هيئة علماء المسلمين في العراق

زجل دستوري عراقي .. الجزء الاول / بقلم : زهير المخ .. كاتب وأكاديمي عراقي
زجل دستوري عراقي .. الجزء الاول / بقلم : زهير المخ .. كاتب وأكاديمي عراقي زجل دستوري عراقي .. الجزء الاول / بقلم : زهير المخ .. كاتب وأكاديمي عراقي

زجل دستوري عراقي .. الجزء الاول / بقلم : زهير المخ .. كاتب وأكاديمي عراقي

يخشى في هذه الأيام من أن تقود لعبة عضّ الأصابع العراقية إلى عضّ ما يتعدى هذه الأصابع بكثير: مصير الكيان العراقي نفسه ، ذلك أن تقديم رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي دعوته التعديل الدستوري لإحالته على مجلس النواب تمهيداً لإقراره ... لن يكون له من مفعول سوى الذهاب أبعد في لعبة الزجل الدستوري والتراشق بتفسيرات وتعليقات تجعل التعديل المأمول بمثابة وجبة طوطمية تثير الشهية بقدر ما يزعم لها من قداسة وتبجيل.
وليس من المستغرب في شيء أن يطال السأم الكثير من العراقيين لاستمرار هذه اللعبة ، وهم محقون في سأمهم هذا ، خصوصاً أنه مصحوب بعوارض قلق مزمن ، وليس ثمة في الأفق مؤشرات واقعية قادرة على ترجمة هذا القلق المزمن إلى لغة سياسية وحقوقية مناسبة تسندها قوة اجتماعية قادرة على تعديل قواعد اللعبة في ظل استقطابات حادّة يتقاطع فيها الوجه الطائفي مع الوجه الإثني.
لا شك في أن التحدي الدستوري في العراق اليوم يتمثل في صنع السلم الأهلي بالدرجة الأولى وليس بناء مؤسسات الدولة العتيدة ، أما التساؤلات التي تشغل بال المعنيين بهذا الملف فتتألف إجمالاً من حزمة معقدة تتراوح بين ما هو سياسي وما هو قانوني : كيف يمكن استخدام عملية التعديل كوسيلة لتدارك الفشل السياسي الذي أصاب الجالسين حول موائد منطقتهم الخضراء أثناء صياغتهم لبنود الدستور في صيف عام 2005 ؟ كيف يمكن بناء الإجماع الشعبي وتشجيع المكونات العراقية على اختلاف مللها ونحلها على القبول بالعراق الاتحادي الجديد ؟ ، بل كيف يمكن تشجيع المكونين الشيعي والكردي على تقديم تنازلات دستورية تصب في طاحونة العرب السنّة ؟ وما هو الحد الأدنى اللازم من التعديلات الدستورية لإيجاد دولة عراقية قابلة للاستمرار حتى لو لم تكن دولة قوية ؟ ، وهل يمكن أن تلقى التنقيحات القانونية أو الفنية للنص الدستوري الهادفة إلى زيادة قدرة الدولة العراقية على الحكم تأييداً من الأطياف المختلفة ومن ثم يمكن أن تحقق مكاسب سياسية واضحة ؟ وما هو الحد الأدنى اللازم للتعديلات الدستورية لضمان تمتع جميع المواطنين العراقيين بالحماية الكافية لحقوق الإنسان ؟ .
إزاء هذا التنافر الحاد ، يصعب الحديث عن إرادة للتعايش بين أطياف سياسية يرسم كل منها طريقه الخاص في تفسير البنود الدستورية ، فيما يتنافس كل منها على إقامة مربعات أمنية وترسيخ مواقع النفوذ ، هنا يصح القول إن الدستور العراقي بات أشبه بنوع من الكائنات الرخوية التي تفتقر إلى عمود فقري يمنحها قواماً يجعلها قادرة على الانحناء والانعطاف دون أن يتضرر الجسم السياسي بصورة بليغة.
وهذا على الأرجح ما يسمح للمكونات العراقية على اختلاف مشاربها أن تكون مسرحاً نموذجياً لاختبار تجارب في التوليف بين منطق انقسام سياسي وطني عريض وبين أكثر من منطق لانقسامات فرعية ، عامة بين شيعة وسنّة وأكراد ، وجهوية تخترق هذه الأطياف جميعاً بصورة أو بأخرى.
وبما أن المشهد السياسي العراقي يتألف من ثلاثي قوامه شيعة وأكراد وسنّة ، كل يرقص على نغم مختلف ، وكل لديه " دستوره " الخاص لإدارة الدولة العراقية، فإن استمرار اللعبة السياسية الداخلية على هذا النحو أوصلت الأطياف الثلاثة فعلاً إلى مأزق محدد ، هو رؤية كل طرف لملف التعديلات الدستورية باعتباره من أكثر نقاط الاشتباك السياسي حرارة.
إلا أنه من المفارقة أن ثمة تعارضاً بين الطموح الوحدوي والسلوك التقسيمي الذي لا يضع الأطياف الثلاثة وجهاً لوجه ، بل هو يرسم متاريس مواجهة بينها في الوقت الذي تضم كل واحدة منها ائتلافاً أو تحالفاً بين قوى متنوعة الانتماء الطائفي والإثني ومتنوعة التجذر في هويتها وبنيتها الأصلية.
ولماّ كان الأمر كذلك ، فمن الصعب تصور بنية مختلفة لكيان خلقت فيه السلطة والثقافة والاختلاف الطائفي والإثني والنظام العشائري كيانات إقليمية بحكم الأمر الواقع ، ومن خلال مؤسسات تملك صلاحيات وسلطات.
ولم يكن مستغرباً على أحد عندما صار مبدأ التوافق بين الأطياف السياسية المختلفة سابقاً للعودة إلى الدستور ، وطغى التلوث في المفاهيم والمصطلحات والعقول لدرجة أننا " بهدلنا " الدستور من خلال استغلاله كأداة تبرير ووسيلة لنشر الضبابية في أذهان الناس ، بل يمكن القول إنه لم يعد لهذا التعبير أية علاقة مع أية منظومة دستورية وأي قاموس حقوقي أو أي قاعدة ناظمة للحياة السياسية العامة.
وأبعد من الشعور بالتفاؤل أو بعكسه ، يبقى الخطاب السياسي والقانوني العراقي مصاباً بحالة مرضية قصوى من التلوث حيث يتحول من خلاله الدستور إلى استعراض كلامي ولعبة رموز تعمق الهوة بين الخطاب الايديولوجي والواقع المعاش.
هذا التلوث مرتبط بالبديهيات وغالبا على مستوى الألف والباء في الثقافة السياسية ، حيث تظهر في السوق السياسية العراقية مصطلحات تبدو أولاً بريئة ونابعة من حرص على الدستور ، ثم تعمم هذه المصطلحات في سجالات متلفزة دونما معايير لتتحول إلى نظرية تؤسسه لمؤتمرات وكتابات ومواقف ونزاعات وحزبيات.
ولا ريب فإن التدهور في القيم التأسيسية العامة وضربها عمداً وتخريب العقول هو بالأحرى أقصر الطرق إلى الاستبداد ، حيث يعيش العراق اليوم وسيلة من الإخضاع تحت ستار الدستور ولجعل النظام بكامله غير قابل للحكم.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق