بعد بضعة أشهر من الأمن النسبي الذي ساد العراق، وظن العراقيون معه أنهم ودّعوا المشاهد الدموية، كما ظن ممن يحاربون لتثبيت مواقعهم على الواجهة السياسية أنهم حققوا أطماعهم.. عاد وحش العنف الطائفي إلى واجهة المسرح العراقي بقوة ليقطع سكون الأمن،
ويقطع أحلام الذين يريدون تحقيق مصالحهم وملء جيوبهم على حساب الشعب الذي يرزح تحت نير البطالة والعوز والحاجة لأبسط مقومات الحياة، فضلا عن الاحتلال والطائفية والقتل على الهوية.
الحقيقة التي لا جدال فيها أن ثمة أطرافاً خارجية تلعب دورا رئيسيا في تأجيج نيران العنف الطائفي والإثني والمذهبي.. يحركها في كل ذلك التنافس المحموم على الكنز البترولي..
هذه الأطراف المتربصة بالعراق لا تريد للاحتلال الأمريكي أن ينسحب خوفا من أن تستعيد المقاومة كرامة العراق واستقلالية قراره الوطني.. لأجل ذلك يعمل المتآمرون بكل الجهد للحيلولة دون وقوف العراق من جديد على قدميه، خوفا من أن يعود -كما كان- قوة إقليمية لها وزنها على الساحة الدولية.
إننا إذ نطالب إدارة باراك أوباما بالتعجيل بالانسحاب، فإننا نطالبها بتحديد جدول زمني واضح يكون سريعا، وليس فيه مواربة ولا تسويف أو مماطلة، فهذا القرار وحده الذي يحفظ لها بعض ماء الوجه، ويجنبها هزيمة مدوية وأكثر وقعا من هزيمة اليابان.
لا أحد يُنصّب نفسه وصيا على شعب العراق، ولهذا فعلى أمريكا أن تغادر نهائيا أرض العراق، فالبقاء في المدن أو خارجها سيان، وكلا الصورتين دليل على استمرار الغزو وحتمية مواصلة الفعل المقاوم، أما التذرع بأن الاحتلال الأمريكي إذا انسحب من العراق قبل أن يستقر هذا البلد، فإنه يكون قد ارتكب خطأ استراتيجياً كبيراً ستنجر عنه خسائر جيو- استراتيجية لواشنطن، وهو ما يعمّق الأطماع الإيرانية، ويقدم عاصمة الرشيد على طبق من فضة لطهران، فهذا التخويف فيه استنقاص من شأن المقاومة العراقية التي حققت في ست سنوات ما عجزت عنه قوى كبرى، ونعني إرغام الأمريكيين على تحيّن الفرصة للانسحاب السريع.
لن تكون الأذرع الإيرانية أشد قوة وأكثر مناورة من القوات الأمريكية الغازية مدعومة ببريطانيا وإيران نفسها..
كانت الإطاحة بالعراق مؤامرة مشتركة، واستمرت على قدم وساق حتى وإنْ تقاطعت المصالح، وتشابكت، وأراد أحد الفريقين أن يُغرق الآخر ليستأثر بالجانب الأكبر من الطبخة.
انسحاب الأمريكيين -اختيارا أم اضطرارا- هو نصر للمقاومة العراقية ولشعب العراق الذي فشل المحتلون والمتآمرون في جره إلى المواجهة الطائفية والعرقية، بل على العكس لقد نجح بتآلف قواه الوطنية والقومية والإسلامية المقاتلة في أن يفضح المؤامرة الكبرى للغزاة الذين يتصارعون في الظاهر، ويشنون الحملات الإعلامية بعضهم على بعض حتى يخال المواطن البسيط أنهم أعداء.
الدور الآن على العرب، قيادات وشعوبا، ولا نعني بالقيادات الزعماء والأنظمة، فأغلب هؤلاء باعوا العراق، ولم يقبضوا شيئا سوى المذلة واستهانة شعوبهم، إنما نعني القيادات الوطنية والقومية والدينية المدعوة إلى البحث عن أهداف مشتركة تؤجّل اختلافات الرأي والمصلحة، وتتمسّك بالقضايا الكبرى، وعلى رأسها قضيتا العراق وفلسطين..
كفى صمتا وانتظارا للمجهول فيما المتآمرون الغزاة يواصلون استهداف الأمة على الملإ..
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
المتربصون بأمن العراق.. العرب اونلاين
