هيئة علماء المسلمين في العراق

هل ينجح الإسلاميون الأتراك في اقتحام أوروبا العلمانية؟... د. رغيد الصلح
هل ينجح الإسلاميون الأتراك في اقتحام أوروبا العلمانية؟... د. رغيد الصلح هل ينجح الإسلاميون الأتراك في اقتحام أوروبا العلمانية؟... د. رغيد الصلح

هل ينجح الإسلاميون الأتراك في اقتحام أوروبا العلمانية؟... د. رغيد الصلح

استجابت تركيا منذ عام 1963، للعديد من الشروط التي وضعها الاوروبيون او ما دعي بـ”معايير كوبنهاجن” كشرط لانضمامها الى السوق/الاتحاد الاوروبي مثل الغاء عقوبة الاعدام وتعزيز المساواة بين الرجل والمرأة. وعندما تولى الاسلاميون بزعامة اردوغان الحكم عجلوا في هذا المسار، وقاموا بخطوات اضافية وغير متوقعة على هذا الصعيد مثل جمع وزيري خارجية الباكستان و”اسرائيل” في انقرة. تأسيسا على ذلك، فان الوفد التركي الذي بدأ التفاوض، في مطلع هذا الاسبوع، من اجل الانضمام الى الاتحاد، بدا اكثر تفاؤلا من الوفود التركية في المفاوضات السابقة. ولا يعود التفاؤل الى ما تم انجازه حتى الآن ولكن لان حكومة اردوغان تشعر بانها اكثر قدرة من الحكومات السابقة على القيام بالمزيد من الانجازات في المستقبل. فهي تملك اكثرية مطلقة (حوالي الثلثين) في البرلمان ودعما كبيرا في الشارع. هذا التأييد يسمح لها بالتفاوض مع الاوروبيين من موضع ثقة وقوة واقتدار ولكن هل هذا يجعل رحلة المفاوضات مضمونة النتائج؟ هل ينجح الاسلاميون الاتراك في ضم تركيا الى اوروبا العلمانية فيما فشل العلمانيون الاتراك في تحقيق هذا الهدف المنشود؟
خلال المفاوضات ابدى العديد من القادة الاوروبيين، خاصة في فرنسا والنمسا وهولندا، شكهم في نجاح هذه المساعي. ولعل اصرح هذه الشكوك واكثرها اقترابا من العقدة الحقيقية التي تعترض طريق انضمام تركيا الى الاتحاد هو ما جاء على لسان الرئيس الفرنسي جاك شيراك. ولقد لاحظ الزعيم الديغولي انه اذا شاءت تركيا ان تصبح عضوا في الاتحاد، فعليها ان تمر “بثورة ثقافية كبرى”. ولكن هل هذا ممكن؟ تساءل شيراك لكي ينتهي الى التعبير عن شكوكه في هذا المضمار. وتتسم تلك الملاحظة بأهمية مزدوجة. اولا لانها تأتي من زعيم فرنسي، بينما يظن الكثيرون ان الثورة الكمالية كانت هي في حد ذاتها ثورة ثقافية تأثرت بمبادئ الثورة الفرنسية وبالقومية اليعقوبية، وثانيا لانها تسلط الانظار على اهمية الثقافة في تكوين التكتلات الاقليمية. فأردوغان لم يكن مجانبا للصواب تماما عندما قال ان الاتحاد الاوروبي هو، في نظر بعض اربابه على الاقل، “ناد ديني مغلق”. وليس من قبيل المبالغة ان يلاحظ المرء ان المكون الثقافي هو عنصر رئيسي في كل تكتل اقليمي ناجح. فالثقافة الايبيرية التي تشمل الاسبانيين والبرتغاليين لعبت دورا مهما في قيام “سوق امريكا الجنوبية المشتركة” (ميركوسور) وفي جذب دول المنطقة بعيدا عن مشاريع الولايات المتحدة لانشاء تكتل يضم دول القارة الامريكية كلها. والثقافة الآسيوية لعبت دورا مهما في قيام رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). لذلك يشدد زعماؤها على استلهام القيم الآسيوية التي ترشح الى سائر الاديان (الاسلام، الهندوسية، الكونفوشية) المنتشرة بين شعوب الدول المنتمية الى الرابطة.
