هيئة علماء المسلمين في العراق

الاحتلال والطائفية حاضنان للفساد.. د. حسن طوالبة
الاحتلال والطائفية حاضنان للفساد.. د. حسن طوالبة الاحتلال والطائفية حاضنان للفساد.. د. حسن طوالبة

الاحتلال والطائفية حاضنان للفساد.. د. حسن طوالبة

الفاسدون في الجنوب والمتمردون في الشمال يسرقون نفط العراق لأغراض خاصة تضر بمصالح البلاد والعباد. قد لا يخلو نظام حكم في العالم قديما وحديثا من الفساد المالي والإداري والاخلاقي. ولا يخلو مجتمع من حالات الفساد. وفي معظم الحالات فإن الفساد ينمو في أحضان الظلم والطغيان والقسوة والفقر والحرمان والجهل، وقد فصل القرآن الكريم -عند سرده قصص الأمم التي بادت من قبل- حالات الفساد بسبب جور القوى المتجبرة والظالمة.

وبفضل التقدم الذي حصل في حقلي الاعلام والاتصال، وفي ظل هذا الانتشار الكبير لوسائل الاعلام والاتصال وبالذات الفضائيات والانترنت، صارت حالات الفساد تحت المجهر، وقلما يتمكن الفاسدون من اخفاء فسادهم عن أنظار الرأي العام، فالسارق والنصّاب الذي يأخذ مال الاخرين بأوجه غير نظامية وغير شرعية لا يستطيع اخفاء ماله، فإن أودعه في البنوك يمكن كشفه، وإن تاجر بالبورصة يظهر للعيان، وإن استخدمه في التجارة أو العقار يظهر أيضاً.

الفاسدون بكل طبقاتهم وتصنيفاتهم هم الذين تسلقوا للسلطة بعيداً عن ارادة أبناء الشعب الحقيقية، أي أنهم وصلوا مراتب السلطة بالتسلق والتزوير وشراء الذمم، وهؤلاء يعرفون أن عمرهم في السلطة قصير، وإن من مصلحتهم استغلال الفرصة المتاحة لسرقة اكبر قدر من المال، ولو كان على حساب قوت أبناء الشعب أو على حساب وسائل تعليمهم وثقافتهم، كما أنهم يُجيّرون السلطة لصالح اقربائهم وأصدقائهم والمتملقين من أمثالهم.

هؤلاء الفاسدون يدافعون عن السلطة الفاسدة دفاعاً مستميتاً، ويوهمون الناس أنها سلطة شفافة منزهة عن الاخطاء تعمل من اجل صالح أبناء الشعب، ولا يعيرون بالاً لصرخات أبناء الشعب ولا لأنّاتهم وأوجاعهم، ويسعفهم في دعايتهم قدرتهم على قلب الحقائق وتزوير الاحداث والادعاء بأعمال لم يشهدها أحد من أبناء الشعب، يبيعون ويشترون في الهواء، ولا يحصد الشعب غير الألم والحسرة.

وعندما نستمع لبرامج الفضائيات عن أحوال الشعب في أفغانستان والعراق، نعجب لحجم الفساد الذي يتكلم عنه عراقيون وأفغان سواء ممن هم من داخل السلطة أو من خارجها.

صحيح أن الأفغان معروفون بفقرهم وتفشي الأمية الأبجدية بينهم، وأن العهود السابقة لم تستطع أن تغير من واقع الحال شيئاً. وجاء الاحتلال الأمريكي الأطلسي ليزيد الطين بلة، وبدلا من تخفيف حدة الفقر، فقد تضاعف عدد الفقراء، وصاروا يعيشون تحت خط الفقر بعد أن دمرت الآلة العسكرية الغازية بيوتهم وممتلكاتهم، وبدلا من انشاء مؤسسات شرعية يعمل بها الافغان تركوا لمصيرهم المأساوي، فعادوا إلى زراعة الخشخاش والحشيش والاتجار بها عبر إيران وتحت علم أركان النظام الإيراني وصولاً إلى العراق الذي صار محطة لايصال المخدرات إلى تركيا وأوروبا ودول الخليج العربي.

