هيئة علماء المسلمين في العراق

المهجّرون.. مأساة شعب ونكبة أمة! ..حسين المعاضيدي
المهجّرون.. مأساة شعب ونكبة أمة! ..حسين المعاضيدي المهجّرون.. مأساة شعب ونكبة أمة! ..حسين المعاضيدي

المهجّرون.. مأساة شعب ونكبة أمة! ..حسين المعاضيدي

لا يوجد أصعب من أن يترك الإنسان داره، فكيف لو كان تركه للدار قسراً، ورغماً عن إرادته، وكيف لو أنه خرج من داره خالي الوفاض، إلا من المآسي وجبال من الهموم، التي يحملها على كاهليه، ليواجه بها مستقبلاً مجهولاً، رسمه له المحتل، ونفذه بيديه، وأيادي المليشيات الطائفية، والبيشمركة الكردية التي جعلته كدقيق في يوم عاصف نثروه! إذا كان الاحتلال الأمريكي للعراق هو أكثر الأحداث خسة في التاريخ الإنساني الحديث، كما وصفه القاضي الإسباني (بالتاسار جارثون)، فإن التهجير القسري للعراقيين هو من أكثر جرائم هذا الاحتلال التتري الهمجي خسّة، فما جرى لأبناء الرافدين لم يجر من قبل لأي شعب آخر، إذ لم يحدث أن تُهجّر مدنٌ عن بكرة أبيها، هجرة، لا بحثاً عن الكلأ والماء كما اعتاد الناس، بل هجرة قسرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما حدث لمدينة الفلوجة، التي شهدت أكبر عملية تهجير قسري، حينما أضطر ما يزيد على الثلاثمائة وخمسين ألفاً من سكانها إلى النزوح إلى مناطق أخرى، بعد تهديدات أمريكية لهم بدفنهم تحت أنقاض دورهم، في حال بقائهم، وهو ما حدث بالفعل، حيث أطبقت سماء الفلوجة على أرضها على من بقي منهم ورفض المغادرة، في أكبر عملية إبادة جماعية تستخدم ضد شعب من الشعوب، بعد لجوء المحتل فيها إلى استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، ومنها الفسفور الأبيض، الذي أعترف المحتل نفسه باستخدامه ضد هذه المدينة، التي أصبحت أشهر من نار على علم، (بفضل) همجية المحتل وساديته, وآلته التدميرية التي فاقت كل ما هو معقول، ولا معقول.

لقد بدأت سياسة التهجير القسري بشكل منهجي، منذ أن وطئت أقدام المحتلين أرض العراق, وتمثل ذلك في حصار المدن والقرى، والعقوبات الجماعية، والاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين، والاعتقالات الجماعية، والتعذيب، وغير ذلك من الممارسات القمعية، أما الضحايا فتوزعوا بين من لجأ إلى المقابر ليحتمي بالموتى من الأحياء، وبين من اتجه نحو مجهول المدن البعيدة، ليكون مجبراً على عيش حياة أخرى، لم يكن قد أعتادها من قبل، وبين من فضل الموت تحت ركام داره.

إن الأوضاع المأساوية التي يعيشها المُهَجّرون داخل العراق, لا تحتاج إلى مُنظّر أو محلل استراتيجي ليكتشف عمق مأساتها، وأعداد النازحين باتت مرعبة، وسط أوضاع متردية ينقصها كل شيء، يأتي في مقدمتها المأكل والمَلْبَس، فاليوم وبعد ست سنوات على الغزو والاحتلال، وجريمة الحرب على العراق، أخذت تفاصيل جريمة الحرب الظالمة هذه تطفو على السطح، بكل تفاصيلها المؤلمة على الإنسان العراقي، فبعد أن تحوَّل الشارع إلى جحيم لا يطاق، وساحة لتصفية الحسابات المحلية والدولية، طائفية كانت أو سياسية، ظهرت جريمة التهجير الجماعي والنزوح القسري للأسر العراقية داخل العراق، حتى وصل رقم المُهَجّرين قسراً والنازحين داخل العراق فقط بحدود الأربعة ملايين، بحسب تقرير لمنظمة الهجرة الدولية، ومنظمات دولية مستقلة، ليسجل النازحون العراقيون بذلك أعلى نسبة تهجير في التاريخ منذ نكبة فلسطين عام 1948م، وليأتي العراق كذلك في مقدمة الدول الأسرع تنامياً في مجال النزوح والتهجير الداخلي قبل الخارجي، بل إن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وصفت في بيانها يوم 7/1/2007م التهجير الجماعي للعراقيين بأنه، أكبر هجرة جماعية قسرية تحصل منذ الحرب العالمية الثانية.

