أكدت صحيفة معاريف الإسرائيلية في عددها الصادر قبل أيام أن قيادة الجيش والمخابرات في الدولة العبرية قررت شل حركة حماس سياسياً بعد أن وفرت هذه عبر إطلاقها المكثف لقذائف القسام فرصة ذهبية للقضاء عليها، وأضافت أن الحديث عن منع حماس من المشاركة في الانتخابات غدا مدعوماً بمخططات عسكرية لمواصلة موجة الاعتقالات في صفوف الحركة.
في هذه الأجواء تبدو حركة المقاومة حماس في وضع بالغ الحرج بعد أن تكاثرت عليها السهام خلال الأسابيع الأخيرة؛ ليس من قبل الإسرائيليين فحسب، وإنما أيضاً من قبل الولايات المتحدة والوضع العربي والدولي، إلى جانب السلطة الفلسطينية وحركة فتح التي أخذت تتعامل معها على نحو يتجاوز الخصومة السياسية ليدخل في دائرة العداء في بعض الأحيان، فيما ينضم إلى هؤلاء جميعاً فريق عريض من أعداء الظاهرة الإسلامية برمتها؛ والمقاوم منها بشكل خاص، وقد وصل الأمر بالبعض حد التشكيك بمسارها السياسي وإمكانية تغييره، تبعاً لتصريحات نقلت على لسان أحد قادة الحركة في الضفة (محمد غزال) بشأن إمكانية تغيير ميثاق الحركة، على رغم نفيه لاحقاً لما نسب إليه، ونفي آخرين في القيادة لوجود أية توجهات على هذا الصعيد.
والحال أن مقولات تكرار حماس لتجربة فتح في التراجع عن الثوابت ما لبثت تتردد طوال ثمانية عشر عاماً، أي منذ أن تأسست الحركة نهاية العام 1987، لكن ذلك لم يحدث، ولن يحدث، لأن حماس لا تتعامل مع الصراع بوصفه صراع حدود وإنما صراع وجود، وفي حين يمكنها التعاطي مع الوقائع الموضوعية على الأرض، والتي لا يمكنها التمرد عليها، فإن موقفها من الصراع سيبقى هو ذاته لا يتغير. ولعلنا نشير هاهنا إلى أن فتح لم تأخذ وقتاً طويلاً كي تغير برنامجها، فقد تأسست في العام 1965 لتحرير الأراضي المحتلة عام 48، وبعد عامين احتل ما تبقى من فلسطين، ولم تمض سوى سبع سنوات حتى غيرت برنامجها وأصبحت تطالب بتحرير الأراضي المحتلة عام 67، فأين ذلك من تجربة حماس وإصرارها على برنامجها طوال ثمانية عشر عاماً؟!
نعود إلى الهجمة الشرسة الجديدة على حماس لنقول، إنه ليس من العيب الاعتراف بأن بعض الارتباك قد وسم سلوك الحركة خلال الشهور الأخيرة، تحديداً منذ أن بدأت ملامح الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، بل ربما بعد أن أخذت الحركة قرار المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي، وقد وفر هذا الارتباك مادة للهجوم عليها من قبل المناهضين لها، مع أن هؤلاء كانوا سيهاجمونها في أي حال حتى لو قاد خطواتها لقمان الحكيم، لاسيما بعد أن نجح خيارها المقاوم في فرض الانسحاب من قطاع غزة.
من المؤكد أن السلطة الفلسطينية قد فرحت بقرار حماس المشاركة في الانتخابات، ليس بالطبع حباً بالمنافسة الشريفة وصورة الديمقراطية الفلسطينية، بل لكي تمنح نفسها الشرعية الكافية لتمرير خطواتها الإشكالية التالية، والخلاصة هي أنها تريد مشاركة من حماس لا تمنحها القدرة على التأثير الفاعل، فضلاً عن تعطيل القرار، تماماً مثل زميلاتها من الحركات الإسلامية التي شاركت في البرلمانات العربية وحشرت في إطار منح الشرعية لقرارات إشكالية من دون أن تكون قادرة على تعطيلها.
بالمقابل أرادت حماس مشاركة تمنحها القدرة على تعطيل القرار، وأقله المشاركة الفاعلة فيه، وهنا تحديداً بدأت الإشكالية، إذ أخذ جماعة السلطة يتعاملون معها بمنطق العدو الذي يريد سرقة ما في أيديهم.
هكذا صارت حماس هي العدو الذي ترصد أخطاؤه . وفيما بدأت الاستعراضات العسكرية من قبل الجبهة الديمقراطية ، والجهاد ، والجبهة الشعبية، فإن استعراضات حماس كانت المشكلة، وحين وقع انفجار جباليا الذي تبدو الأصابع الإسرائيلية واضحة فيه، وربما بتواطؤ من قبل بعض رجال السلطة، جرى استغلاله على النحو البشع الذي تابعناه، مع أن من استشهدوا هم عناصر الحركة وأنصارها.
