هكذا نحن في العالم الإسلامي يخاطبوننا على أننا عالم واحد وأصحاب قضية واحدة، ونحن نصر على التفرق شيعا وأحزابا، لا بل قبائل وأعرابا وأعاجم، فقبل أن يخاطبنا أوباما كعالم إسلامي واحد،
قال جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا عام 1991 للرئيس حافظ الأسد بعد غزو المنطقة: "لكنكم خسرتم الحرب"، قالها مخاطبا الرئيس السوري رغم أن سوريا كانت أحد أعضاء الحلف الثلاثيني الذي هاجم العراق من أجل تحرير الكويت.
وخطاب أوباما الذي ألقاه في جامعة القاهرة الخميس 4/6/2009 جرى الترويج الإعلامي له على مستوى فوق العادة لكي يكسب الخطاب أهمية بالغة هدفها خلق شعور بوجود طبخة سلام من نوع ما على المسار الفلسطيني، ولا تتوقف أهمية الخطاب التي روج لها الإعلام عند هذا الهدف، وإنما هنالك مصالح أمريكية الهدف من ورائها وضع حدود وفواصل أو حواجز لإعاقة معسكر الممانعة ومحور المقاومة وإعطاء دفعة انطلاق غير مسبوقة لكي يسير "محور الاعتدال" قدما على أساس من الآمال التي يتمنى "محور الاعتدال" أن يستند إليها في حركته إلى الأمام، وإن كانت بدون ضمانات.
وكان أول الغيث وبداية الحركة من جانب السلطة الفلسطينية التي بدأت بشن حرب شوارع وتصفيات ضد أعضاء المعسكر الآخر، وهم في الأراضي المحتلة المقاومة وبالذات حركة حماس.
الطريف أن أحد الوزراء في "إسرائيل" قال قبل أن يشرع أوباما في إلقاء خطابه أن لو قدم عباس رؤوس جميع أعضاء حماس على أطباق من فضة لنتنياهو، فإن نيتنياهو لن يعطيه شيئا؟!!.
ثم إن توقيت زيارة أوباما وخطابه ليس توقيتا بريئا، وإنما خطط له بعناية ليكشف عن أن الخطاب هو مصلحة أمريكية بحتة، فالتوقيت جاء قبيل الانتخابات الإيرانية والانتخابات اللبنانية بأيام قليلة فقط، والهدف معروف، وهو إعطاء دفعة لمن تسميهم أمريكا بـ"المعتدلين" لمواجهة أحمدي نجاد في إيران و"حزب الله" في لبنان.
ومن حيث أهداف الخطاب ونتائجه، فإن هناك محاور كثيرة لا يتسع المقام لذكرها كلها في هذا المقال، وستتبع سلسلة مقالات عن الموضوع، وما يهمنا بالدرجة الأولى هو محور الصراع العربي - "الإسرائيلي"، ولكن الذي حصل هو أن الخطاب تحدث عن تطلعات وأمنيات، فخطاب أوباما لم يتضمن خطوة عملية واحدة، فهو -كما قال- يدعم مشروع الدولتين، لكن بوش قبله كان يدعم المشروع، ولم يفعل شيئا؟!!.
إن أفضل ما قاله معلق سياسي عن نوايا أوباما التي سيعلنها في الخطاب عن حل الصراع العربي – "الإسرائيلي" ستكون مجرد أمنيات، وانه لم يمتلك القدرة على تنفيذها أو إعطاء أية ضمانات لها.
لقد قال أوباما كل الذي قاله عن هذا الصراع قبل أن يأتي إلى القاهرة، ولكنه أراد من خلال الخطاب أن يضفي على نواياه المعلنة في السابق صفة البداية الحقيقية لكي يخرج "محور الاعتدال" من حالة التوقف والانتظار الى المباشرة في التنفيذ، وما طلبه أوباما من العرب والفلسطينيين -وبالذات حماس- هو التوقف عن "العنف" وضمان أمن "إسرائيل"، إنها خارطة طريق أوباما.
الخطاب الذي ألقاه أوباما هو الأخطر كحدث بالنسبة لعالمنا العربي؛ لانه سيدفع إلى انقسام خطير وغير مسبوق، ستكون نتائجه عبارة عن دماء تسفك واقتتال؛ لأن هذا الخطاب أعطى إشارة الانطلاق للبدء بخطوات جدية لضمان أمن "إسرائيل"، ولن يعدم نيتنياهو الغائب عن القاهرة الوسيلة للتمترس في موقعه وعلى مواقفه نفسها بحجة انتظار أمن "إسرائيل" الذي حدد الخطاب بأنه بداية الطريق، وأحداث قلقيلية أثناء إلقاء الخطاب وما قبل قلقيلية خير دليل على هذا.
لقد قيل كثير عن أسباب اختيار القاهرة لإلقاء الخطاب، البعض قال لأنها أول دولة عربية عقدت سلاما مع "إسرائيل"، وقيل أيضا إن موقفها من "حزب الله" وحماس والإخوان في مصر كان سببا أيضا.. لكننا نرجح أن السبب الحقيقي كان هو أن القاهرة هي التي تقود ما يسمى "معسكر الاعتدال"، وهي الأقدر على بدء خطوات عملية تنفيذا لخطة أوباما التي تبدأ بوقف العنف ضد "إسرائيل" كما يسميه أوباما، وكذلك الأمن "الإسرائيلي" باعتباره مطلبا له.
لقد قيل كثير كأمل وبداية تبشير بالخير، وحاول البعض أن يعطي للزيارة مسوح الرهبان على اعتبار أنه لا يدعم أنظمة غير ديمقراطية.. لقد جاء ذلك على لسان الناطق باسم البيت الأبيض روبرت جيس من أن أهمية الخطاب ونطاقة أكبر وأكثر من أهمية المكان أو من هم قادة البلاد التي سيلقي أوباما منها الخطاب في محاولة لإعطاء الإشارة في أن أوباما اختار القاهرة كمكان مناسب، وأن ذلك ليس من قبيل دعم حكم الشخص الواحد أو النظام غير الديمقراطي الذي لا تتداول فيه السلطة.
نعم. لقد كان الخطاب أيضا محاولة لجعله فاصلا بين فكرة وحالة التردد الأمريكية منذ تولى أوباما الحكم في إعلان نواياه عن الصراع العربي – "الإسرائيلي".
لقد كانت الزيارة والخطاب مخاطرة؛ لأن عدم النجاح كان معناه وضع القدم في طريق نحو المجهول، إلا أن ذلك لم يفت أوباما، فقد أعلن طلب وقف الاستيطان وهو يعلم بأن الدولة الفلسطينية ووقف الاستيطان كان يلزم -حتى يكون جديا- وجود طرف غائب وحاضر لم يقل رأيه في ما قاله أوباما وهو نتنياهو، وإلى حلقة قادمة عن خطاب أوباما.
جريدة السبيل
المقالات تعبر عن آراء أصحابها
نحن.. وخطاب أوباما.. والغائب الحاضر.. (1) أ. د. محمد المحاسنة