أما منظمة (أوكسفام) البريطانية, فقد أشارت قبل أكثر من عام إلى رقم أعلى من الستة ملايين حينما أكدت في تقارير لها أن مجموع النازحين والمهجرين العراقيين يفوق الثمانية ملايين لاجئ غالبيتهم من النساء والأطفال والكهول!!
تقارير المنظمات الدولية تشير إلى أن أكثر من 53% من المهجرين نزحوا من العاصمة بغداد ومحافظة ديالى، وأن 15% من المهجرين تم تهجيرهم نحو جنوب العراق, في حين أن أكثر من 33% تم تهجيرهم إلى محافظات الوسط، و27% من النازحين اتجهوا نحو المناطق الشمالية والغربية من العراق، ونسبة ضئيلة اتجهت إلى شمال العراق، كما أن 40% من النازحين عموماً تم تهجيرهم بصورة قسرية بعد تلقيهم تهديدات مباشرة, في حين إن 17% نزحوا من مناطقهم هرباً من الوضع الأمني المتدهور، وخوفاً على حياتهم!

أما مسؤولة مكتب العراق في منظمة الهجرة الدولية (دانا لادك), فقد أكدت صحة تقرير (مجموعة الأزمات الدولية) الذي كشف عن أن خُمس سكان العراق باتوا لاجئين داخل بلدهم، أي ما يزيد على عشرين بالمائة من سكان العراق، في الوقت الذي لجأ فيه ما بين مليونين و 200 ألف, إلى مليونين و 500 ألف عراقي إلى دول الجوار, وبهذا يصل إجمالي عدد المهجرين داخل العراق وخارجه إلى قرابة الستة ملايين شخص، وهو رقم مهول.

إن أحوال مخيمات المهجرين داخل العراق تهدد بوفيات وأوبئة مثل (الكوليرا) و(التيفوئيد) كونها تفتقر إلى أدنى الاحتياجات الصحية والإنسانية، بسبب الأحوال الفظيعة داخل هذه المخيمات على الصعيد الصحي والغذائي والأمني، حيث يشرب قاطنوها مياهاً ملوثة، وإن أكثر ما يحز في النفس هو إغلاق حدود المحافظات الأخرى في وجه المهجرين، إلى جانب أن أعداد المهجرين تتزايد مع كل إعلان عن بداية عملية عسكرية جديدة، فما أن يعلن المحتل عن عملية جديدة حتى نرى أن المواطنين يخرجون بسياراتهم أو سيراً على الأقدام ليهربوا من الموت، فهم يعرفون تمام المعرفة أن المحتل حينما يدخل مدينة يحولها إلى مقبرة جماعية برمشة عين, ولا يردعه في ذلك رادع، خصوصاً وانه أعتاد على ارتكاب المجازر الجماعية والتي ينفذها بأعصاب باردة.

غرب العراق, واحد من المناطق التي تحتضن آلاف العوائل المهجرة طائفيًا من بغداد والبصرة والحلّة ومدن جنوب العراق، وتقطن هذه العائلات اليوم في مدارس أو ساحات عامة، وحتى دوائر أمنية وعسكرية سابقة، وسرعان ما أصبحوا في عداد النسيان على الرغم من ازديادهم المتواصل.

خيام خانقة لا تعد ولا تحصى في ارض غير مأهولة, وصحراء مترامية الأطراف تموج بها رياح الشتاء القارصة البرد, و شمس تموز وآب اللاهبتين, وأنفاس الصحراء، الحامية الوطيس، هي مساكنهم اليوم، وبيوتهم التي ساقها إليهم القدر.
عدو آخر ليس بأقل خطراً من خطر العدو المحتل، ألا وهو المليشيات، الذين جاءوا بأوامر وأجندة خارجية وطائفية، فراحوا يهجرون كل من يخالفهم في الدين والعقيدة في بعض المناطق المختلطة، دينياً وعرقياً وقومياً، ليرتكبوا جريمة أخرى تضاف إلى جرائم المحتل بحق هذا الشعب المقهور، ولم يكتفوا بذلك، بل عمدوا إلى هدم وتفجير دور المواطنين الذين يتم ترحيلهم، حتى لا يكون لديهم أمل بالعودة إلى هذه المناطق، وليحكموا عليهم بالتشرد والتشريد لما تبقى من أعمارهم، وليبدأوا من جديد رحلة أخرى بعد أن عادوا إلى نقطة الصفر، فالمليشيات منعت البعض حتى من اخذ أغراضه وأثاثه وحاجياته وأمواله، فكانوا أشد نكاية بالمسلمين، وعلى المسلمين، من اليهود والمحتلين أنفسهم، وهو ما يكشف حقيقة هذه المليشيات والقيادات التي تقودها والجهات التي تأتمر بأوامرها.