وتجب القوات الأمريكية والاطلسية العاملة معها في أفغانستان عن اتساع نفوذ حركة طالبان في البلاد، ولا يفكر مسؤولو الاحتلال عما فعلت أياديهم في هذه البلاد الصعبة جغرافيا وبشريا، فهذه البلاد الجبلية لم تنفع معها كل القنابل والصواريخ الخارقة، ولم تستطع ان تنال من مقاتلي طالبان والقاعدة، كما أن الأفغان الذين ينتمي معظمهم إلى البشتون هم من الموالين لطالبان.

في ظل هذا الواقع يستغل الفاسدون في سلطة كرزاي نفوذهم في جمع أكبر كمية من الاموال، تنفعهم عندما تتبدل السلطة، ويضطرون الى الرحيل والعيش في بلدان الغرب.

وكذلك الحال في العراق، فهذا البلد الغني بثرواته خاصة النفط والغاز والحديد واليورانيوم والزراعة، هذا البلد الذي كان يجود بخيراته على الاشقاء العرب والاصدقاء من بلدان العالم، يعيش اليوم مأساة الفقر والتشرد والحرمان والتسرب من مؤسسات العلم. وكل همّ الفاسدين الذين وصلوا إلى السلطة تحت حراب الاحتلال أن يمسخوا تاريخ العراق، ويفتشوا عن اخطاء النظام السابق والسلبيات التي حدثت خلال سنوات حكمه، ولا ينظرون إلى واقعهم المعاش وما وصلت إليه البلاد في ظل الاحتلال والطائفية والفاسدين، فهذه الثلاثية خربت العراق اقتصاديا وعليما واجتماعياً.

وعندما نسمع معاناة اطفال العراق في مدارسهم الابتدائية والثانوية، نعجب ونحزن لما وصلت إليه حال العراق الذي محا الامية الابجدية منذ عقد سبعينيات القرن الماضي بشهادة منظمة اليونسكو، واليوم يتحدث الخبراء عن تسرب 30% من طلبة الدراسة الابتدائية الالزامية ومدتها ست سنوات وعدم دخول 15% من الأطفال الواجب إدخالهم إلى الصف الأول الابتدائي، وهذا يعني أن 45% من أطفال العراق سيدخلون خانة الامية، ويتراجع العراق عن المرتبة التي وصلها من قبل في مجال محو الامية.

وقد يجد الفاسدون العديد من الحجج والتبريرات لهذا الواقع، ويتذرعون بانعدام الأمن وخوف الاهل على ابنائهم أو لظروف التهجير القسري لآلاف العائلات من بيوتهم ومن مناطق سكانهم.

ونشاهد عبر الفضائيات اطفال العراق يفترشون الأرض في صفوف الدراسة وجدرانها شبه مهدمة وشبابيكها مكسرة وكأن هذه المدارس مبنية منذ مئات السنين.

وعلى الرغم من مرور ست سنوات على الاحتلال لم تتمكن وزارات التربية المتعاقبة أن ترمم وتصلح المدارس التي نالها قسط من الخراب والسرقة اللذين رافقا الغزو الأمريكي وما لحقه أثناء الحكم الطائفي الذي فَصّله بول بريمر أول حاكم أمريكي فعلي للعراق.

ويقول المتابعون للشأن العراقي -استناداً إلى معلومات وزارة المالية- إن مليارات الدنانير رصدت لوزارة التربية بهدف تهيئة أجواء الدراسة لطلبة العراق.

وفي ضوء الواقع يظهر جلياً مقدار سرقة الاموال المرصودة لهذا الغر ض من الفاسدين الذين لم يراعوا حرمة ولا حقاً للوطن وأبناء الوطن.

