هيئة علماء المسلمين في العراق

المشهد العراقي بين تفاؤل الأمريكيين وتشاؤم البريطانيين ..حسين الرشيد
المشهد العراقي بين تفاؤل الأمريكيين وتشاؤم البريطانيين ..حسين الرشيد المشهد العراقي بين تفاؤل الأمريكيين وتشاؤم البريطانيين ..حسين الرشيد

المشهد العراقي بين تفاؤل الأمريكيين وتشاؤم البريطانيين ..حسين الرشيد

منذ غزو العراق واحتلاله عام 2003م بتحالف عالمي، تقف في مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك بريطانيا، التي كانت الشريك الأساسي في إقحام أمريكا في المستنقع العراقي، الذي منيت فيها قواتها الغازية بخسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، فضلًا عما لحق بلدانهم من تبعات كارثية أثرت على حاضر بلادهم ومستقبلها، تقف في مقدمتها الأزمة المالية التي تتعرض لها أمريكا وبلدان أوروبا وغيرها. أقول: منذ الفترة الأولى للغزو وهناك توجهات عديدة حيال هذه الحرب الجارية في العراق، والتي لا يعلم نهاية فصولها حتى من يقودها، فضلًا عن التصريحات المتناقضة تجاهها ما بين مؤيد ومستنكر؛ ما جعل المؤيدين يزدادون تفاؤلًا في نجاح المهمة التي جاءوا من أجل تحقيقها في غزو العراق، والمتشائمين الذي لا يرون نورًا في آخر النفق المظلم الذي سقطت فيه قواتهم.

أولًا : لعل الأيام الماضية كانت محلًّا لاضطراب الرؤى بين أهم حليفين استراتيجيين؛ وهما "أمريكا" و"بريطانيا"، حول الوضع في العراق، ففي الوقت الذي أبدى فيه البريطانيون تشاؤمًا ملحوظًا حيال ما يجري في العراق؛ نجد الأمريكيين أكثر تفاؤلًا حيال المشهد في العراق، ولعل في زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" صورة واضحة لذلك التفاؤل الكاذب؛ ففي زيارتها غير المعلنة على متن طائرة عسكرية حطت في العاصمة العراقية "بغداد" قبل أيام قليلة، قالت تلك الوزيرة: (ليست هناك مؤشرات على أنَّ البلاد تنزلق من جديد صوب حرب طائفية، بالرغم من الهجمات التي وقعت في الآونة الأخيرة، وأن الولايات المتحدة الأمريكية ستواصل دعم الحكومة العراقية).

والمقصود بالتفجيرات الأخيرة هنا، تلك التي هزت منطقة الكاظمية ببغداد؛ وراح ضحيتها ما يقرب من مائتي شخص بين قتيل وجريح، كان من بينهم بعض الإيرانيين الذي يقصدون زيارة ما يسمى بالعتبات المقدسة في العراق، ومن قبل ذلك تفجيرات المقدادية، وغيرها.

وفي الوقت الذي قرأ بعضهم زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية على أنها زيارة لتقصي الحقائق حول التفجيرات الدامية التي طالت مناطق متفرقة من العراق، فإن "كلينتون" صرحت بملء فمها: بأنَّ العراق يسير في الطريق الصحيح!!
فما هو "الطريق الصحيح" الذي يمشي العراق فيه؟! وكأنَّ "هيلاري كلينتون" تقول بهذا التصريح للعالم أجمع، أنَّ طريق التفجيرات وقتل العراقيين وسفك دمائهم، وإلحاق الأذى بهم، هو الطريق الواجب على العراقيين السير فيه دون تباطؤ أو تأخر، أو تراجع أو تلكؤ! فهنيئًا لهم ذلك الأذى، وليطمئنوا، فإنهم على الطريق الصحيح!

هذا موقف الأمريكيين الذي جاء هذه المرة على لسان تلك الوزيرة في زيارتها التي جاء توقيتها في شهر يؤكد المتابعون بأنه الأكثر دموية للعراقيين في عام 2009م على الإطلاق، بعد سقوط ما لا يقل عن 250 قتيل، وما لا يقل عن 700 جريح وفق الإحصاءات الرسمية.

وهذه الزيارة تأتي بطبيعة الحال بعد فترة وجيزة لزيارة سيد البيت الأبيض المفاجئة أيضًا، وعقب وصول سفير الاحتلال الأمريكي الجديد في بغداد، واستلام مهامه في أكبر سفارة في العالم في رحاب المنطقة الخضراء!

ثانيًا : أما موقف البريطانيين الذي يغلب عليه التشاؤم؛ فيتضح من خلال ما تنشره وسائل الإعلام منذ فترة ليست بالقليلة، لعلها ابتدأت بالتزامن مع إعلان لندن سحب جنودها المحتلين من العراق، وقد انتقدت صحيفة بريطانية قبل أيام، الحربَ التي شنتها أمريكا وبريطانيا وحلفاؤهما ضد العراق؛ وما أسفرت عنه من خسائر بشرية ومادية بين المحتلين والعراقيين على حد سواء؛ حتى سمَّت الصحيفة ذلك العدوان بـ"المغامرة العسكرية الطائشة والمتهورة"، التي خطط لها بشكل سيئ؛ بسبب ما وصفه المحلل السياسي البريطاني "مارك أوستن" بالأكذوبة التي صدَّقها الجنود البريطانيون، وقال: إنها الحرب الأكثر مثارًا للجدل منذ حرب فيتنام!

وتساءلت تلك الصحيفة عن الكيفية التي سيحكم بها التاريخ على حرب "قسَّمت العراق بهذا الشكل الخطير"، بعد أن صارت الحرب صعبة ومميتة؛ بسبب الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها المسئولون عن التخطيط لما بعد الحرب؟!

هذه هي الصورة كما يراها بلدين طالما تحالفا في العدوان، غير أن الرؤية الأمريكية لا يمكن أن تقترب من الواقع المرير الذي يعيشه العراقيون؛ ومن هنا فالمفترض أن تنتهج الإدارة الأمريكية الحالية المنحى العقلاني في إنهاء الحرب في العراق، وتطبيق المرتكزات الأساسية لصنع قرار الانسحاب الجاد والمسئول، في وقت يعرف فيه المتخصصون أن استمرار الاحتلال سيجبر أمريكا على إنفاق يصل إلى مائة وأربعين مليار دولار لعام 2009م، وفق إجمالي المخصصات الأمريكية للحرب في العراق، دون حساب المتغيرات التي ربما تطرأ على الساحة، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالولايات المتحدة الأمريكية والعالم أجمع.

غير أن التخوف من تجاهل الإدارة الأمريكية لهذه النظرة الصائبة في ضرورة التعجل بالانسحاب والخروج من المستنقع العراقي لا يزال قائمًا، ولعل التفجيرات الأخيرة التي هزت أركان بغداد ربما كانت مقصودة التطبيق؛ من أجل إرباك الوضع الأمني، الذي يلازمه في أغلب الأحيان بقاء قوات الاحتلال، التي طالما فتكت بالعراقيين الأبرياء، وعملت فيهم قتلًا وذبحًا، واعتقالًا وإذلالًا.

أضف تعليق