وراء كل صحفي هارب قصة، قصة طويلة من الألم والمعاناة والغربة والخوف من المجهول.. وراء كل صحفي عائلة، لو ملكت الإمكانية المادية لذبحت كل يوم خروفاً لوجه الله تعالى لعودته سالماً إلى أحضانها.. وراء كل صحفي لجأ إلى الغربة والى متاهات الزمان، وتعقيدات الجوازات، والإقامات، وترك البلاد قضية، قضية من اجلها هجر الديار، ومن اجلها لا يزال يكابد العلقم، رغم مرارته،
ويشرب السم رغم ألمه، قضية هي بالتأكيد تستحق كل هذا وذاك، لأنه صحفي أولاً ، ولأن قضيته هي قصة وطن، ضاع في غفلة من التاريخ، وتسيده محتل لا يرحم!!
لم يحدث ان شهد بلد من البلدان يوماً ضحايا، في مجال الصحافة والإعلام، كما حدث في بلاد الرافدين، التي بات العمل الصحفي فيها، كمن يحمل دمه على راحة يديه، بل ويزيد..
ساحة لا تعرف فيها العدو من الصديق، أو المحتل من المتعاون، أو الجلاد من الضحية، أو القاتل من القتيل، الكل فيها كان له نصيبه من دماء سكان بلاط صاحبة الجلالة.
قتل واعتقال، وخطف وترهيب وتهديد ووعيد، بات أبرز ما يواجه صحفيو وإعلاميو اليوم، الذين سالت دمائهم على مذبح الحرية، حرية القول، وحرية الكتابة، حرية الكلمة، وحرية الصورة، اللتان باتا سيفاً مسلطاً على رقاب من لا يريدون لشمس الحقيقة ان تسطع، أينما كانت، وكيفما كانت.
ثلاثمائة صحفي وإعلامي ويزيد، هم الذين روت دمائهم أرض العراق، بينهم من كان يحمل في جيبه قلماً ليس إلا، وبينهم من كان يحمل على كتفه كاميرا، وبينهم من اكتفى بذكر الكلام، كلام كان يكفي قوله ليكون هدفاً يسيل له لعاب من لا يريدون سوى للظلام أن يحل، من محتلين وأذناباً للمحتل.
قصص وحكايات يلفها الحزن، دفعت بالصحفيين إلى ترك الديار والتغرب، لا بحثاً عن عمل كما اعتاد على ذلك العباد، بل بحث عن دار يؤمّنون فيها على أنفسهم، وعلى عيالهم، وأهليهم.. شدوا الرحال، وقفلوا راحلين نحو مجهول، ومصير لا يعرف قراره إلا من أودع فيهم سر الحياة، تاركين الروح تحت أنقاض الذكريات التي خلفوها بين ضفتي دجلة والفرات، لتذكرهم بمسيرة، انتهت أخيراً بهجرة وغربة، وسوء حال، وأحوال!
صحفية عراقية لها زوج، هو الآخر كان صحفياً، خرج من محل عمله في احد أيام الجور والظلم والاحتلال، ذلك الاحتلال الذي لا يزال قابعاً على صدورنا، وقبل ان يصل إلى صغيراته الاثنتين، طالته يد غادرة، فحولت مداد قلمه، إلى دم أريق على عتبة داره، ولم تنفع حتى صرخات أبنتيه، ولا عويل زوجته، ان يظل معهما، فالقدر اختاره ليكون شاهداً على همجية يندى لها الجبين لمليشيات صنعها المحتل بيديه، وليتحول إلى جثة هامدة بين أحضان أبنتيه، وزوجته التي ثكلت به.
تلك الصحفية التي اهتزت أركان أسرتها، جلست في الدار لتواجه مصيرها بعد مقتل زوجها، وفقدانها لمعيل أسرتها، الذي غادرها إلى حيث لا رجعة، وحينما طال سواد الليل الحالك، قررت ان تعود إلى العمل بعد عام ونصف من الجلوس في البيت بلا معيل، فعادت إلى مهنتها التي لا تجيد غيرها، ملتحقة بفيلق الإعلام ثأراً لزوجها، بعد ان هجرته ردحاً من الزمن، ولتقول كلمة لا تريد من ورائها سوى قول الحق في زمن السكوت، ولتتمكن كذلك من تربية أبنتيها اليتيمتين، فراحت تعمل في صحيفة لا يكاد يقراها احد، لكن تلك الكلمة جعلتها تدفع الثمن غالياً، وغالياً جداً حينما اضطرتها المليشيات لأن تلتحق بزوجها، وأن لم تختر لها طريق الموت، لكنه طريق لا يقل عن الموت سوداوية، بل وربما يكون الموت أحياناً أهون منه، وهو طريق الغربة، والتشرد، والضياع، فاضطرت إلى ترك دارها الذي كانت تسكنه، وتهجر منطقتها، بعد تهديد بخطفها، وخطف أبنتيها، ان لم يكن الموت مصير الثلاثة، رغم كونها أنثى، وأم لطفلتين، وأرملة زوج اغتيل غدراً، والسبب موضوع كتبته على صفحات جريدتها، لم يعجب من والى الاحتلال!
