لم تمنع إيقاعات ضربات مطارق الصفارين في سوقهم العتيدة ، المنسق الاعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوربي خافيير سولانا من التمعن في (تحف النحاس) التي صاغتها ايدي (اسطوات) اقدم اسواق بغداد.
وسولانا الذي كان يشغل منصب وزير خارجية اسبانيا واحد من عشرات الشخصيات السياسية والفنية المعروفة التي زارت سوق الصفافير واحتفظت بهداياه المميزة وكان قد سبقه في زيارته لهذا السوق ، الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.
اما رئيسة وزراء الهند الراحلة انديرا غاندي ، فيبدو ان (مشربيات) و (صينيات) سوق الصفافير التي اقتنت واحدة من كل منهما ، لهما وضع خاص لديها على الرغم من ان بلادها يعدّها الكثيرون متحفا للفنون لكثرة ما تزخر به من اماكن تراثية خالدة وصناعات حرفية بالغة الروعة.
ويعد باحثون في التراث سوق الصفافير ، أحد أغرب وأجمل أسواق بغداد وأكثرها أناقة ، حيث كان الزائر لهذا السوق يشعر بعبق الماضي الجميل في كل زواياه ، وتحكي ضربات المطارق الحديدية على النحاس ، قصة من القصص المشوقة في الزمن الجميل ، فيما تؤكد اغلب الروايات التاريخية ان سوق الصفافير نشأ بالتزامن مع بناء المدرسة المستنصرية عام 631 هجرية مع أسواق اخرى ومنها سوق الوراقين الذي يسمى حاليا بسوق السراي ، وسوق البزازين وسوق العطارين (الشورجة).
من تقاليد الصفارين الصارمة ـ ايام زمان ـ اقفال دكاكينهم كل يوم جمعة وفي كل يوم زيارة للعتبات المقدسة وعند وفاة اي عامل من عمال السوق تضامناً معه ، ولا يفتح في يوم الاغلاق الا دكاكين الرؤساء بعد اتمام المراسيم.
ومن الحكايات الطريفة التي يتذكرها من بقي على قيد الحياة من الصفارين ان كتيبة الخيّالة الملكيّة التابعة للحكومة في عهد الملك غازي ، كانت تمرّ بمواكبها في هذا السوق ، كي تتعوّد خيولها على أصوات الضجيج التي كانت تصدر عن مطارق الصفافير ، ولا تجفل من الأصوات العالية إذا حدثت مشكلة ما واستدعت هذه الكتيبة فرسانها.
ويجمع هؤلاء على ان مهنة الصفارين كانت في زمن مضى من اهم المهن الحرفية في العراق ، فقد كانت اواني الطبخ المنزلية البغدادية ومغسلة اليد والمشربة ومنذ العشرينيات مصنوعة من النحاس (الصفر) حتى عام 1953 م ، ففي ذلك العام اصدرت وزارة الصحة قرارها بعدم استخدام الاواني النحاسية لانها كانت تسبب التسمم انذاك ، وبعد هذا التاريخ بدأ الناس باستخدام الالمنيوم (الفافون) عوضا عن (الصفر) وانتقلت هذه المهنة الى صنع التحفيات.
كان سوق الصفافير المكان الاكثر جذبا للسواح إضافة الى كونه محط اهتمام واقبال العراقيين من هواة فنون التراث وعشاق التحف والمقتنيات الفنية المقترنة بأشكال وطرائق الحياة البغدادية القديمة.
ويتذكر الحاج حميد عباس أيام زمان حين كان من متطلبات العرس في تلك الأيام أن يذهب أهل العريس الى سوق الصفافير للتزوّد بالمواد التي يحتاجها بيت الزوجية ، وهي في الغالب تكون (الطشت والابريق والمشربة واللكن) اضافة الى ادوات الطبخ ، كما يؤكد هذا الشيخ الكرخي ان البغداديين كانوا يحرصون على ارتياد سوق الصفافير ويعدون زيارته واجبا ، فما من بيت يخلو من أواني النحاس.
ويبدو ان مهنة الصفارين باتت قاب قوسين او ادنى من الانقراض ، والاسباب كثيرة من بينها ـ كما يقول علي شوقي الصفار ـ عدم تواصل الابناء مع الاباء في هذه المهنة لعوامل عدة من بينها اغراءات الوظيفة الحكومية وقلة الطلب على منتجات السوق.
ويسترسل هذا الشاب وهو موظف حكومي حاليا بالقول " ورث المرحوم والدي المهنة عن ابيه وعن أجداده وكان يعهد اليه بصناعة (أهلة الجوامع) ويفتخر بشكل خاص حين يتحدث عن (الهلال) الذي يعتلي منارة جامع (أم الطبول) .. موضحا ان والده كان يشتغل حسب (التوصاه) أي تكليفه بالعمل ، حيث كان متخصص بصنع (أهلة الجوامع) وزخرفة الأبواب الكبيرة وبعض الأدوات المنزلية والصواني .
ويشير الى ان التحف الصينية والتركية والمصرية والسورية التي تباع باسعار زهيدة غزت السوق العراقية الامر الذي جعل الكثيرين يلجأون اليها على الرغم من جودة المعروضات العراقية التي انفردت عن مثيلاتها في دول الجوار لاحتفاظها بحرفتها اليدوية التي ظلت بعيدة عن القوالب الجاهزة والمكننة.
ويذكر موفق الصفار الذي تفرغ لمهنة تصليح القطع النحاسية ، ان مهنة (الصفارين) من الحرف اليدوية التي يصعب على الفرد العادي تعلّمها ، إذ يتوارثها المشتغلون فيها أباً عن جدّ.
ويقول " على الرغم من أن السوق يغطّ الان في سبات بسبب الصناعات الجديدة ، ، إلاّ أنّه كان في الماضي يعجّ بالناس من مختلف الأجناس والبلدان ، ومن شتى طبقات المجتمع العراقي وخاصة كبار الشخصيّات التي كانت تقصد هذا السوق باستمرار لشراء بعض المقتنيات من التحف الفنّية ".
اما شقيقه محمد الذي ورث مع موفق دكان والدهما ، فيلفت الانتباه الى قضية لا تقلّ أهمّية عن هجرة العقول العراقية الى الخارج واستثمارها من قبل الآخرين ، وهي هجرة الحرفيين ممن سماهم (شيوخ المهنة) الى دول أخرى ليعطوا ابداعاتهم.. معربا عن اسفه لانقراض هذه المهنة منذ فترة طويلة وانصرف الناس عنها الى الصناعات المختلفة الجاهزة بسبب ظروف البلد ومعاناته ، في الوقت الذي ازدهرت فيه اسواق عربية مثل (خان الخليلي) في مصر و (سوق الحميدية) في سوريا وغيرها.
وعلى الرغم من هذه الصورة السوداودية لمستقبل سوق الصفافير ، فان هذا السوق لا يزال يمثل هوية بغداد ونافذة تطل على عبق تاريخها في وقت يطالب الصفارون الحكومة الحالية بإنقاذ مهنتهم من الموت الذي زحف اليها منذ سنين وابقى بضع محلات من بين العشرات من المحال والورش تحت رحمة الزمن الذي يقال انه لا يرحم احدا .
نينا + الهيئة نت
ح
سوق الصفافير .. كنز البغداديين الخالد الذي يأبى الضياع