ان الاتراك مصممون على اجتياز هذا الحاجز الثقافي حتى ولو اضطرتهم “معايير كوبنهاجن” الى ما ممارسة الهندسة الاجتماعية والثقافية في بلادهم. المشكلة هنا انه قد لا يكون صعبا على الاحزاب العلمانية التركية انفاذ مثل هذه الهندسة. اما حزب العدالة فانه قد يجد نفسه، في وقت من الاوقات، امام مأزق اذ يجد ان عملية التغيير سوف تطاله هو قبل ان تطال تركيا عموما، وانه بينما يظن انه يغير تركيا حتى تصبح اوروبية، فانه هو الذي يتغير من حزب اسلامي، الى حزب علماني وكمالي فيخسر عندئذ سبب قوته وتميزه على الاحزاب التركية الاخرى. اي انه يخسر وقتها سر مصداقيته المحلية والدولية الرئيسية.
وقد يبدو هذا الاحتمال بعيدا عن التحقق، ولكن بعض المؤشرات تدل على ان مضي حزب العدالة والتنمية في تنفيذ عملية “الاوربة” بدأ يستفز اليمين القومي التركي الكمالي ويزوده بمادة يحارب فيها الاسلاميين. فعلامات التساهل مع الاقليات الدينية والاثنية (العلويين، الاكراد، الارمن) قوبلت بمظاهرات احتجاج كما حصل عندما نظم بعض المؤرخين الاتراك مؤخرا مؤتمرا حول اعمال ابادة الارمن. وامتناع اردوغان عن ارسال القوات التركية الى شمال العراق لتعقب مقاتلي حزب العمال الكردستاني اثار تذمرا بين العسكريين. ولقد لقي هذا التذمر تجاوبا في بعض الاوساط التركية بعدما عاود المقاتلون الاكراد عملهم العسكري ضد اهداف تركية مدنية.
ومن المستبعد ان يعلو صوت المتذمرين اذا لم يصعد الثوار الاكراد نشاطهم ولكن اذا فعلوا فانه من المرجح ان تتخذ المؤسسة العسكرية التركية موقفا علنيا من هذه المسألة. ومن المرجح ان يعود العسكريون الاتراك الى هذا المنحى بعد اجراء تغييرات متوقعة وقريبة على مستوى القيادات العسكرية يحل بموجبها رئيس اركان متشدد محل رئيس الاركان الحالي الليبرالي الاتجاه.
في مواجهة هذه الصعوبات، يستطيع حزب العدالة والتنمية الاتكال على خزين واسع من التأييد الشعبي والدولي ايضا. فهناك دعم واضح امريكي- بريطاني لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. ولقد بذل جاك سترو، وزير خارجية بريطانيا التي تترأس الاتحاد حاليا، جهدا كبيرا لتذليل كافة العقبات امام بدء مفاوضات انضمام تركيا الى الاتحاد. الا انه من الواضح حتى للمبتدئين من طلاب السياسة الاوروبية والدولية، ان الحرص على تعبيد طريق تركيا الى الاتحاد الاوروبي ليس ناشئا عن هوى انجلو- امريكي بالاتراك وبتركيا. الحرص الانجلو- امريكي على انضمام تركيا الى الاتحاد ناشئ عن رغبة في توسيع الاتحاد بأسرع وقت والى ابعد حد حتى يفقد تجانسه وينتهي بذلك الى الابد مشروع “الفيدرالية الاوروبية”، وتبقى الولايات المتحدة وحدها على قمة الهرم الدولي. هذا يعني ان الاستعانة بواشنطن ولندن من اجل اقتحام البوابة الاوروبية سوف يزيد الاوروبيين عنادا وتشددا في وجه الاتراك.
في ضوء ما سبق، فإنه من المتوقع ان تكون رحلة المفاوضات لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي مليئة بالمطبات والمصاعب. المكاسب فيها غير مضمونة، اما الخسائر فقد تكون كبيرة لا يدفع ثمنها الاتراك وحدهم بل تدفع ثمنها ايضا شعوب المنطقة ايضا. ولعله من المفيد ان نتذكر هنا الفارق بين تركيا التي التحقت باحد فريقي الصراع الاوروبي في الحرب العالمية الاولى فدفعت هي والعرب ثمنا باهظا لهذا الالتحاق، بينما آثرت الوقوف على الحياد في الحرب العالمية الثانية فصانت مصالحها وخرجت منها قوة يحسب لها حساب في عالم الحرب الباردة.


التجديد العربي
8/10/2005

أضف تعليق