هيئة علماء المسلمين في العراق

في لقاء مع موقع لواء الشريعة الشيخ حارث الضاري: مستقبل العراقيين مرهون بتحرير العراق ووحدته
في لقاء مع موقع لواء الشريعة الشيخ حارث الضاري: مستقبل العراقيين مرهون بتحرير العراق ووحدته في لقاء مع موقع لواء الشريعة الشيخ حارث الضاري: مستقبل العراقيين مرهون بتحرير العراق ووحدته

في لقاء مع موقع لواء الشريعة الشيخ حارث الضاري: مستقبل العراقيين مرهون بتحرير العراق ووحدته

حاورته: د.ليلى بيومي يمر العراق بمنعطف دقيق وحساس، بعد أن شهد خلال ست سنوات ومنذ عام 2003م حينما دنسه الاحتلال الأمريكي، خططًا ومشاريع ومؤامرات غربية، صليبية وصهيونية، تساندها أحلام وأطماع فارسية، كل ذلك ينفذه على أرض الواقع قوم باعوا ضمائرهم ودينهم ووطنهم للمحتل الأمريكي من أجل المال والمناصب. ومع مجيء الرئيس الأمريكي أوباما إلى السلطة ورحيل إدارة بوش الابن غير مأسوف عليها، وبعد أن ظهرت انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، وبعد أن فقدت الصحوات دورها، وقلَّت نسبيًّا كثافة عمليات المقاومة العراقية ضد المحتل الأمريكي، كان من الضروري مناقشة الملف العراقي بكل هذه التفاصيل وغيرها، مع أحد الرموز العراقية التي تحظى بالمصداقية والقبول، عراقيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا، وهو فضيلة الشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، حيث نتعرف منه خلال هذا الحوار على تصوراته لواقع ومستقبل أهل السنَّة في العراق، بل مستقبل العراق العزيز بكل مكوناته.

 
س: كيف تُقيِّم فضيلتك الوضع العام في العراق الآن، في ضوء أحدث المتغيرات على الأصعدة العراقية والعربية والدولية؟

 
جـ: بسم الله الرحمن الرحيم، العراق لا يزال يدور في دوامته التي وضعه فيها الاحتلال منذ عام 2003م، وهو يتردى من سيء إلى أسوأ ولاسيما في هذه الأيام؛ حيث أن الاحتلال لا زال جاثمًا على صدر العراق وهو يقتل ويدمر ويعيث في أرض العراق فسادًا، كذلك الحكومة التي شكلها الاحتلال وهي الحكومة الرابعة برئاسة السيد نوري المالكي، تسير وفق مخططات الاحتلال، بناءً على المحاصصة الطائفية التي قسمت العراق طائفيًّا وعرقيًّا، وهي لا تراعي إلا مصالحها ومصالح أسيادها في واشنطن والمستفيدين من الاحتلال في طهران.

 
لهذا؛ فهذه الحكومة لا زالت غارقة فيما بدأه أسلافها في عام 2005 و2006م، على عهد حكومة الجعفري التي تفننت في الحرب الطائفية والتصفيات على الهوية، ولا زال العراق غارقًا في هذه الدوامة على الرغم مما يدعي بأن هناك أمنًا وأن هناك استقرارًا، مع أن الوضع لا زال كما كان، والأمن الظاهري المفروض بالقوة وبالسلاح، وبالنار والدولار.

 
هذا الأمن الظاهري جاء بعد حملات الميليشيات على الأحياء المعارضة للاحتلال، وذبح أهلها أو اعتقالهم أو ابتزازهم بالأموال وغيرها، هذا النظام المليشياوي أدخل المليشيات في أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية المتعددة؛ لتقوم بالأعمال نفسها التي كانت تقوم بها من اغتيالات بالأسلحة الكاتمة، واعتقالات لكثير من الشباب الذين يُتهمون بالإرهاب وهم ليسوا إرهابيين، وإنما هم معارضون ومناهضون للاحتلال أو فيهم شبهة معارضة ومناهضة.