اتجهت تلك الصحفية إلى حيث الحدود، ولا تعلم وجهتها إلى أين ستكون، فأستقر بها المقام مع طفلتيها ووالدتها في سوريا، لتبدأ من هناك رحلة أخرى، رحلة ظلم الغربة، وجورها، وقسوتها، بعدما جربت في داخل العراق المحتل ظلم المحتل وجوره وقسوته.
صحفي كبير، كان لأسمه وقع في الساحة الصحفية العراقية، فهو قبل فترة الاحتلال عرف عنه صاحب مؤسسة، تخرج من بين ثناياها معظم الصحف الأسبوعية، ان لم يكن جميعها، وأحد تلك الصحف، الصحيفة التي كنت أعمل فيها، ما جعلني أكون قريباً من مؤسسته، التي كانت كخلية نحل لا تهدأ ولا تنام، في عمل متواصل ليلاً ونهاراً.. هذا الصحفي عرفته من قريب، كان يأتي بوارد مؤسسته عند رأس كل شهر، ويأخذ في توزيعه على العاملين، ثم يخرج نسبة كان يخصصها لأكثر من ثلاثين عائلة فقيرة، كل حسب حجم عائلته، دون ان يترك لنفسه شيئاً، بل ويضطر ان يستدين ليفي بمتطلبات العمل، رغم وارد المؤسسة الكبير، حتى انه كان يرفض الزواج، لأنه كان يرى في هذه المؤسسة أسرته، والعائلات التي تعتاش منها، عائلته، فكان يقول أخشى ان يأخذني الزواج من حضن عائلتي تلك.. جاء الاحتلال، وجاءت معه اللعنات على الشعب العراقي، ومن بينهم مؤسسته، التي رفضت أن تنتج صحف موالية للاحتلال، فجاءه الويل والثبور، من بين يديه، ومن خلفه، ومن حيث لا يحتسب، ومن كبار رجالات السلطة الحالية، فأضطر إلى بيع مكائن الطباعة والمونتاج خاصته بسعر بخس، بل وأبخس من بخس، حتى مكتبته التي تضم مجلدات نادرة، وكتب قيّمة، لا تحويها أرقى المكتبات العراقية والعربية، أضطر إلى بيعها بسعر ألف دولار لا غير، وهو سعر لا يمثل القيمة الحقيقية لأبسط كتاب تضمه! قبل أن يتخلى عن أرشيفه الضخم من الصور الفوتوغرافية، التي ظل عشرات السنين يجمع بها، بعد ان جاءه التهديد على عجل في إغلاق المؤسسة، وترك الدار، والمنطقة، فاضطر بالتالي إلى ترك البلد بأجمعه.
كانت وجهته، كحال مئات الصحفيين، إلى الغربة، التي باتت هي الملاذ الآمن للصحفيين، وراح يسكن في منطقة بعيدة عن المدن الواسعة والكبيرة، جالساً في دار ه وحيداً، مع بقايا أسرة له تشتت هنا وهناك، وعينه ترقب الدرب الذي سار فيه باتجاه المجهول، علّه يعود به يوماً إلى ذات المكان الذي غادره، كاره غير راغب.
كل من في الوسط الإعلامي يدين لهذا الصحفي، إن لم يكن بوقفاته له، فبأخلاقه الرفيعة التي جعلته رمزاً للصحفي النظيف، والذي ظل مستقلاً عن أي تيار، أو حزب، أو جهة، لأنه كان يؤمن بان الحياة تستقيم، حتى بغير سلطة، سلطة كان قادراً على الظفر بها، وبكل يسر لو أرادها.. وهاهو اليوم يدور على عدد من صحف الغربة علها تنشر له مقالة، أو عمود صحفي، يتمكن من خلال الحصول على ثمنه، من تحمل أعباء غربة قاتلة، قتلته بالفعل، وان كان حياً يرزق.
ان الحال الذي انتهى عليه هذا الصحفي هو خير مثال لنموذج العراق الجديد الذي رمى بكل أبنائه إلى جحيم لا يطاق، جحيم سلب هذا البلد خيراته ومقدراته وقبل ذلك أبنائه، وخصوصاً كفاءاته وكتّابه وصحفييه، الذين لا يقدّرون بثمن!
