هيئة علماء المسلمين في العراق

زجل دستوري عراقي (2) بقلم : زهير المخ ..
زجل دستوري عراقي (2) بقلم : زهير المخ .. زجل دستوري عراقي (2) بقلم : زهير المخ ..

زجل دستوري عراقي (2) بقلم : زهير المخ ..

لقد تنبّه إلى هذا التناقض غير داعية عراقي، ولكن محاولات معالجته بقيت، في الإجمال، غير مقنعة لإغفاله تلك العلاقة الحميمة بين مدى الولاء لنصوص الدستور ومدى تطابق هذه النصوص مع تطلعات المجتمع أو على الأقل مع تطلع الفئات المؤثرة سياسياً فيه. وإذا كان ثمة غموض متعمد في عدد من الصياغات الدستورية، فإن هناك حاجة ماسة إلى ترميم العقول والعودة إلى قواعد الإعراب وألف باء مفاهيم بديهية.
في هذا المضمار يجدر التأكيد على أن روحية أي دستور وهدفيته ترتكز على تسيير شؤون الدولة يومياً وباستمرارية، وكل وقف لهذا التسيير هو خرق فاضح للدستور. فالحكومة، هنا، ليست سوى سلطة "إجرائية" وليست هيئة حوار وليس الائتلاف الحكومي الواسع مجلساً نيابياً مصغراً. 

ويستعمل الدستور العراقي عبارة "إجرائية" بشأن السلطة التنفيذية، واختزال المشاركة في "الحكومة" بات منحى تسلطياً لاكتساب موقع لا الانخراط في شأن عام أوسع وجامع.

كما أن البرلمان هو المكان الدائم للحوار، وهذا ما ركز عليه واضعو الدستور، إلا إذا كان الكيان العراقي وطناً قيد التأسيس الدائم.

أما  الدولة فهي التي تمتلك وحدها القوة المنظمة، إضافة إلى أن المرجعيات في تفسير الدستورية المستقرة والقضاء وعلماء الدستور، هي الجهات المعنية في تفسير النصوص الدستورية وليس كل سياسي وكل عابر سبيل.

وفي الشؤون الدستورية خاصة مجال الاجتهاد محصور نسبيا وعلى المستوى العالمي والمقارن، على عكس التوسع في الاجتهاد في القوانين المدنية وقانون العقوبات وتشريعات التجارة والتبادل والإدارة العامة.

ويبدو أن ضعف تجربة الدولة الدستورية، وضعف التسليم بها مقابل الولاء لتشكيلات تجمّعيّة، دينيّة ومذهبيّة وإثنيّة، إضافة إلى ضعف التقليد السياسيّ وعدم الاحتكام إلى المؤسسات، ساهمت جميعها في اختلاط بين مفهوم المواطَنة بالهويّة الطائفيّة، ومفهوم الدستور بالمسلّمات المطلقة.

ربما يصح، هنا، إبراز عدد من المفارقات اللافتة بين دلالات بعض النصوص الدستورية من جهة، والذهنية أو العقلية التي يجري من خلالها التعامل مع تلك النصوص من جهة أخرى، من منظور الثقافة السياسية الذي يجري من خلاله فهم وإدراك النصوص وطريقة استخدامها في الحياة السياسية اليومية، أي في لغة الثقافة السياسية السائدة والمعاشة. فمن النصوص التي تذهب في اتجاه التشديد على حقوق المواطن تشدّد على تمتع جميع المواطنين بالحقوق المدنية السياسية، إضافة إلى صون "الحرية الشخصية"، ناهيك عن النص على "حرية الاعتقاد".
في هذا المجال، لا يشكل النص الدستوري المذكور أعلاه أي قطيعة جذرية مع الماضي، فقد تقلّص دور المواطن - الفرد، ليفرض عليه بدواعي الأمر الواقع، خيار الانتماء الحتمي للطائفة أو الإثنية وممثليها السياسيين؛ فإذا كبرت الدائرة تحكمت أكثرية طائفية بأقلية طائفية، وإذا صغرت الدائرة، غلب التمثيل الطائفي على التمثيل الوطني. هكذا تكاد تدور محنة المواطن العراقي في دائرة مغلقة.
فهل استطاعت بعض النصوص الدستورية فتح ثغرة نحو أفق من المواطنة المستقلة؟ أين تقع المواطنة وحقوقها السياسية في هذا الحراك الطائفي؟
ربما أن ثمة دينامية ما من العلاقات الزبائنية تربط ما بين المواطن وطائفته أو إثنيته، حيث يجري في هذه الدينامية من العلاقات، إعادة تجديد لما كان ابن خلدون سمّاه بالولاء العصبوي - الديني، وهو ولاء، حسب تحليل ابن خلدون، لا يقوم فقط على النسب والوازع الديني فحسب، بل أيضا على المصلحة. وهذا الولاء من شأنه أن يحوّل الطائفة أو الإثنية إلى عصبية، أي إلى مشروع سياسي يتم من خلاله توصيفات ابن خلدون: "الانقياد" و"الانتظام" و"المناصرة" و"الالتحام" و"النعرة".
هكذا تبدو اللعبة حتى الآن على الأقل بعيدة نوعاً ما عن التشنج ما دام أطراف النزاع يحرصون على عدم الانجرار إلى ما يتعدى فلوكلوريات التراشق بمواد الدستور وتفسيراتها. في هذا الشأن، تأتي عملية تحديد الصلاحيات بين الحكومة المركزية في بغداد والحكومات المحلية في المحافظات والأقاليم لتشكل العائق الأكبر أمام انجاز التعديلات على بنود الدستور العراقي.
فبعد تشكيل المجلس النيابي عقب الانتخابات النيابية الثانية ودخول ممثلين جدد عن باقي المكونات العراقية مطلع 2006، تم الاتفاق على إجراء تعديلات على أكثر من 15 نقطة خلافية، وكان تعهد الأطراف بإنجاز التعديلات الدستورية خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر، لكن شيئا من ذلك لم يحصل، بسبب التباعدات الكبيرة وانعدام الثقة بين أطراف اللعبة السياسية.
وما زالت عملية تعديل بعض فقرات الدستور المختلف عليها تراوح مكانها من دون أي تقدم يذكر بسبب تمسك كل طرف سياسي بمطالبه وعدم التنازل عن جزء منها.
ويأتي الخلاف الأبرز بين الحكومة المركزية في بغداد وإقليم كردستان على المواد 110 و 115 من الدستور العراقي، حيث حددت المادة 110 الصلاحيات الأساسية للحكومة الاتحادية رسم السياسات الخارجية والمالية والجمركية والمائية وتنظيم أمور الجنسية والبث والبريد، لكنها لم تحدد الصلاحيات المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، لتأتي بعدها المادة 115 وتنص على أن الأولوية تكون لقانون الأقاليم، وليس للحكومة الاتحادية عند الخلاف على الصلاحيات المشتركة  غير المحددة أصلاً.

أضف تعليق