 
فلذلك الأوضاع لا زالت جارية على ما كانت عليه سابقًا؛ فلو نظر أحدنا إلى الوضع الاجتماعي الآن وقارنه بما كان عليه قبل أربع أو خمس سنوات؛ لوجد الحالة هي الحالة؛ فالعراقيون لا زالوا جوعى، والعاطلون عن العمل بلغوا 50% من الشعب العراقي أو يزيد، وجهات الإنتاج الصناعية والزراعية شبه معطلة، وبلغ عدد الشهداء من الشعب العراقي ما يزيد على المليون وربع المليون، وهؤلاء قد استشهدوا على يد قوات الاحتلال أو على يد قوات الحكومة وميليشياتها سابقًا وأمنها حاليًا.

 
وهناك في العراق ما يزيد عن المليونين من النساء الأرامل، وما يزيد عن خمسة ملايين يتيم، والسجون مليئة بمئات الآلاف وليس عشرات الآلاف من المساجين والأسرى، الذين اعتُقلوا بلا سبب، بل أُخذوا من بيوتهم ومن الشوارع ومن محلاتهم وأماكن أعمالهم، منهم من مضى عليه أربع سنين، ومنهم من مضى عليه أكثر من ذلك أو أقل، ولا يعرف ذووهم أين هم.

 
وهناك في العراق عشرات السجون التابعة لقوات الاحتلال والحكومة، ومنها ما يُعرف بالسجون السرية، وهي أكثر من أحد عشر سجنًا، كذلك المُرحَّلون "المهجرون" في العراق يَقرُبون من أربعة ملايين والمهاجرون خارج العراق يَقرُبون من ثلاثة ملايين، لا زالوا على حالهم ولم تعمل لهم قوات الاحتلال شيئًا، ولم تَقدِّم لهم حكومة الاحتلال الرابعة حكومة نوري المالكي شيئًا يخفف من وطئة الغربة عليهم، لا للمغتربين ولا بالنسبة لمن هم في داخل العراق.

 
ولهذا؛ نستطيع أن نقول: إن الأوضاع ازدادت سوءًا على ما كانت عليه في السنوات الأولى من سنوات الاحتلال، وما يُدَّعَى من أمن فهو ادعاء كاذب وخادع؛ لأنه أمن مفروض بالحديد والنار والدولار، أمن الأسيجة "الكونكريتية" والأبواب المحروسة والبطاقات الصفراء والخضراء لدخول الأحياء المقطعة والمعزولة، أمن الشرطة السرية التي ينتشر منها الآلاف في بغداد لوحدها.

 
س: هل ترون جدية في خطة الرئيس الأمريكي أوباما لسحب قواته من العراق؟ وما هو شكل الانسحاب المنتظر؟ وما هو مستقبل القواعد الأمريكية في العراق؟

 
جـ: التصريحات الأخيرة للرئيس أوباما لا تدعنا نطمئن، لأنه سيُبقي خمسين ألفًا من قوات الاحتلال حتى عام 2011م في وضع يثير الريبة والشكوك.

 
وأما مستقبل القواعد الأمريكية في العراق، فهو مرتبط بمستقبل وجود الاحتلال الأمريكي الذي يرفضه العراقيون، وهم مصممون على ألا يبقى في العراق جندي واحد، لا في المدن ولا في القواعد، والأيام القادمة بعون الله تعالى هي التي تبين لنا ذلك من خلال رفضهم للاحتلال ومقاومتهم الباسلة له، وأملنا بالله أنهم سيستطيعون أن يحققوا هذا الأمل؛ فالعراقيون هم الذين دفعوا الرئيس أوباما إلى أن يجعل على رأس برنامجه الانتخابي موضوع سحب القوات الأمريكية من العراق؛ لما لاقته قواته وتلاقيه من صعوبات جمة اعترفوا بها هم قبل غيرهم.