ليس أقل من هذا ما عاناه مصور صحفي، دفعه عمله وتصويره لأحداث ما كان يجري في العراق إلى هجر الديار باكراً من أرض الفراتين، هذا المصور الذي كان يعمل لعدد من الوكالات، وضعت قوات الاحتلال صوره عند مداخل مدينة الرمادي، ومعها جائزة مالية لمن يدلي بمعلومات عنه، والتهمة تصويره ما لا يرضي تلك القوات.
حينها أدرك المصور خطورة الوضع، وبات يعلم ان حياته على شفا هاوية، فوضع طفليه في سيارة، وكانت وجهته حدود العراق، فخرج ولم يعد منذ أعوام، وهو يعيش اليوم في غربة قاتلة، ويجلس في البيت، كما يجلس العاطلون على مصاطب التسول، وراح يعتاش على بقايا مرتب ظلت وكالته تصرفه له، وفاء منها لصحفي، أجاد في فضح المحتل في مدينة الرمادي، يوم كانت مدينة الرمادي واحدة من المدن العصية على المحتل، وأخطرها على وجوده في بلاد الرافدين.
مجزرة حديثة الشهيرة، والتي قتل فيها أربعة وعشرين مدنياً، بينهم أطفال ونساء وكهول وطلبة مدارس، أضطر من قام بتغطية أخبارها وتصويرها ونشر وثائقها السرية إلى الهرب واللجوء إلى دول أخرى، بعد ان طالت يد الاحتلال عدد ممن شاركوا في كشف تفاصيلها، فطاردتهم، دون حياء أو وجل.
أحد الصحفيين تم اعتقاله على خلفية قيام منظمة حمورابي لحقوق الإنسان بتسريب صور إلى مجلة التايم الأميركية، التي فجرت تفاصيل مجزرة حديثة، وأظهرتها إلى العلن، كاشفة بذلك النقاب عن أبشع جرائم العصر، التي ارتكبتها القوات المحتلة بدم بارد ضد مدنيين عزل دون ذنب جنوه.
هذا الصحفي قام بتزويد منظمة حمورابي بالصور التي رفضت في البداية جميع القنوات نشرها، قبل ان تقوم المنظمة بترتيب نشرها مع مجلة التايم الأميركية، ما جعل هذا الصحفي، ومعه صحفيين آخرين مطاردين، إذ راحت القوات المحتلة تقتنصهم الواحد تلو الآخر، فأعتقل من أعتقل ونجا بنفسه من نجا، بهربهم ولجوئهم إلى خارج العراق!
إعلامية عراقية، فاجعتها كانت أكثر من سالفيها، وهي التي كانت تعد، وتقدم برامج في إحدى القنوات المحلية، فجاءها التهديد صريحاً، واضحاً، لا لبس فيه، من إحدى المليشيات، مطالبة إياها بترك البلاد في غضون ساعات، وإلا فإنها ستدفع حياتها ثمناً لذلك..
قررت الامتثال لطلباتهم والخضوع لها، رغم جورها، وقررت مغادرة العراق، فسارعت إلى زوجها وطلبت منه ترك عمله والهرب معها، وحينما وصلت إلى دارها في منطقة الحرية، لتأخذ حقيبة ملابسها وأشيائها الثمينة، وجدت بالباب من يمنعها، ويرفض دخولها، وان عليها النجاة بنفسها، دون أن تأخذ شيئاً معها، ولم تنفع توسلاتها، فغادرت البلاد بحقيبة يدها بدلاً من حقيبة ملابسها، وحقيبة سفرها، وأجبرت أن تتخلى حتى عن مصوغات ليلة عرسها.. اتجهت إلى الحدود وغادرت على مضض، وألم الحسرة والغصة تلاحقها، قبل أن يتم إبلاغها، قبل ان تجتاز قدمها حدود العراق المحتل نحو المجهول، ان دارها أحرقت بالكامل بما فيها.
معاناة مستمرة تتفاقم مع كل يوم يمر، ولا يزال الصحفيون يقبعون خارج البلاد، هاربين من جور الزمان، وجور المليشيات، وبنادق المحتل، التي كالت عليهم، نتيجة كلمة قالوها، أو لقطة وثقوها، كان ثمنها غربة لا ترحم، غربة لا عمل فيها، ولا ما يُمكنهم من تأمين قوت عيالهم، بانتظار ان تذهب تلك السحابة السوداء عن سماء سلطتهم الرابعة، ويعودوا كُتاباً وصحفيين وإعلاميين، وحتى ذلك الحين، ستظل كل هذه الأشياء آمال وتمنيات.. مع وقف التنفيذ!!
حسين المعاضيدي
almaadidi_hussein_(at)_yahoo.com
وراء كل صحفي هارب قصة!! حسين المعاضيدي