من جهته كان شارون قد دخل على الخط بإعلانه رفض مشاركة حماس في انتخابات الضفة الغربية، الأمر الذي أيدته واشنطن، ثم الرباعية الدولية، وفي حين تقف القاهرة موقفاً رافضاً لأي دور قيادي لحماس في خاصرتها الفلسطينية (غزة)، إلى جانب التراجع السوري بسبب الضغوط المكثفة، ومعه الوضع العربي برمته، فإن حماس قد غدت في وضع بالغ الصعوبة، ما فرض عليها تجديد إعلان التزامها بالتهدئة على النحو الذي كان، الأمر الذي لم يؤد إلى نتيجة تذكر، إذ تعرضت لحملة اعتقالات في الضفة لم تعرفها حتى أثناء عملية السور الواقي ربيع العام 2002، وهي حملة ذات صلة واضحة بمشاركتها في الانتخابات، لكن دوافعها الأخرى المتعلقة بعموم القضية الفلسطينية تبدو أكثر أهمية.
يذكرنا هذا الوضع الذي تعيشه حركة حماس هذه الأيام بوضع مماثل عاشته بعد أوسلو ومن ثم تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، وازداد وضوحاً في العام 1996 حين أجريت الانتخابات التشريعية ويوم التقى قادة العالم أجمع في قمة شرم الشيخ الشهيرة للتضامن مع الدولة العبرية والتنديد بالحركة و"إرهابها" الذي تمثل حينها بعمليات الرد على اغتيال الشهيد يحيى عياش.
من الواضح أن أداء الحركة في مواجهة تلك المرحلة كان أفضل من هذه المرة، فقد رفضت المشاركة في المجلس التشريعي، في حين كان موقفها واضحاً حيال مسار العلاقة مع السلطة؛ المعارضة الإيجابية والصبر على الأذى، إلى جانب الإصرار على إبقاء راية المقاومة مرفوعة بما تيسر، مع تهدئة غير معلنة تمثلت في الاقتصار على عمليات مسلحة ضد المستوطنين والجنود في الأراضي المحتلة عام 67، وأحياناً بأسماء أخرى غير كتائب القسام مثل كتائب عمر المختار.
على أن ما ينبغي قوله رغم ذلك كله هو أن حركة لها كل تلك الجذور الدينية والاجتماعية والجهادية ، وذلك الإرث الرائع والمميز من العطاء والشهداء، لاسيما من القادة الاستثنائيين، لا يمكن أن تكون برسم التراجع، فضلاً عن الاندثار بسبب هجمة عاتية عليها، أو بسبب خطأ سياسي مهما كان، ما يعني أننا واثقون من قدرتها على تخطي هذه المرحلة حتى لو تكبدت خلالها المزيد من التضحيات والمعاناة. ولعلنا نتذكر هنا أن مقولة سحق حماس قد تكررت خلال ثمانية عشر عاماً على ألسنة جميع رؤساء الوزارات في الدولة العبرية (رابين، بيريس، نتنياهو، شارون) فانتهت مقولاتهم وبقيت حماس حقيقة ناصعة تزين الواقع الفلسطيني، وتؤثر على روحية المقاومة والتحدي في وعي الأمة.
لكن الأهم من ذلك كله هو مخاطر هذه المرحلة على القضية الفلسطينية، فحين تستهدف حماس لا يمكن إلا أن نتوقع استهدافاً أكبر للشعب الفلسطيني، لأن ضرب حماس هو ضرب لعنصر المقاومة الأبرز لمخططات العدو.
نتذكر هاهنا إصرار شارون على برنامج الدولة المؤقتة على قطاع غزة وكانتونات مجزأة من الضفة تكون في حالة نزاع حدودي مع جارتها، من دون أن يفقد آماله بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل العام 67، أي ربط القطاع بمصر، وكانتونات الضفة بالأردن، ومن ثم ترحيل الكثير من الناس طوعياً نحو الأردن بعد تحويل حياتهم إلى جحيم بسبب الجدار، وهو ما كشفه شارون بإعلانه رفض مشاركة حماس في انتخابات الضفة مع الموافقة على مشاركتها في غزة، كما ذهب المحلل الإسرائيلي (ألوف بن).
في مواجهة ذلك لا بد من توافق فلسطيني على وسائل فاعلة لمواجهة المرحلة الجديدة، ولن يتم ذلك من دون طمأنة فتح على زعامتها، ومن ثم خضوع قادتها لمنطق العقل وتغليب المصلحة العليا للشعب الفلسطيني .
إنها مرحلة بالغة الصعوبة ليس فقط على حماس التي ستتجاوز الأزمة كما تجاوزت سابقتها من دون أن تغير في برنامجها أو إستراتيجيتها، وإنما أيضاً على الشعب الفلسطيني وقضيته، مع أننا ندرك أيضاً أنها مرحلة عابرة ، لأنها مرتبطة بتحولات المشروع الأمريكي في العراق، والذي يبدو في طريق الفشل بإذن الله.
الاسلام اليوم
8/10/2005
أهداف الحملة الرهيبة على حماس وتداعياتها ! ياسر الزعاتره