 
س: كيف ترون شكل الانسحاب الأمريكي المنتظر من العراق؟

 
جـ: الانسحاب المنتظر الذي يروج له الاحتلال هو انسحاب مُجَدْوَل وانسحاب مُرَتَّب، وهو يعتمد على الظروف كما يقولون، ويتراوح بين مدد حدَّدوها بستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا أو ثلاثة وعشرين شهرًا، وقد يزيدون على ذلك وقد ينقصون، ولكن العراقيون لا يعتمدون على هذه التصريحات وهم سائرون على طريقهم في الضغط على هذه الإدارة بكل الوسائل؛ للتسريع بخروج قواتها من العراق نهائيًّا بعون الله تعالى.

 
س: إلى أي مدى تغير الواقع العراقي بعد انتخابات مجالس المحافظات؟

 
جـ: الوضع في العراق لم يتغير من حيث العملية السياسية؛ لأن الانتخابات جرت من خلالها وهو يمثل حلقة من حلقات العملية السياسية التي تسير إلى مفاصل خطرة، من أبرزها تجزئة العراق من خلال موضوع الفيدرالية الذي وضعوه في الدستور، ولكن هذه الانتخابات أفرزت أمورًا لم تكن تسير على رغبة الاحتلال ولا حلفائه في العراق، منها أن الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع أقل بكثير مما كانوا يتوقعون.

 
فالنسبة التي ذهبت إلى صناديق الاقتراع من الذين يحق لهم الاقتراع تراوحت بين عشرين إلى ثلاثين بالمائة في أعلى حالاتها، وما يُقال بأنها تصل إلى أربعين أو خمسين بالمائة فهذا كلام غير صحيح البتة، وقد نفاه حتى بعض أصحاب العملية السياسية أنفسهم، وهذا الأمر يشير إلى أن الشعب العراقي بغالب فصائله وأطيافه، ومذاهبه وأديانه ومكوناته، رافض لهذه العملية السياسية، ورافض لرموزها الذين لعبوا دور الحاكم في العراق أو المتحكمين فيه، من خلال الاستقواء بالاحتلال على مدى السنين الماضية، وأذاقوا الشعب العراقي الأمرَّين.

 
ومن هذه الأمور: أن الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع أغلبهم ذهبوا إلى هذه الصناديق إما مرغمين، وإما دُفعت لهم أثمان ليذهبوا إلى هذه الصناديق ليقترعوا على القوائم التي دَفعت لهم هذه الأموال.

 
ومع ذلك رأينا بأن القوائم الرئيسية لرموز العملية السياسية قد تراجعت وتراجعت إلى الحضيض؛ لذلك نقول بأن هذه الانتخابات أرادوها لهم ولكن الله تعالى أرادها للعراق؛ لأن هذا الإقبال الضعيف أولًا على الانتخابات، وهذا الرفض للقوائم الكبيرة المتحكمة ثانيًا يدل على وعي الشعب العراقي، وأن الشعب العراقي كاره لهذه الرموز التي دمرت العراق وسارت في ركاب الاحتلال، ونفذت كل مشاريعه ومشاريع القوى الأخرى المتدخلة في العراق على حساب مصالح العراق العليا، ومصالح شعبه بكل أطيافه ومكوناته.

 
س: إذا كانت انتخابات مجالس المحافظات قد نتج عنها انحسار الأحزاب الإسلامية؛ شيعية وسنية، فما هي أسباب ذلك؟ ولماذا لم يحصد الحزب الإسلامي ثقة سنَّة العراق؟

 
جـ: إن السبب في كل ذلك هو سوء تصرف هؤلاء؛ حيث تصرفوا في البداية على أنهم أحزاب وأنهم يدورون في فلك الاحتلال، وأن عليهم أن يرضوا بهذا الفلك، إضافة إلى أنهم اهتموا ببرامجهم الخاصة ومصالحهم الذاتية والحزبية وأهملوا الشعب العراقي، يغرق في الدم وفي الفقر وفي الحاجة.

 
لذلك كرههم الشعب العراقي وقد يطردهم الشعب العراقي في الانتخابات القادمة؛ لأن هؤلاء فقدوا شعبيتهم وفقدوا مصداقيتهم، وتجردوا عن كثير من القيم الدينية والوطنية والإنسانية والأخلاقية، وفرَّطوا بسيادة العراق ووحدته وثرواته.