أما الجامعات، فهي تحت وصاية المستشار الأمريكي الذي يدعي انه يعمل لصالح العراق في حين انه يعمل من اجل تأخير العملية العلمية في هذا البلد الذي كان في يوم من الأيام مختبر انتاج للعلماء والفنيين في مختلف مجالات العلم والثقافة.

وقد أبلغني أحد عمداء كلية طب الاسنان في الجامعات العراقية أن "المستشار العلمي الأمريكي" عقد اجتماعاً للعمداء ورؤساء الاقسام العلمية في الجامعات، وطلب منهم تقليص الاختصاصات التي تمنح درجتي الماجستير والدكتوراه كي يبقى طلب هذه المرتبة العلمية من اختصاص الجامعات الغربية والامريكية حصراً؟!!.

ولا بد من التذكير بأن النظام السابق أوفد ألوف الطلبة العراقيين -وغالبيتهم من محافظات الجنوب (الشيعة)- إلى الدول الغربية لنيل شهادة الدكتوراه بدليل أن الاساتذة العراقيين قد سدوا شواغر الجامعات العراقية، وسدوا احتياجات جامعات الدول العربية خاصة الأردن واليمن ودول الخليج العربي والسعودية، وصاروا مؤهلين لتخريج درجتي الماجستير والدكتوراه.

أما عن الزراعة، فإن إهمال الفاسدين لهذا المصدر المهم أدى الى أن تصبح معظم أراضي العراق صحراء، وحتى الانهار التي جرى حفرها في زمن نظام صدام حسين قد جفت بدواعي حقدهم عليه وعلى نظامه.

ففي العهد السابق جرى حفر أكثر من بئر أبرزها النهر العميق (نهر صدام) بطول 565 كم يمتد من شمال بغداد حتى البصرة، ويصب في الخليج العربي، وقد أقيم فوقه (51) جسراً للسيارة و(28) عبارة للمشاة، وكذلك نهر (أم المعارك) ونهر (القادسية) والسد العظيم وسد الموصل وبحيرة الثرثار وغيرها كثير.

فكيف جفت هذه الانهر التي كان من المقرر ان تروي ألوف الدونمات الزراعية، وتوفر المياه لسكان القرى من حولها؟!!.

ان كل هم الفاسدين هو أن ينالوا من النظام السابق على أنه جفف الأهوار. نعم، لقد جرى تجفيف مسارات كانت طريقاً للعصاة والمتسللين من إيران لتنفيذ عمليات إرهابية في العراق، لكنه حفر الأنهار وأقام السدود والبحيرات لتوفير المياه للأراضي الزراعية.

لقد سكت الفاسدون عن قانون النفط الذي صاغته إدارة بوش في واشنطن؛ لأن القانون الذي لم تحصل الموافقة النهائية عليه يُعيد الاعتبار للشركات الاحتكارية دورها السابق في نهب نفط العراق، هذا القانون وحالة الفوضى في العراق منحا هؤلاء الفاسدين فرصة لسرقة نفط العراق وبيعه بأسعار زهيدة لزيادة أرصدتهم في البنوك الأجنبية تحسباً لما قد يحدث في المستقبل؟!!.

الفاسدون في الجنوب والفاسدون المتمردون في الشمال يسرقون نفط العراق لأغراض خاصة تضر بمصالح البلاد والعباد. ومع ذلك، فالعراقيون يعانون من شح البنزين واسطوانات الغاز، لماذا وهم يعيشون في بلد النفط والغاز؟!!.

يعيبون على النظام السابق أنه نظام ديكتاتوري، فهذا الديكتاتوري جرى في عهده إعادة إصلاح وإعمار مؤسسات النفط والمصافي التي دمرها الأعداء عام 1991 خلال شهر، وعاد البنزين للمواطنين بكامل الطاقة التي تكفيهم. فمثل هذا الديكتاتور "النزيه العادل" خير من ألف ديمقراطي فاسد يضر بمصالح البلاد والعباد.


العرب اليوم الاردنية

المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق