بدأ البابا بنديكتوس السادس عشر امس زيارته الى الاراضي العربية المقدسة بالتوقف في الاردن محطتها الاولى، والتعبير عن \"احترامه العميق للمجتمع الاسلامي، وتأكيده على الحريات الدينية كحق اساسي في الشرق الاوسط والعالم بأسره\"،
ولكنه لم ينتهز هذه المناسبة للاعتذار عن تهجماته السابقة على العقيدة الاسلامية ورسولها محمد صلى الله عليه وسلم، مثلما توقع الكثيرون لطي هذه الصفحة السوداء وبدء أخرى تقوم على الاحترام المتبادل.
لا نعرف الاسباب الحقيقية التي دفعت بابا الفاتيكان للقيام بهذه الزيارة، وفي مثل هذا التوقيت، ولكن ما نعرفه انه يضع نفسه وسط حقل الغام شديدة الانفجار، فكل طرف من اطراف الصراع يريد توظيف هذه الزيارة لمصلحته، ويتوقع من البابا ان يسانده، والطرف الفلسطيني المحاصر المجوع المضطهد على وجه الخصوص.
البابا سيقوم بزيارتين مهمتين اثناء جولته هذه، الاولى لمخيم عايدة الفلسطيني في منطقة بيت لحم الفلسطينية، والثانية لـ"نصب ضحايا المحرقة النازية".
وكان من المفترض ان يزور الجدار العنصري الذي تقيمه السلطات "الاسرائيلية" على ارض الضفة الغربية المحتلة، ويقسم عائلات وقرى فلسطينية، ولكن الضغوط "الاسرائيلية" المكثفة نجحت في الغاء هذه الزيارة.
مخيم عايدة الفلسطيني هو احد الامثلة الحية على معاناة الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم على ايدي العصابات الارهابية الصهيونية، وبين هؤلاء من اتباع الديانة المسيحية.
فقد كان مؤسفا ان حاضرة الفاتيكان -والعالم المسيحي بشكل عام- لم تهتم كثيرا بهذه المعاناة ولا بالحصار "الاسرائيلي" الوحشي لكنيسة المهد في المدينة نفسها، وقصفها بالمدفعية عندما التجأ اليها عدد من الفلسطينيين من رموز الانتفاضة طلبا للحماية قبل خمسة اعوام.
"من حق البابا ان يتعاطف مع ضحايا النازية ومأساتهم، وان يزور النصب التذكاري الذي اقيم لابقاء معاناتهم حية على مر العصور"، ولكن من حقنا عليه ان يبدي التعاطف نفسه مع ضحايا ضحايا النازية، اي ابناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون محارق مستمرة منذ ستين عاما، كان آخرها في قطاع غزة قبل اشهر معدودة.
فالذين تعرضوا للحرق بقنابل الفسفور الابيض "الاسرائيلية" من اطفال القطاع ومدنييه لا يقلون اهمية عن اولئك الذين "احرقتهم افران الغاز النازية"، مع فارق بسيط ومهم في الوقت نفسه، هو ان الذين استخدموا هذه القنابل امام مرأى العالم ومسمعه هم الذين تاجروا بـ"المحارق النازية"، وابتزوا العالم بأسره للحصول على التعاطف والمال والسلاح لاحتلال اراضي الغير واقامة دولتهم على حساب مأساتهم.
ضحايا "ضحايا النازية" يطالبون بابا روما ان يلتفت اليهم بقوة، وان يقول كلمة صريحة تلفت نظر العالم بأسره الى مأساتهم، فالوقوف الى جانب المظلومين المحاصرين المشردين هو أحد أهم تعاليم الديانة المسيحية السمحاء التي نجلها، ونحترمها.
نريد من البابا ان يدين بناء المستوطنات، وان يطالب برفع الحصار المفروض على مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة، ووقف عمليات الحفر تحت المسجد الاقصى الرامية الى تقويض أساساته ومنع طرد وتشريد اكثر من ثلاثة آلاف شخص من ابناء القدس المحتلة تعكف السلطات "الاسرائيلية" حالياً على تنفيذ مخطط لهدم منازلهم تحت ذريعة انها بنيت دون تصاريح منها، وهي منازل قائمة قبل اغتصاب فلسطين وظهور "دولة اسرائيل" على ارضها.
البابا يجب ان لا يكون حيادياً بان يساوي بين الضحية والجلاد، بل يجب عليه ان ينحاز للمظلومين المحاصرين المضطهدين، فهذه هي مسؤولية رجل في مكانته الدينية، يمثل ديانة سماوية سمحاء.
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
البابا والاعتذار المطلوب.. رأي القدس