 
ولم يحصد الحزب الإسلامي ثقة سنَّة العراق لأنه سار في طريق زملائه المشاركين له في الحكم، ولم يستطع أن يغير شيئًا من الأوضاع المأساوية التي مرت بهم، مع أنه أعطاهم الشرعية بمشاركته لهم دون مقابل، فخسر تأييد من كانوا يؤيدونه سابقًا ـ وهم ليسوا كثيرًا ـ بسبب دخوله مجلس الحكم في ظل الاحتلال، وإعطائه الشرعية له ولكل تفصيلاته وتبعاته اللاحقة.

 
س: ألا ترون أن الواقع السنِّي العراقي متشرذم على نفسه بما يقلل من دوره؟ وكيف يمكن تحقيق الحد الأدنى من الوحدة والتماسك في الجسد السنِّي؟

 
جـ: أستطيع أن أقول إن الوسط السنِّي ليس متشرذمًا كما يُظن، بل هو أكثر الأجسام العراقية ربما تماسكًا، ولو نظرنا إلى غير السنَّة لوجدنا فيهم من التشرذم أكثر مما يُظن في السنَّة؛ فالسنة غالبهم رافضون للاحتلال، ولا زالوا رافضين للاحتلال على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية، ولا زالوا كذلك، ولم يدخل في العملية السياسية إلا القليل منهم كالحزب الإسلامي ومن سار على نهجه، وهم لا يمثلون إلا أربعة أو خمسة في المائة على أكثر تقدير من المجتمع السنِّي، أما أنه فقد تأثيره فلا أعتقد.

 
فالجسم السنِّي هو الجسم الفاعل وهو جسم قوي، وهو الذي استطاع أن يقف في وجه الاحتلال وفي وجه الطائفية المقيتة وأن يحفظ للعراق هويته، وأن يُفشِّل الكثير من المشاريع التقسيمية والتدميرية في العراق.

 
فالجسم السنِّي كما قلت مُتَّحد حول مقاومة الاحتلال، ومُتَّحد بالوقوف أمام المشاريع التقسيمية والتغييرية لطبيعية العراق ولجغرافية العراق وهوية العراق، فلذلك هو مُتَّحد حول الأهداف الرئيسية المتمثلة في تحرير العراق، وفي المحافظة على وحدة العراق وعلى هوية العراق العربية الإسلامية، وعلى أمن واستقرار العراق، وعلى ثرواته وحدوده الطبيعية المعترف بها دوليًّا، وما عدا ذلك فلكل فئة من فئات أهل السنَّة بل وفئات الشعب العراقي تفكيرها وتوجهها، ومنهجها الفكري والتربوي الخاص الذي تسير عليه.

 
وعلى هذا أستطيع أن أقول إن غالبية أهل السنَّة بل غالبية الشعب العراقي بكل أطيافه اليوم، هم متحدون حول هذه الأهداف الرئيسية، وهذا يدل على أن العراقيين ـ والحمد لله اليوم ـ هم في مرحلة متقدمة من الوعي، ومما ينبغي عليهم أن يقوموا به أكثر من أي وقت مضى.

 
س: كيف ترون مستقبل سنَّة العراق في المدى المتوسط والبعيد؟

 
جـ: أراه بخير، ومستقبل سنَّة العراق بل كل العراقيين مرهون بتحرير العراق ووحدة العراق، وهذا آتٍ بعون الله تعالى طال الوقت أم قصر، وبدون هذين الأمرين: تحرير العراق ووحدته، لا مستقبل لأهل السنَّة ولا لغيرهم.

