حالة الخلاف الشيعي - الكردي مرشحة لأن تكون أفقاً لغير طيف عراقي لا تحتكم فيه المكونات الطائفية والإثنية وجموحاتها إلي نصاب وطني عابر لها.
وقد لا يكون الخلاف بين الحكومة المركزية في بغداد وبين القيادة الكردية سوي فصل من فصول انقسامات باتت تتغذي من نفسها، كوعيد نموذجي بالتفكك وانفلات الأمور من عقالها، ذلك أن نجاح طرفي النزاع في تأزيم بعضهما البعض الآخر وفي اللجوء إلي مناورات وتكتيكات تدور علي حشر الطرف الآخر والحصول علي أكبر حصة من الكعكة، يولّد وضعاً يخشي أن تتقلص فيه فرص اعتماد التفسيرات الدستورية فيما يتزايد منطق الغلبة جموحاً وهوي. لا داعي للخوض في تفاصيل المناورات والتكتيكات ولا لاستعراض أخطاء وخطايا كلا الفريقين، فهذه ليست أسباباً ولا نتائج بل هي أقرب إلي أن تكون عوارض تأزم بين اللاعبين الذين لم يبخلوا في مناكفة بعضهم البعض من دون أن يغيب عن بالهم جميعاً أن هدف اللعبة هو سعي كل فريق إلي احتواء مطالب الفريق الآخر، إضافة إلي تلك الشهية المفتوحة الباحثة بإفراط عن ضمانات سياسية واقتصادية وأمنية، بما ينطوي علي تهديد لتوافقات وعهود لم تفارقها بعد الهشاشة وسرعة العطب.
فمسائل من نوع النزاع علي كركوك والحصص في العائدات النفطية، إضافة طبعاً إلي عدم امتلاك الحكومة المركزية سلطة فرض ضرائب علي إقليم كردستان، تحتوي علي قدر من التناقض المادي والرمزي، يكفي لتأسيس أوجه للقصور. الشهية ذاتها هي ما يميز النشاط الدائب لحكومة نوري المالكي حيث تكثر من ترشيح مؤيدين لها في مناطق تتجاوز حدود نفوذها التقليدي بحيث باتت الممارسة هذه تتسبب في إحراج الحلفاء. الفكرة المحركة للشهية المفتوحة هذه تتلخص في الرغبة في الحصول علي أكبر قدر ممكن من المناصب والمقاعد سواء التي يحل فيها أصحابها بالتعيين أو بالانتخاب، بغية ضمان حسن سير آلية تجديد الزعامات الحزبية والطائفية من خلال الدورة الزبائنية المعروفة، وفق مبدأ التوافق الذي اجترحه العراقيون منذ الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003. وإذا كان المكون الكردي يطالب بتحسين مواقعه في السياسة العراقية خارج إقليم كردستان، فإن المطلب المشابه الذي يخرج به المكون الشيعي علي مريديه يعتمد علي ما يكاد يكون النقيض التام لسلوك المكون الكردي.
يريد المكون الشيعي استعادة كامل حقوق الشيعة التي يري أن توافق المكونات قد اجتزأها. وليس من سبيل إلي ذلك سوي التماهي مع كتلة طائفية تتكفل، ولو عنوة واقتدارا، إعادة الحق إلي نصابه، وهي عودة دونها الأهوال كما يفهم كل لبيب، خصوصا وأن زبدة كلام بعض أطراف الائتلاف الشيعي تذهب إلي إحياء صورة طبق الأصل لتلك التي كانت سائدة في البلاد عشية الحرب الأهلية عامي 2006 و2007. وبدلاً من ترسيمها الخط الفاصل بين الدستوري والطائفي وتمهّد لموازنة لم تكن دائماً سهلة بين إحراز المكاسب والتمسك بالتعايش، وبين أن تكون الطائفة الشيعية أكبر طوائف البلد وأن تكون، في الوقت نفسه، ذات حسّ أقلي وديمقراطية تمليه، بين أمور أخري، طبيعة الوطن وتركيبته، وجدت هذه الأطراف فكرة "المظلومية" وصفة جاهزة في بناء خطابها السياسي.
من هنا حدث الاختلال الخطير في الموازين السياسية والاجتماعية والثقافية. وإذا أضفنا ذواء المحاولات الحزبية الشيعية التي حاولت الخروج من النزعة الطائفية من أجل تغيير يفضي إلي تطوير حياة دستورية، تتراءي عناصر السياسة المتمثلة بالفكر المظلومي الذي سيساهم عاجلاً أم آجلاً بتدمير تجربة الحياة الدستورية برمتها. إزاء وضع كهذا، ينبغي التذكير ببعض الحقائق التي قد تغيب عن الذهن: أولي هذه الحقائق أن العراقيين مرغمون علي العيش المشترك، لا لسبب إلا لأن الأطياف العراقية جميعها غير مستعدة لقبول أي اتجاه يخالف هذا الاتجاه حاضراً ومستقبلاً. وثاني هذه الحقائق التي ينبغي الإقرار بها هي أن العراقيين عاشوا نحو ثلاثة عقود في صحبة الموت الذي فاق كل توقع: الموت في حروب مدمرة أو في زنزانات تفوح من بين جدرانها رائحة الدم. وبالتالي فإن الخلافات الحالية التي تعصف بالمفاهيم الدستورية لا يجب أن تدفع إلي الانخراط في منطق النظام السابق الذي حكم علي البلاد بالإعدام دون جريمة.
وإن كان الإقرار بالعيش المشترك أولاً وبالإقرار ثانياً بأن التجربة السابقة علي قسوتها تفتح آفاقاً لقيام دولة دستورية، تبرز حقيقة ثالثة وهي أن النصوص الدستورية قد تتعرض لتعديلات جوهرية أم لا أو انتكاسات هنا أو هناك، ولكن الثابت أن الكيان العراقي دخل منذ أبريل 2003 في مرحلة نوعية جديدة لا محيد عن التراجع فيها. من هذا الإقرار بالذات تنبع الحقيقة الأخيرة وهي أن الظروف الداخلية والإقليمية الصعبة لا تنفي مسؤولية التيارات السياسية العراقية في الوقوف بوجه الطامعين بالتمثيل الأوحد. وإن كان للمسودات المطروحة للتعديلات الدستورية من مغزي حقيقي، فليس هذا المغزي في شخص بعينه، إنه فقط في إعادة تشكيل سلطة سياسية موحدة تكون غطاء مؤسسياً للدولة الدستورية العتيدة.
زجل دستوري عراقي (3-3) زهير المخ