البعض لم يجد ملجأ له في المدن, خصوصاً بعد أن راح المحتل وعملائه يستهدفون المهجرين، ويعتقلون منهم الكثير الكثير، فأضطر عدد من هؤلاء إلى الإقامة في الصحراء، مستعينين بخيام، لا تتسع لنصف العائلة، لكنهم مضطرون، ولا سبيل لهم غير هذه الخيام.

الموضوع لم ينته عند هذا الحد، فالبيشمركة الكردية كان لها دورها وحصتها في هذا الموضوع، فهي لعبت دوراً كذلك في تهجير مئات الآلاف من العراقيين من دورهم ومساكنهم، في أكبر عملية (تكريد) يشهدها التاريخ، حيث قامت بتصفية العرب والتركمان وعدد من الأقليات من مناطق واسعة من محافظة التأميم (كركوك)، في محاولة منها لجعلها ذات غالبية كردية، لتتمكن من تنفيذ مخططاتها فيما بعد, وهي ضم هذه المدينة إلى إقليمها، ودولتها المستقبلية المزعومة، التي تخطط لإقامتها.

وتكررت جريمة البيشمركة في مناطق جلولاء وخانقين ومندلي التابعات لمحافظة ديالى، إلى جانب مناطق أخرى شاسعة من محافظة نينوى، والتي عملت على ترحيل الآلاف من سكانها، ليلاقوا نفس مصير إخوانهم في الوسط والجنوب، بل وحتى مناطق كردستان تم تهجير الكثير من أبناء الإقليم على أسس قومية وعنصرية، فقد تسارعت وتيرة نزوح المسيحيين من قرى وقصبات في سهل نينوى، المحاذي لـ(الكيان الموعود)، فمدينة الحمدانية وحدها استقبلت أكثر من ألف عائلة مسيحية، تم تهجيرها من مناطق الشمال، أو محاذية لمحافظات الشمال الثلاث، وعمليات التهجير القسري للمسيحيين هذه تُمارس بواسطة المركبات الحكومية التابعة لقوات الأمن الكردية، فلا مصلحة لأي جهة من تهجير العائلات المسيحية وإجبارها على النزوح سوى الأكراد، الذين يرومون (تكريد) الموصل، كما قاموا بتكريد كركوك خلال السنوات الماضية من عمر الاحتلال.

إن نشر هذه الحقائق، وتعريف العالم بأبعاد جريمة التهجير القسري للعراقيين، والموقف القانوني والأخلاقي المطلوب منها، يزيد من مقاومة الشعب العراقي للاحتلال، ويثبت حقوقه، وحقوق أجياله القادمة، إلى جانب تهيئته الأساس القانوني لمحاسبة مجرمي الحرب، وانتزاع حقوق العراق منهم.. فلابدَّ من وقفةٍ لإنهاء هذه المهزلة التي صُنِعت في أمريكا، وصُدِّرت للعراق رغماً عن أنفه، بقيادة مُصدّري الحرب في أمريكا.

قلوب بائسة وحياة بطعم الحنظل تزداد مرارتها كل يوم، وما أن يأتي يوم وينقضي، حتى يأتي يوم آخر تزداد فيه ضائقة الصدور، فكلما مر يوم صعب جاء بعده يوم أصعب، ومشاهد تدمي القلب لأطفال جوعى، وأمهات ثكلى، وعوائل مشردة.. فما لهذا العالم صامت، لا يُحرِّك ساكناً أمام هذه الخطط، التي ينحني أمامها الشيطان!!

almaadidi_hussein_(at)_yahoo.com

أضف تعليق