 
س: هل الاستهداف الطائفي لسنة العراق على أيدي الميليشيات مستمر؟ وهل استطاعت هذه الميليشيات أن تحقق أحلامها في تهجير السنَّة من بغداد وبعض المناطق الأخرى؟

 
جـ: هذا الأمر قد انتهى والحمد لله، التصفيات الطائفية كانت تصفيات سياسية ألبست ثوب الطائفية السياسية؛ إذ لم يكن هناك من البداية تصفيات طائفية بالمعنى المذهبي: أي الشيعة والسنة مثلًا، وهذا قد قلناه مرارًا على مدى السنين الماضية، وقد أكدت ذلك الأحداث؛ فكل ما حدث في العراق من فتنة أُلبست ثوبًا طائفيًّا فهي فتنة سياسية كان وراءها الاحتلال وحلفاؤه الحاكمون، وذلك لتحقيق برامجهم الخاصة في تمزيق الشعب العراقي وإطلاق يديه في مسرح الأحداث في العراق، والسياسيون الطائفيون المتحالفون مع القوى الخارجية، أرادوا أن تكون هذه الفتن بداية لحرب أهليه يصلون بها إلى تقسيم العراق، الذي هو مطلب غربي ومطلب صهيوني، بل ومطلب إيراني.

 
ولم يستطع السياسيون الطائفيون تحقيق هدفهم؛ إذ رحل كثير من المناطق سنَّة وشيعة، وقد بدأ الكثير منهم الآن يعودون، ونأمل بأن يعود الجميع عندما يرحل الاحتلال وعندما تستقيم الأمور، والشعب العراقي يعي الآن كل هذه الألاعيب والمؤامرات، وهو مع حدته أحيانًا، فهو شعب كريم ومتسامح، وما حصل بين أبنائه من فتن وخصومات بسبب الاحتلال وعملائه، زاده قناعة بأنه لا أمن ولا استقرار ولا مستقبل له إلا بالعودة إلى التسامح والتعايش الأخوي، الذي كانوا عليه على مدى القرون الماضية، والابتعاد عن كل الدعاوى المضللة والمفرقة كالطائفية والعنصرية وغيرهما، من التي جاء بها الاحتلال وعملاؤه ليمزقوا بها أوصاله.

 
س: لوحظ في الآونة الأخيرة انتقادات متكررة من المالكي لجملة العملية السياسية، كالدعوة لإعادة النظر في الدستور، ومهاجمة الطائفية والفيدرالية، ونقد "المحاصصة الطائفية"، والتصادم مع الأكراد حول كركوك، وصلاحيات الحكومة المركزية، كيف تفسرون ذلك؟

 
جـ: من المعلوم لدينا ولدى كل عراقي متابع لما جرى ويجري في العراق بعد الاحتلال، أن المالكي كان من رءوس الطائفيين، بل كان من المشرفين على كثير من الأعمال التي جرت في العراق ووُصفت بالطائفية، أي الأعمال التي عُرفت بالتصفيات على الهوية، فهو كان مساعدًا لإبراهيم الجعفري رئيس وزراء الحكومة الثالثة، وكان عضوًا في اللجنة الأمنية التي تدير أمور الأمن في العراق، وعلى يد هذه اللجنة التي شاركه فيها صولاغ والعامري، تم تنفيذ الفتنة الكبرى التي استمرت على مدى ما يزيد على سنَّة في عهد الجعفري، واختتمت بما عرف بهدم المرقدين في سامراء، وما جرى بعدها من تصفيات كبرى على الهوية.

 
ثم لما أصبح رئيسًا للوزراء ولا زال هو الرئيس، كان يدير الميليشيات بنفسه على مدى السنتين الأوليين من رئاسته، من أوائل سنَّة 2006م إلى أواخر سنَّة 2007م، وكان هو المشرف المباشر على الميليشيات التي تداهم الأحياء وتعيث فيها القتل والدمار والفساد تحت ستار القوات الأمنية الخاصة، التي يشرف عليها هو باعتباره القائد العام للقوات المسلحة.

 
أما أن يتظاهر اليوم بالوطنية ويدعو إلى إعادة النظر في الدستور، والمحافظة على الأراضي العربية في كلٍّ من كركوك والموصل وغيرهما! فأعتقد أنها مواقف ليست جدية، وإنما هي محاولة لتركيز السلطات في يديه، ودعوى يريد أن يكسب بها عواطف البسطاء من أبناء شعبنا، ويوهمهم بأنه هو الغيور على العراق وعلى أرض العراق وعلى وحدة العراق.

