جاء بوش الى الرئاسة كشخص صاحب تصميم وعزيمة، وكقائد صاحب معتقدات على استعداد للانتصار على الغموض الاخلاقي والخداع التكتيكي، للبيت الابيض خلال ولاية الرئيس بيل كلينتون. إلا ان ثمة سؤالاً ظل مخيما على كثيرين بما فيهم الرئيس بوش، وهو في عامه الخامس في البيت الابيض، والسؤال هو: الى أي نهاية؟ ما هي الاغراض التي يمكن تحقيقها بواقعية باستخدام اكبر ثروة وقوة وخبرة عسكرية توضع تحت سيطرة زعيم في التاريخ؟
تساقطت الكثير من القضايا التي وردت في حملة بوش لانتخابات الرئاسة عام 2000 خلال محاولات ادارة بوش مقابلة آثار الصدمات المفاجئة لـ11 سبتمبر 2001، والحرب في كل من افغانستان والعراق، وصعود الصين والهند كقوى اقتصادية رئيسية في العالم، والدمار الذي احدثه إعصارا كاترينا وريتا.
لن يترك بوش وراءه حكومة صغيرة، وإنما سيكون قد اشرف على اكبر توسع حكومي منذ الحرب العالمية الثانية. لن تكون تركة بوش شعباً مشرباً بقواعد مالية محافظة وصارمة، كما لن يكون قد أحدث تحولا داخل المحكمة العليا باتجاه القوة المناهضة للإجهاض، التي يميل اليها بوش سياسيا. بوش ليس وحده في مناقضة الأقوال بالأفعال والتصرفات. ولكن هل يمكن ان يكتفي بوش بالقول ان مهمته هي اتخاذ القرارات، وان يقول انه قرر، ثم ابتعد، هو وحتى الآخرون عن التفاصيل؟
والى ذلك فقد برزت الهوة بين الأهداف المعلنة لبوش، والوسائل التي يختارها لتحقيق تلك الاهداف، الاسبوع الماضي عندما رشح هاريات مايرز لرئاسة المحكمة العليا الاميركية، ثم الحديث المتوازن الذي ألقاه حول العراق والحرب العالمية على الارهاب. ولكن اذا كان لمثل هذه الأحاديث والكلمات ان تحل هذه المشاكل الشائكة، لكان بوسع بوش ان يشطبها من قائمة مشاكله، إلا ان هذه الأحاديث لن تحل هذه المشاكل، وبالتالي فإن بوش لا يستطيع حلها. ومن الواضح ان الولاء الشخصي، وليس قضية الاجهاض، او الرغبة غير المرجحة لتجنب معركة مع الديموقراطيين لتأكيد الترشيح، هو الذي املى اختيار مايرز، محامية البيت الابيض غير المعروفة. ولا تشبه خطوة بوش في أي شيء قرار الرئيس الاميركي جون كنيدي بتعيين شقيقه في منصب وزير العدل. ويمكن القول إن ترشيح مايرز هو ايضا جزء من جهود بوش المستمرة لتسطيح الواقع السياسي في واشنطن، وممارسة السيطرة على الوكالات الهامة في الحكومة الفيدرالية، عن طريق تعيين العديد من الموالين من البيت الابيض. ولكن ذلك يطرح السؤال: الى أي مدى؟ وما هو الذي يعتقد بوش انه بوسعه تحقيقه عبر هذه السيطرة بصورة اكثر من تجنب الانقسامات التي ميّزت ادارته الاولى؟
ويتميز خطاب الرئيس حول العراق بالوضوح وتذكيره للرأي العام بنتائج الصراع وراء الابواب المغلقة، الذي استمر اكثر من شهر، والذي اشرنا اليه في مقالات سابقة، لإصدار توجيه أمن قومي رئاسي لمواجهة التطرف الاسلامي. وكان يجب ان ترضي النتيجة المستشارين الذين حثوا الرئيس على التغلب على تردده، بمناقشة التطرف الديني، باعتباره مصدرا اساسيا لـ «رؤية سياسية تتميز بالعنف» بما يمكن له ان يؤدي الى «امبراطورية شمولية» على حسب تعبير بوش. الا ان الخطاب كان متناقضا: فقد امتدح باكستان لمساعدتها على الكشف على شبكة عبد القادر خان لتهريب المواد والمعدات النووية، ولكنه ابتعد عن الاشارة الى عدم تعرض العالم الباكستاني لأية عقوبات قانونية جرّاء تلك الافعال التي تصل، على حسب تعبير بوش، الى جرائم ضد الانسانية. كما لم يشر بوش لرغبة جديدة للضغط على باكستان لتقديم مساعدة حاسمة للقبض على اسامة بن لادن او قيادات طالبان المطلوبة.
وهذه مجرد تفاصيل في الرؤية النبيلة لما يسمى بـ «الاستجابة لدعوة التاريخ« التي حددها بوش مع السلطة. ولكن التفاصيل تشير الى مشاكل مستمرة فيما يتعلق بالتوازن بين الكلمات والأفعال باعتبارها الوسيلة الاساسية لتحقيق المساواة بين الاهداف والقدرات، في مجالات التطبيق بالخارج. أما بالنسبة لبوش، فإن اسبوع الكلمات لم يكن ليضع نهاية لأكثر مهامه عجالة، إن لم يكن قد وضع لها، أي أسبوع الكلمات مجرد بداية.
- الشرق الاوسط
- 10/10/2005
الأقوال والأفعال: محاسبة هادئة للرئيس بوش... جيم هوغلاند
