا جاءت وحدة الفصال المسلحة ضمن جبهات جهادية كبرى في النصف الثاني من عام 2007. أو في البيان الصوتي المشترك حول الذكرى السابعة للاحتلال في 8-4-2009. وكذلك في البيان الصادر هذا اليوم الاثنين الموافق 1-6-2009 بخصوص "إعلان ثقة وتخويل" من جانب المقاومة العراقية للشيخ المجاهد حارث الضاري أمين عام هيئة علماء المسلمين في العراق.
ولكي نسبر غور البيان ونتشعب في تحليل أبعاده على الساحة العراقية خصوصاً، والساحتين العربية والدولية عموماً، لنستعرض أولاً أهم فقرتين يرتكز عليها فحوى البيان الذي يستهلها بهذا التعريف:
"إننا نحن جبهة الجهاد والتغيير (تضم عشرة فصائل) وعصائب العراق الجهادية وجيش المجاهدين المرابطين وجيش الإمام أحمد بن حنبل" نعلن ما يلي:
1- إعلان ثقتنا بالشيخ الدكتور حارث الضاري لِما عرفنا فيه من رباطة جأش وثبات على المبدأ ومطاولة للأعداء وصبر على البلاء وإسناد منقطع النظير للجهاد والمقاومة في العراق على الرغم مما تعرض ويتعرض له من ضغوط وتجاوزات ولأننا نعده الحارس الأمين على مبادئ وثوابت الجهاد والمقاومة في العراق والرجل الشجاع صاحب الموقف الحق الذي لا يتخلى عنه ولو كلفه حياته.
2- نخول الشيخ حارث الضاري بأن يتحدث بأسمنا ويفاوض عنا في الأمور السياسية ذات الصلة بنا وأن ينوب عنا في كل المحافل ليدافع عن دماء الشهداء الزكية التي سالت على ثرى العراق والليوث التي أسرت والأعراض التي انتهكت والأموال التي هدرت.
أن الإقدام على صدور هكذا بيان يمنح الثقة والتخويل لقطب مهم من أقطاب الجهاد في العراق، فإنه مهما كان الهدف منه تحميل الشيخ حارث الضاري "أمراُ كبيراً وهمّاً مضافاً" إلى همومه الوطنية والعربية والإسلامية، إلا أن هذا البيان تكمن بين ثناياه أبعاداً أخرى علينا استقرائها واستنتاجها. حيث أن هذه الفصائل الجهادية قد اجتمعت متفقة على كلمة واحدة باختيارها جهبذاً واحداً، فمن بين ما يمكننا استنباطه هنا:
1- أن هذه الثقة وهذا التخويل يعني أن قادة المقاومة على صلة وتنسيق وتعاون فيما بينهم. أي أن لهم وحدة من نوع خاص تستوجبه ظروف الجهاد الميداني في رد الصائل. ومثلما كانت هناك وحدات تجلت في جبهات وفي بيان صوتي مشترك، فإنها قد تلألأت بهذا الاختيار للشيخ المجاهد حارث الضاري.
2- أن جبهة الجهاد والتغيير رغم ثقلها وحجمها فإنها سباقة في التعامل مع بقية الفصائل المجاهدة على الساحة العراقية بغية صنع أطار أعم وأشمل للكيانات المقاومة ضد قوات الاحتلال داخلياً. وما له من تأثير ملحوظ خارجياً. بمعنى أن الشيخ الضاري الآن هو المتحدث والمفاوض والممثل الرسمي "في الأمور السياسية ذات الصلة" بالعمل المقاوم في العراق. وهذه الخطوة هامة وخطيرة في بلورة الموقف للمقاومة حيال من ينطق بأسمها. وبالتالي على الإدارة الأمريكية أن تتفاوض مع الضاري حول تأمين سحب قواتها من العراق، إن كان الرئيس أوباما جاداً بكلامه: "في ترك العراق لأهله". وكذلك على الحكومات والأنظمة الرسمية شرقاً وغرباً أن تتفاوض مع المقاومة العراقية عبر شخص الضاري نفسه.
3- أن اختيار المقاومة العراقية للشيخ المجاهد حارث الضاري هنا، ليس لأنه محل ثقة عندهم فقط، بل ولكل الشرفاء والمخلصين من الوطنيين العراقيين. إذ كما جاء في البيان: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم". والشيخ الضاري كان ومازال ضارياً بالدفاع عن تربة الآباء والأجداد دون كلل ولا ممل رغم ما عانه ويعانيه من الاحتلال وأعوانه.
4- إذا كان هذا البيان هو "إعلان ثقة وتخويل" يوحي على وحدة الرأي بين صفوف المقاومة. فإن الصواب هنا إنما يكون عاماً وشاملاً للكل، نظراً لوضوح وسداد الرأي والموقف بين الأطراف جميعاً. وبالتالي فإنها من سمات القوة للمقاومة العراقية فكراً وعملاً.
5- أن هذا البيان يكشف ويؤكد في آن معاً على معدن الرجال في العراق، فمنهم قمم أبية شامخة، وبينهم رعاع رخيصة، والعراق عبر تاريخه العتيد وحضاراته العظيمة لا يمثله غير تلك القمم العالية، لا قاع الحضيض المتسخة.
6- أن النص الأخير من البيان يضم تعبيرات تنم عن الإيمان والثقة سواء بشخص الضاري أو بقية العراقيين الغيارى. حيث أن أهم ما في الأمر هو الاجتماع "على أمر رشدٍ في إطار كبير جامع يحقق" هدف التحرير، وعودة العراق حراً إلى أهله، وقلعة "يأوي إليه كل ملهوف ومحتاج" من العرب والمسلمين.
د. عماد الدين الجبوري
ما هي أبعاد إعلان المقاومة العراقية للشيخ حارث الضاري؟ د. عماد الدين الجبوري