 
والأمر ليس كذلك؛ إذ كان هو من أشد المتمسكين بالدستور والمدافعين عنه في السنوات الأولى، ومن أشد المتمسكين به والمعارضين لتغييره، وهو يعلم يقينًا أنه لا يستطيع تغييره حتى لو أراد ذلك حقيقة؛ لأنه كان من الموقعين على ما يسمى بالاتفاقية الأمنية، اتفاقية بيع العراق للمحتل الأمريكي، التي جاء في إحدى فقراتها: "التزام الولايات المتحدة بعدم تغيير العملية السياسية أو النظام الديمقراطي الحالي في العراق، وعدم تغيير أو تبديل الدستور"، وهذا مطلبه ومطلب كل شركائه في العملية السياسية، مقابل كل ما قدموه لأمريكا من مكاسب وامتيازات غير مشروعة في العراق.

 
س: كيف ترون النفوذ الإيراني في العراق على ضوء المعلن من خطط أوباما؟

 
جـ: أعتقد أنه لا توجد الآن لأوباما أية خطط واضحة، وبالتالي فإن الوجود الإيراني لا زال موجودًا، بل يزداد مع الأيام ترسخًا وانتشارًا في العراق من خلال حلفائه: المجلس الأعلى، وحزب الدعوة برئاسة المالكي، وحزب الاتحاد الوطني الكردي برئاسة جلال الطالباني وغيرهم، ممن يرعون مصلحة إيران ويعملون في مشروعها في العراق وفي المنطقة، وعلى هذا فالتدخل الإيراني معالمه واضحة وأذرعه ممتدة في كثير من مجالات الحياة في العراق، ولم تعد خافية على أحد من العراقيين، وغيرهم من المتابعين والمهتمين بالشأن العراقي في ظل الاحتلال.

 
س: ما هي أسباب تراجع المقاومة العراقية في الفترة الأخيرة؟ وكيف ترون مستقبلها في الفترة القادمة؟

 
جـ: المقاومة العراقية وصلت إلى أوج عظمتها في سنَّة 2006م، ولما علم الاحتلال أنه لا قبل له بمقابلتها عسكريًّا، فكر في أمرين:

 
الأمر الأول: في الهزيمة أو الانسحاب كما قال الرئيس السابق الأمريكي بوش.

 
والأمر الثاني: الاستعانة ببعض العراقيين الحاقدين على المقاومة أو الذين استهوتهم المادة، وقد تذرعوا بذريعة القاعدة التي فعلًا قد وقع منها الأذى على بعض أبناء الشعب العراقي، وعلى بعض فصائل المقاومة نفسها؛ فاتخذ هذا الاعتداء وهذا الأذى من القاعدة عذرًا أو غطاءً لانضمام مجاميع من أبناء الشعب العراقي إلى جانب قوات الاحتلال كمساعدين وعيون لها على المقاومة بشكل عام، مما أدى إلى تراجع المقاومة في مناطق عديدة في العراق.

 
ولكن بعدما استوعبت المقاومة هذه الاختراقات وهذه المضايقات، وأيضًا بعد انتهاء الغرض مما يسمى بالصحوات، عادت المقاومة إلى نشاطها السابق، وهي موجودة ومستمرة وتزداد مع الأيام، وتوقع بالعدو خسائر يومية، ولكن الكثير منها لا يُعلَن بسبب التعتيم الإعلامي، الذي تمارسه قوات الاحتلال وقوات الحكومة على المقاومة.

 
وخلاصة القول في هذا الموضوع: أن المقاومة في العراق لا زالت بخير، وهي مستمرة وستبقى إلى أن يرحل الاحتلال من العراق بعون الله تعالى، وما ذلك عليه بعزيز.

 
س: لاحظنا وجود خلافات بين الأكراد أنفسهم وبين الأكراد والقوى السياسية الأخرى، ما أسباب هذه الخلافات؟ وهل يمكن أن تتطور لما هو أسوأ؟

 
جـ: هناك خلافات مضى عليها وقت غير قليل ولكنها لم تكن معلنة، وقد أعلنت الآن بعد أن تفشى الفساد في الأجهزة الرسمية والأمنية بالنسبة للأكراد، وكان المال والفساد فيه من أهم الأسباب التي أظهرت هذا الخلاف بينهم على السطح، وهو مرشح لأن يزداد مع الأيام، أما بينهم وبين الآخرين فهو على المصالح التي اتفقوا عليها في مؤتمر لندن سنَّة 2002م قبل الاحتلال، من أن العراق سيقسم على ثلاثة أقسام: القسمان الرئيسيان سيكونان للتحالف الكردي وللتحالف السياسي الشيعي، ويبقى ما بقي منه من فضلات من هنا وهناك لأهل السنَّة ومن معهم من مكونات أخرى؛ ولهذا فالأكراد اليوم يريدون أن يأخذوا ما اتفقوا عليه مع التحالف الشيعي.

 
ولما لم يستطع التحالف الشيعي اليوم أن يفي لحلفائه بالأمس بكل ما وعدهم به؛ لذلك فهم اليوم مختلفون، كما أن التحالف السياسي الشيعي نفسه قد اختلف وتشَظََّى إلى فئات، وذلك لاختلافهم على السلطة وعلى المناصب وعلى المال، وأيضًا بسبب الأدوار التي يريد منهم حلفاؤهم بالخارج أن يقوموا بها ولا يستطيعون أحيانًا أن يقوموا بها؛ لأنهم يواجهون اليوم واقعًا عراقيًّا يختلف عما كانت عليه الحال أيام عقد مؤتمرهم في لندن، الذي قسموا فيه العراق والمصالح فيه على الخريطة وعلى الأماني، لا على الواقع الاجتماعي والشعبي المعارض لكل مشاريعهم ومخططاتهم الطائفية والعنصرية المشبوهة.

 
س: ما هو الحل الأمثل الذي ترونه مناسبًا لمشكلة كركوك؟

 
جـ: الحل الأمثل أن تكون كركوك محافظة لكل أهلها، وتبقى تابعة للمركز بغداد، أو تكون كغيرها من المحافظات الأخرى التي لها من الصلاحيات ما لغيرها من المحافظات، وعدم ضمها إلى ما يسمى بإقليم كردستان.

 
س: في ضوء الواقع التجزيئي ومع ملاحظة ما حققه المشروع الطائفي، هل ما زال هناك أمل في عراق موحد ينتمي إلى أمته العربية؟ أم أن ذلك أصبح من الخيال والأحلام؟

 
جـ: العراق لا زال موحَّدًا ـ والحمد لله ـ جغرافيًّا وديموغرافيًّا واجتماعيًّا؛ لأن تركيبة العراق هي التي حالت دون تقسيمه، ولو كانت تركيبته الجغرافية أو الديموغرافية أو الاجتماعية تساعد على التقسيم لقُسِّم من السنوات الأولى، أو من السنَّة الثانية أو الثالثة أو الرابعة للاحتلال، ولكن وحدة الشعب العراقي وتماسكه، ووحدة أبنائه وتداخل أبنائه في القيم الدينية والعادات والتقاليد العشائرية وغيرها، هي التي حالت دون تقسيمه؛ ولذلك أثيرت الكثير من الفتن لإثارة النعرات الطائفية والقومية بين أبنائه ليُقسَّم ولم تفلح كلها، بل فشلت وارتدت إلى صدور أصحابها.

 
العراق إذًا لا زال واحدًا وهو لم يُقسَّم إلا في الإعلام المعادي، وأبناء العراق اليوم متمسكون بعراق واحد أكثر من أي وقت مضى، وهم مستعدون للمحافظة على وحدته، بل بذلوا وما زالوا يبذلون الكثير من الجهود والدماء من أجل ذلك، ونحن على ثقة في أن الله تعالى سيكلل جهودهم بالنجاح في نهاية الأمر، ويرد كيد أعدائهم إلى نحورهم، والحمد لله أولًا وآخرًا.

أضف تعليق